حدود العقل.. متى يحب أن نتوقف عن التفكير؟
- Khalid_guerdaoui
- 2025-01-29T19:22:45+00:00
يقول ابن خلدون:"إن العقل ميزان صحيح، لكن لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد، فإن ذلك طمع محال". و يواصل ايمانويل كانط بقوله: "أستطيع أن أصف لك كيف يبدو لي العالم، لكني لا أستطيع أن أصفه كما هو في الواقع". من هنا يبدوا أن بيرون على حق حين يصرخ"نحن لا نعرف شيئاً، ولن نعرف شيئاً".
لقد كان خلافاً عظيماً ذلك الذي دار بين الفلاسفة والعلماء على مر التاريخ، حول حدود العقل وإمكانياته، وبقدر اختلافهم واختلاف بيئاتهم كانت النتائج مختلفة، بحثوا في الأسئلة الوجودية الكبرى، من بداية الخلق حتى مسألة البعث. مروراً بالقضايا الأخلاقية والحقائق العلمية.
فهل خيب العقل ظن الفلاسفة؟ وخذل من راهنوا عليه؟
فهل خيب العقل ظن الفلاسفة؟ وخذل من راهنوا عليه؟
لا، لم يخذل العقل من راهنوا عليه، لكن إستخدامهم إياه في غير موضعه واختصاصه هو ما أدى لخذلانهم برأيي.. فمثلا لم أجد مبرر لدراسة ما يعرف ب"الميتافيزيقا" فهي واضحة من مسماها - ما وراء الطبيعة-.. فهل فرغ العقل من دراسة الطبيعة بكل مشتملاتها حتى نتطرق لما ورائها!!
وهنا تحضرني مقولة شكسبير "التدقيق في أتفه التصرفات قد يهوي بك إلى الجنون، لذا تغافل مره وتغابى مرتان"!
ولقد ناقشت بمساهمة سابقة الأثر المحتمل للتفكير المفرط على سلامة العقل، ربما تكون على صلة بموضوع مساهمتكم:
وهنا تحضرني مقولة شكسبير "التدقيق في أتفه التصرفات قد يهوي بك إلى الجنون، لذا تغافل مره وتغابى مرتان"!
إن الشك هنا لا يعتبر نسقا فلسفياً يقدم إجابات لكل أسئلة الوجود، إنما هو "موقف"، وموقف محايد أيضا، إن الشاك الحقيقي لا ينفي أي فكر أو عقيدة كما لا يثبتها أيضاً، إنه أقصى درجات الإحباط، يرى بيرون أننا لا نعرف شيئا ولن نعرف شيئا، وأن الأسئلة الوجودية الكبرى ستبقى معلقة، دون إجابات.
يستدل الشكيون هنا بأن العقل ليس مصدراً موثوقاً للحقيقة، فالعقل مثلاً يقول إن الشمس تدور حول الأرض، في ما أصبح من المتفق عليه أن هذه المعلومة خاطئة، وفي الكثير من الإشكاليات المنطقية يستطيع العقل أن يثبت الشيء، ويثبت عكسه بنفس الكفاءة.
يرى بيرون أننا لا نعرف شيئا ولن نعرف شيئا، وأن الأسئلة الوجودية الكبرى ستبقى معلقة، دون إجابات.
الكل يفكر بطريقته وعلى هذا الأساس يأتي بإجابات مختلفة، فيما يتعلق بالأسئلة الوجودية فبعض إجاباتها مفسرة في الدين وتصديقها يعتمد على إيمان كل شخص. من لا يؤمن هو من يسعى لإيجاد الإجابات وحدود عقله لن تساعده على التوصل لإجابة واحدة واضحة مثبتة ستبقى نظريات وحسب، أما ما هو غير مفسر في الدين فلن نعرف إجابته أبدا، لأنه سيبقى سر من أسرار الكون ربما مخفي عنا لأن عقلنا البشري لن يستوعبه.
الكل يفكر بطريقته وعلى هذا الأساس يأتي بإجابات مختلفة، فيما يتعلق بالأسئلة الوجودية فبعض إجاباتها مفسرة في الدين وتصديقها يعتمد على إيمان كل شخص
لو قلنا آنسة رنا أن العقل هو كل شيء. فهذا الموقف-على عكس ما يعتقد الكثيرون- هو الأضعف فلسفيا، فأغلب الفلاسفة كانوا إما مؤمنين أو شكاكين، أي أنهم يشكون في العقل نفسه. لكن نقطة التحول هنا كانت مع الداروينية. فقد بدأ الكثيرون يتطلعون لبدائل علمية لكل شيء. على اعتبار أن بداية الخلق قد تم تفسيرها علمياً، ف -عندهم- نظرية الخلية الواحدة، ثم التطور تعد بديلاً كافياً لنظرية الخلق في الأديان، ثم الانفجار الكبير الذي يفسر بداية الكون وهكذا… لذلك يمكن اعتبار المذهب الأخير العدو الحقيقي للإيمان، وليس الشك؛ فالشك بطبيعته مسالم لا ينفي ولا يطرح بدائلاً. لكن محاولة تفسير كل شيء منطقيا وعلمياً ما تزال هي الأخرى حلماً بعيد المنال، فالعلم "لا ينفع الإنسان عند نزول المصيبة" كما قال باسكال. دون الحديث عن المسائل الدينية الأكثر تعقيداً والتي يصعب تقديم إجابات علمية عليها.
فالعقل مثلاً يقول إن الشمس تدور حول الأرض، في ما أصبح من المتفق عليه أن هذه المعلومة خاطئة، وفي الكثير من الإشكاليات المنطقية يستطيع العقل أن يثبت الشيء، ويثبت عكسه بنفس الكفاءة
العقل كان يعتقد ذلك، ثم مع المعرفة والوعي صار يعتقد خلاف ذلك، لكن هل اجتمغ متناقضان في العقل؟ بالطبع لا، لذلك لا يصح القول بأي حال من الاحوال أن نفس العقل بنفس المعرفة تماما يثبت الشيء وعكسه بنفس الكفاءة، هذا جدا خاطئ!
قد يثبت شيئا الآن، وبعد اكتساب معرفة أكبر ووعي اكثر يثبت عكسه، وهنا هو لا يظل مقتنعا اساسا بالاثبات الاول بل غيره بناءا على المعرفة الجديدة.
أما بخصوص متى نتوقف عن التفكير، فكما قالت الأخت @Amany11، إذا استعملته في موضعه فلن تتوقف عن التفكير ولا عن التطور ولا عن اكتساب معرفة اكبر واكبر كل مرة.
لكن استخدامه في غير موضعه، (وهو ما يؤكد عليه الحديث الصحيح لللنبي صلى الله عليه وسلم، تأملوا في آيات الله ولا تأملوا في ذاته) بالطبع سيدخلك في متاهة من التناقضات غير المنطقية! وهذا نا قصده ابن خلدون في مقولته التي أوردتها، إعمال العقل في الغيبيات مضيعة للوقت. لذا من البدهي أن تجد الفلاسفة غير الموحدين يقعون في هذه التناقضات. بينما لن تجد فيلسوفا مسلما واحدا يقول بأن العقل خيب ظنه
العقل كان يعتقد ذلك، ثم مع المعرفة والوعي صار يعتقد خلاف ذلك، لكن هل اجتمغ متناقضان في العقل؟ بالطبع لا، لذلك لا يصح القول بأي حال من الاحوال أن نفس العقل بنفس المعرفة تماما يثبت الشيء وعكسه بنفس الكفاءة، هذا جدا خاطئ!
ربما يعرف الكثيرون من من درسوا الهندسة، إسهامات باسكال في مجال الفيزياء، لكنهم قد لا يعرفون أنه كان مؤمنا من نوع خاص أيضاً، يقول: "للقلب أسبابه التي لا يدرك العقل عنها شيئاً، فالقلب هو من يشعر بالله تعالى لا العقل، وهذا هو الإيمان؛ أن تجد الخالق بقلبك لا بعقلك". في هذه الجمل اختصر باسكال نظرته – ونظرة الكثيرين- للعقل وحدوده، فالعقل عنده يصبح عقيماً حين نقحمه في مجالات لا يستطيع استيعابها.
يستدل باسكال هنا بأن مشكلة بداية الكون مثلاً لا يمكن للعقل أن يحلها، فلا يمكنه تصور "الأبدية" إطلاقاً ولا استيعابها مهما حاول، وهنا يأتي دور الإيمان. تماماً كما يرى الغزالي أننا نقدم الاحتمال "الأضعف عقلاً" إذا قرره الوحي. وهذا ما رآه جون لوك وابن خلدون والأشاعرة عندنا وغيرهم. باختصار العقل عندهم "قاصر".
إن الشاك الحقيقي لا ينفي أي فكر أو عقيدة كما لا يثبتها أيضاً، إنه أقصى درجات الإحباط،..
أظن أن المهمة الأسمى للشك، تتمثل في إخضاع الأفكار والمعتقدات للنقد والتمحيص، ومن ثم تقبل المنطقي منها، وطرح ما ليس كذلك..
وذلك يجب أن يساعد على السكينة وليس الإحباط برأيي؛ فالشك يجب أن يمهد طريقنا إلى اليقين -ببعض القضايا دون غيرها- فهناك مجالات لا يصح ولا يستحسن اليقين التام بقضاياها، كالبحث العلمي مثلا، كما ذكر الأخ @Rafik_bn ..
وفي الكثير من الإشكاليات المنطقية يستطيع العقل أن يثبت الشيء، ويثبت عكسه بنفس الكفاءة.
أحيانا تعرف تلك المهارة ب"السفسطة"، وكانت مهارة مرغوبة جدا بفترة ما، ولعل بعض المحامون مازالوا يعتمدونها حتى الآن..
وبشكل عام، من الوارد حدوث ذلك في الإشكاليات النظرية دون غيرها، فمعظم الإشكاليات تبطل إذا ما دخلت تحت مظلة التجريب العملي
أظن أن المهمة الأسمى للشك، تتمثل في إخضاع الأفكار والمعتقدات للنقد والتمحيص، ومن ثم تقبل المنطقي منها، وطرح ما ليس كذلك..
يرى كانط مثلاً أننا لا يمكن أن نعرف الأشياء على حقيقتها إطلاقا، نحن محكومون بتجاربنا ومحيطنا وحواسنا، لذلك تختلف مثلاً نظرة الماليزي الحداثي عن الشيعي عن المتصوف للإسلام، وبالتالي لا يمكننا تعريف إسلام معياري، الإسلامي الأصلي أو الحقيقي؛ هي كلها تفسيرات، تتغير حسب الأشخاص والظروف.
أحيانا تعرف تلك المهارة ب"السفسطة"، وكانت مهارة مرغوبة جدا بفترة ما، ولعل بعض المحامون مازالوا يعتمدونها حتى الآن..
محاولتنا لفهم كل شيء، والإجابة على كل شيء ما هي إلا محاولة بائسة للهروب من قدرنا المحتوم؛ وهو البحث في الآراء المتناقضة دون الوصول لإجابة. ومن أبرز الشكيين: بروكلي ودافيد هيوم وبيرون المؤسس طبعاً. عندهم باختصار "الموضوع عبثي".
فهل فرغ العقل من دراسة الطبيعة بكل مشتملاتها حتى نتطرق لما ورائها!
لا أتفق، التطلع دائما إلى ما وراء الأفق هو ما يجعلني قادرين على كسر الحدود، لن نستكشف معالم الطبيعة إلا لو شطحنا في الميتافيزيقا، وما أدل على ذلك من النظريات الفيزيائية الحديثة، مثل النظرية الكمية، ونسختها المحدثة (النظرية الوترية).
وما أدل على ذلك من النظريات الفيزيائية الحديثة، مثل النظرية الكمية، ونسختها المحدثة (النظرية الوترية).
ولكن ما علاقة تلكم النظريات بالميتافيزيقا؟!
وللتوضيح، أعني هنا ب"ما وراء الطبيعة" أو الميتافيزيقا، التطرق للغيبيات وما يحيطها من إشكاليات، كدلائل وجود الله، والبحث حول أسبقية العلم الإلهي للأفعال البشرية، وما إلى ذلك..
لا يجوز تجزيئ العلم إلى ما ينفع وما لا ينفع، إلا بعد أن يستقر علم الشيء ضمن معلومنا، ويتحقق لدينا القدر الكافي من المعلومات التي تؤهلنا لإطلاق حكم، أما القول، بهذا لا ينفع فقط لأننا نعجز عن معرفته، فهي مجرد أقوال تعجيزية، موجودة منذ مقولات أرسطو المنطقية، ورياضيات الخوارزمي، وغيره مما صار له فائدة لا يمكن التشكيك فيها، حيث تطورت الحواسيب وصولا إلى عصر الذكاء الاصطناعي. لما تسائل ابن الهيثم، كيف نرى؟ كان هذا يعد من الغيبيات، ولكن بسبب مثابرته، تحقق له الريادة في علم البصريات، وساهمت بحوثه لاحقا في تطوير الكاميرات.
أسبقية العلم الإلهي، دلائل وجود الله، لهما فائدتان، واحدة عقائدية، فإما أن نلحد وإما أن نزداد إيمانا.
من ناحية أخرى، التطلع إلى هذه المعارف، يفيد في تجاوز الحدود البشرية.
على كل حال، ربما كان كلامك عقائديا، أكثر منه علميا، لأن النظرية العلمية لا تؤمن بأي حدود لأي شيء عدا القوانين التي ثبت نفاذها (مثل قانون الجاذبية، يمنعنا من الطيران، لكن مع ذلك، أمكن الطيران دون أي إلغاء لقانون الجاذبية).
نحن البشر أذكى من جميع الكائنات التي عرفناها بشكل مباشر وتعاملنا معها، وهذا أوقع بعض فلاسفة العصر الحديث في وهم أن عقولهم لا حدود لها، حيث أنهم أذكى من العامة لذلك يظنون أنهم يمتلكون أفضل العقول، فإن لم يستطيعوا هم البحث في الأسئلة الوجودية الكبرى فمن الذي سيستطيع؟ لكن في الحقيقة عقل الإنسان قاصر عن كثير من الأمور ومحدود جداً، كوننا نمتلك أفضل العقول بين الكائنات المعروفة لا يعني أن عقولنا هي في أرقى صورة "ممكنة" ، وبعض أصحاب العقول الراجحة الذين هم أكثر علماً وحكمةً من هؤلاء أدركوا هذه الحقيقة، مثلاً إسحاق نيوتن جمع بين العلم الغزير والعقل الراجح، وكانت علومه أساس نهضة البشر في العصر الحديث، ومع ذلك لم يدّع معرفة كل شيء أو أنه يستطيع بعقله الوصول إلى إجابة أي سؤال، فهو يقول:
لا أعرف كيف أبدو في أعين العالم، ولكن بالنسبة لنفسي فأني أبدو فقط مثل طفل يلعب على شاطئ البحر مسليًا نفسه من حين لآخر بالبحث عن حصاة أنعم أو صدفة أجمل من المعتاد بينما أنظر أمامي فأجد أن محيط الحقيقة العظيم لم يكتشف حتى الآن.
أظن أن ما قاله نيوتن كافي لإيصال الفكرة، فبرأيي فحدود العقل تتوقف عند ما هو واضح، وواضح جداً أما ما يصل إليه العقل بعد ذلك فكله قابل للشك، وبالنسبة لي كشخص مؤمن بالدين أرى أن العقل يتوقف عند نصوص الدين الواضحة فهي جاءت من مصدر إلهي ونحن بالتأكيد لسنا أكثر حكمة ومعرفة من الله، أما النصوص القابلة للتفسير والتي يختلف علماء الدين في تفسيرها فالافضل أن نأخذ الأرجح مع الإقرار بأن العلم الكامل لله وحده
يجب ألا نغفل عن التحديات التي يواجهها العقل البشري في معالجته للأمور التي لم يتوصل إلى إجابة قاطعة بشأنها. هل يمكن للإنسان أن يفهم كل شيء؟ وهل من الممكن أن يتغلب على جميع الأسئلة الوجودية؟ حتى في مجالات العلم، رغم تطوره المستمر، ما زال هناك الكثير من الغموض، مثل الأسرار الكونية والظواهر الفيزيائية المعقدة التي نحتاج إليها فهماً أعمق.
المفارقة أن العقل البشري، رغم محدوديته، يبقى عنصرًا أساسيًا في التقدم البشري، فكل اكتشاف أو نظرة جديدة تبدأ من قدرات عقلية بسيطة، قد تفتح آفاقًا غير محدودة أمامنا. ولكن في الوقت نفسه، يجب أن نتعلم كيف نضع حدودًا لما يمكن للعقل البشري تحقيقه، وأن نميز بين ما هو ثابت وبين ما يبقى مجهولاً.
وجدت أنه من الحكمة دائمًا أن أتعامل مع الأسئلة الكبيرة بمزيج من التفكر النقدي والإيمان بقوة الحقيقة التي قد تتجاوز حدودنا.
وجدت أنه من الحكمة دائمًا أن أتعامل مع الأسئلة الكبيرة بمزيج من التفكر النقدي والإيمان بقوة الحقيقة التي قد تتجاوز حدودنا.
طرح سليم صديقتي عفيفة و لكن الحكمة" لا تُعنى بتقديم إجابات لكل شيء، بقدر ما هي "موقف" هي الأخرى، موقف يرفض الخرافة والأسطورة لا أكثر. عموماً، العقل الإنساني - آنسة عفيفة- جبار، فحتى حين ننقد العقل، ونحاكمه، نفعل ذلك باستخدام العقل نفسه! لكن يمكن القول إنه خيب ظن أغلب الفلاسفة والمفكرين، فرأوه محدوداً متناقضاً بطبيعته؛ يثبت الشيء ويثبت عكسه في الوقت ذاته، ويجب استخدامه بحذر شديد.
فهل خيب العقل ظن الفلاسفة؟ وخذل من راهنوا عليه؟
العقل لم يخذلنا، لكنه ليس عصا سحرية تجيب عن كل الأسئلة. نجاحه في مجالات مثل العلم والتكنولوجيا يثبت أنه أداة قوية، لكنه ليس كافيًا وحده لفهم كل شيء. لهذا، ربما الحل ليس في رفضه كما فعل بيرون، ولا في تأليهه كما فعل ديكارت.
حتى وإذا كان العقل قد عجز عن تفسير بعض الأمور الماورائية، فإنه انتصر انتصارات عظيمة في مجالات أخرى. العقل هو من منحنا الفيزياء، الطب، التكنولوجيا، والفلسفة. لولا العقل، لما كنا نعرف شيئًا عن الجاذبية، قوانين الوراثة، أو حتى الكتابة نفسها!
ارى أن الفرنسي بليز باسكال، الذي قال: "للعقل حدوده، والقلب له منطقه الخاص". هذه الفكرة نجدها حتى في الفكر الإسلامي، حيث هناك توازن بين العقل (التفكير والتحليل) والقلب (الإيمان والحدس الروحي). ربما المشكلة ليست في أن العقل خيب ظننا، بل في أننا نتوقع منه أن يفسر كل شيء وحده.
العقل لم يخذلنا، لكنه ليس عصا سحرية تجيب عن كل الأسئلة. نجاحه في مجالات مثل العلم والتكنولوجيا يثبت أنه أداة قوية، لكنه ليس كافيًا وحده لفهم كل شيء. لهذا، ربما الحل ليس في رفضه كما فعل بيرون، ولا في تأليهه كما فعل ديكارت.
التأليه و الرفض مفهومان ضبابيان - آنسة عفيفة- لأنهما نابعان من مفاهيم متداخلة، تستنطق الفكر والإدراك والعقل بمعنى واحد، فهي أسماء متعددة لمسمى واحد، ويطلَق الفكر ويراد منه التفكير أي العملية التفكيرية، وقد يطلَق ويراد منه نتيجة التفكير، أي ما توصّل إليه الإنسان من العملية التفكيرية. وليس للفكر بمعنى التفكير عضو خاص به حتى تصح الإشارة إليه، بل هو عملية معقدة تتكون من الواقع المحسوس وإحساس الإنسان ودماغه والمعلومات السابقة لديه. وما لم تجتمع هذه الأشياء الأربعة في عملية معينة لا يمكن أن يحصل فكر ولا إدراك ولا عقل. ولذلك أخطأ القدامى حين بحثوا العقل، وصاروا يحاولون تعيين مكانه في الرأس أو القلب أو غير ذلك. والظاهر أنهم كانوا يظنون أن العقل عضو معين أو أن للعقل عضواً معيناً. وأخطأ المحدثون حين جعلوا الدماغ هو محل العقل والادراك والفكر، سواء الذين قالوا إن الفكر هو انعكاس الدماغ على الواقع، أو الذين قالوا إن الفكر هو انعكاس الواقع على الدماغ، لأن الدماغ عضو كسائر الأعضاء لا يحصل منه أي انعكاس، ولا يحصل عليه أي انعكاس. لأن الانعكاس هو تسليط الضوء على الشيء وارتداده عنه، وتسليط الشيء على جسم فيه قابلية الانعكاس وارتداده عنه مع وجود الضوء.
اذا كان العقل سيستخدم في مناقشة "البديهيات" مثل اثبات قيمة 1 وان 1+1 = 2 وان الشمس تشرق من جهة المشرق وغيرها من بديهيات العقل البشري سواء في الجوانب العلمية او الاخلاقية او الدينية "كوجود الخالق فهو يعتبر امر بديهي" فنعم العقل سيخذلك
مجتمع لمناقشة المواضيع الثقافية، الفكرية، والاجتماعية بموضوعية وعقلانية. ناقش وتبادل المعرفة والأفكار حول الأدب، الفنون، الموسيقى، والعادات.