20

لماذا رفضت فرنسا بيع متاجر كارفور؟

مرحبًا،

هذا الأسبوع تابعت قضية (محاولة استحواذ الشركة الكندية أليمونتاسيون كوش-تار على متاجر كارفور الفرنسية)، ولأن القضية متشعبة جدًا، وممتعه، حاولت أن ارويها لكم ونفتح نقاشًا حولها.

كيف بدأت القصة؟

شركة كوش-تار الكندية والتي تُدير عدة متاجر تعمل في مجال تجارة التجزئة في كندا والولايات المتحدة والمكسيك و أوروبا واسياء، ولديها علامات تجارية عديدة. رأت هذه الشركة أن متاجر كارفور الفرنسية ستشكل فرصة مهمة ونقطة توسع مهمة في حال الاستحواذ. عليها،

تقدمت الشركة الكندية بعرض استحواذ بقيمة 16.2 مليار يورو لشراء متاجر كارفور للسوبرماركت في فرنسا. وبدات الشركتان في عملية التفاوض، كما هي العادة بعد أي عرض استحواذ.

الحكومة الفرنسية تستنفر

بعد أقل من 24 ساعة فقط، تدخلت الحكومة الفرنسية بشكل مباشر لإلغاء الصفقة؛ وصرح وزير المالية الفرنسي بقولة أن كارفور تُمثل مصدر أمن غذائي للشعب الفرنسي، ولن يتم التفريط بها لمستثمر أجنبي.!

ولأن الصفقة مهمة للشركة الكندية توجه ألان بوشار، مؤسسها الملياردير إلى باريس من أجل إقناع الحكومة الفرنسية بإتمام الصفقة وأن لديه نوايا طيبة؛ كما قام وزير الاقتصاد الكندي بالدخول على الخط ومحاولة إقناع الحكومة الفرنسية.

لهذه الدرجة صفقة سوبرماركت تجعل أعلى قيادات البلدين يتدخلون ... أين تكمن الفرصة للكنديين وأين مصدر الخوف للفرنسيين؟

كورونا علمتنا أهمية الأمن الغدائي

في كل بلد حول العالم هناك سياسة واضحة للأمن الغدائي، هناك دول تُدير سياستها من خلال الاستثمار في الزراعة أو الاستحواذ على شركات زراعية حول العالم، وهناك دول تقوم بتخزين الطعام، نعم تخزين الطعام. ودول أخرى تستثمر في قوانين تمنع تصدير الحبوب وبعض العناصر الغدائية المهمة، وهناك دول تستثمر في صناعة الغداء. وتأتي كل هذه الاستثمارات وسياسات التحوط من أجل ضمان غذاء كافي للشعب في وقت الحروب والأزمات.

وبالعودة إلى أزمة كورونا التي لا زلنا فيها حتى اللحظة، تدرك الحكومة الفرنسية بأن متاجر كارفور كانت سلاسل بيع مهمة ومصدر أمان خلال الأزمة. نحن نتحدث عن السيادة في مجال الغداء، قد يبدو الأمر لك مضحكًا أو طريفًا. لكن هذا هو السبب الحقيقي الذي دفع الحكومة الفرنسية لرفض الاستحواذ. لا نريد شركة أجنبية تتحكم في غذائنا. علاوة على ذلك متاجر كارفور هي من أكبر الشركات التي توظف الفرنسيين، ما هو الضمان في أن الشركة الكندية سوف تبقيهم؟

بالعودة إلى استثمارات الشركة الكندية نجد أن نمط عملها يدور في فلك (تجارة التجزئة) لذلك كان هذا الاستحواذ طبيعي ومتوقع من شركة تدير سلاسل من متاجر التجزئة حول العالم.

الشركة الكندية حاولت طمأنت الفرنسيين وقالت أنها سوف تتعهد بالتالي:

  1. منافسة "أمازون" الشركة الأمريكية المكروهة من الحكومة الفرنسية.

  2. تعهدت باستثمار ثلاثة مليارات يورو على مدى خمسة أعوام.

  3. تعهدت بعدم إلغاء الوظائف لمدة عامين،

إلا أن الفرنسيين رفضوا الأمر جملة وتفصيلا.

لماذا استخدمت الشركة الكندية ورقة أمازون في المفاوضات؟

عندما تقرأ وتدقق في الأمر ستجد أن أمازون يدمر الشركات الناشئة في فرنسا ويحتكر الأسواق، ولا تستطيع الحكومة الفرنسية إيقاف هذا الجنون، حتى مع كل دعاوى الاحتكار والضرائب التي تفرضها على الشركات التقنية الأمريكية و أمازون بالتحديد، لم تستطع حكومة فرنسا إيقاف أمازون. وبحسب الأرقام المعلنة قد اشترى أكثر من 70٪ من المتسوقين عبر الإنترنت في فرنسا شيئاً ما على أمازون في الأشهر الـ12 الماضية.

حاولت الشركة الكندية بأن تخبر الفرنسيين بأنها معهم في ذات الخندق وتريد كسر احتكار أمازون.

ليس غريبًا على الفرنسيين

رفض هذه الصفقة ليس غريبًا في الثقافة الفرنسية التي ترفض أو تخاف أو تخشى المستثمر الأجنبي، ويمكنك قراءة الكثير من الرفض في صفقات عدة، حيث رفضت الحكومات الفرنسية بشكل دائم وعرقلت بعض الصفقات. هذا يحدث في أمريكا وألمانيا أيضا بدعوى الخوف على الصناعة المحلية أو حماية الاسرار الاقتصادية والصناعية والاستثمارات الحساسة التي ترتبط بالأمن. لكن في فرنسا يبدو بشكل واضح وزائد عن الحد وفي كل الصفقات.

"لا تتدخل في الخبز"

عندما تعود لقراءة أحد أهم أسباب الثورة الفرنسية في العام 1789 ستجد أنه الخبز.!

قد يبدو هذا الخوف متأصل في الثقافة الفرنسية، نقص الغداء شيء مخيف جدًا سيدفع للناس للفوضى كما حدث في أيام الثورة.

يُقال أن الخبز كان يمثل أهم الصناعات الغذائية في فرنسا وهو مصدر غداء الشعب الوحيد ، ولذلك كان أي ارتفاع في أسعار الحبوب يسبب الكثير من المشاكل والتوترات في المجتمع. استغل الثوريون هذه الأزمة واشعلوا نار الثورة، وهكذا اندلعت الثورة الفرنسية

ولأجل ذلك نصح المستشار الاقتصادي تورغوت الملك الفرنسي لويس السادس عشر، قائلًا:"لا تتدخل في الخبز". لكنه لم يستمع إلى النصيحة وطاحت به الثورة مرة أخرى من أجل الخبز أيضا!

يمكنك إجراء بحث موسع لمعرفة تأثير (نقص الخبز وكيف كان أحد أهم العوامل في اندلاع الثورة الفرنسية). الآن لنعد لوقتنا الحالي وقضيتنا مع كارفور والأمن الغدائي لنعرف مكاننا نحن العرب أين؟

بناء الشركات الوطنية والمحافظة عليها

إن عملية بناء الشركات الوطنية والمحافظة هو هدف نبيل يجب أن تتم زراعته في كل رائد أعمال عربي، أن حالة (اللهث) خلف بيع الشركات العربية للمستثمر الأجنبي، والاحتفال بعمليات التخارج كأنها انتصار عظيم، يجب أن يتوقف. لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يخدم هذا النموذج منطقتنا. صحيح أن يخدم (المتنفذين) من هذا النموذج مثل مدراء الصناديق الاستثمارية، وشركات الاستثمار. لكن على مستوى ثقافة ريادة الأعمال، والهوية، والثقافة، ودعم الصناعة الوطنية، فأن هذا النموذج يشكل مبعث قلق كبير جدًا.

علينا أن نزرع هذه الثقافة ونروج لها من خلال المقالات والأفكار والنقاش حولها، وتبيان أثرها النافع. نحن لا نريد الإنغلاق على أنفسنا ولا نروج لذلك، لكننا نريد الحفاظ على مكتسباتنا الوطنية. وهناك فرق شائع جدًا بين (الاستثمار الأجنبي وبين تسليم رقابنا للمستثمر الأجنبي).

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

في تونس تمثل تلك العلامة مع علامة أخرى ذراع فرنسا في بلدنا ،الفترة الفارطة هناك سلسلة متاجر إسمها عزيزة مالكها تونسي و تنتشر بشكل كبير في الأحياء الشعبية كما أن تخفيضاتها و اسعارها مناسبة جدا ،حدثت موجة شغب يقودها الشواذ و أتباع فرنسا فتم توجيه الأطفال و القصر لمهاجمة فروع عزيزة بدعوى أنها تركية أو مالكها تركي و لم تمس فروع العلامات الفرنسية ،لكي تفهم قيمة تلك العلامات للدولة الفرنسية ...

حدث نفس الأمر هنا في المغرب السنة الفارطة لسلسة متاجر BIM التركية التي أصبحت منتشرة في كل الأحياء حيت تم التحريض عليها بدعوى منافسة الدكاكين الصغيرة في الأحياء الشعبية والمنتجات المحلية. لكن الشركة كانت ذكية حيث استدلت بان 40% من السلع هي محلية الصنع. شخصيا أجد منتجات المتجر المستوردة من تركيا جيدة جدا وبـأسعار معقولة.

أعتقد ان الـأمر سياسي في دولنا المتفرنسة :)

رغم أن بيم تمت محاربتها لكن لم تسقط ابدا، لديها قاعدة جماهرية، وعن نفسي أفضلها على مرجان، خاصة أنها قريبة مجرد أمتار من البيت، حاولت أن تحاربها مرجان وبدأت تنشر مرجان ماركت هي متاجر أصغر شبيهة لبيم ولم تنجح,,

الآن لا زالت كارفور تواجه المشاكل بسبب القطيعة التي قمنا بها، وشخصيا لا اذكر ولا مرة أني أخذت أي منتجا منها، أتعبت فرنسا بلدان الشمال الافريقي حتى بعد الاستعمار

هذه مالكها تونسي و بضاعتها تونسية ،لكنهم بطريقة خبيثة قاموا بحشد وسائل الإعلام ،بدعوى التتريك و الغزو العثماني ...المشكل أن تركيا هي أكثر بلد يدعم تونس فهناك أزمة تصدير زيت الزيتون قام الأتراك بطلب شراء كل الكمية العالقة بالسوق ورفض اتباع فرنسا بعد ذلك رفضت فرنسا قبول تلك الكمية...هو صراع مصغر في حوض البحر المتوسط ...

سلسلة المتاجر تلك أسعارها فعلا تنافسية و صغار التجار يشترون منها و يعيدون عرض البضاعة في محلاتهم ،أظن إذا كانت شروط المنافسة نزيهة لن تبقى السلاسل الفرنسية في تونس بطول المدة...

المشكل أن فرنسا تعتبر تلك الماركات مسألة أمن قومي لذلك تدفع بكل رجالها في بلدنا للدفاع عنها ،يشبه الأمر مسألة حياة أو موت بالنسبة لها

معلومات مُثيرة للاهتمام، شكرًا رياض على مشاركتنا هذه الأخبار. نحتاج إلى صحافة استقصائية عربية تكشف مثل هذه المؤامرات.

و هل يوجد غضب في تونس على تركيا ؟ ولماذا ؟

هناك تجييش من قبل وسائل الإعلام فأغلبها يمتلكها فرنكوفونيين ،بينما الشعب يحب تركيا ،ففي الواقع هي أكثر بلد يستثمر في تونس و يقدم لها مساعدات هي و قطر...الإعلام دائما يهاجم تركيا بينما يقضون عادة إجازات رأس السنة و رحلاتهم في تركيا...

هو نوع من الصراع بين فرنسا و بقاياها في البحر الأبيض المتوسط فتونس و الجزائر و المغرب هي مستعمرات سابقة لفرنسا ولا تريد التخلي عنها ،كما تمثل تلك البلدان بوابة إفريقيا بالنسبة لتركيا لذلك تدخلت في ليبيا ...

كورونا، الثورات، الأزمات؛ جميعها أمور وضحت لنا أهمية الغذاء وكيف يُمكن أن يكون المحرك الأساسي للأشخاص ضد أنظمة بأكملها!

الغذاء هو أول الأمر المشترك الذي يبحث عنه كل من الفقير والغني..

مشاريع التسوق ومشاريع المطاعم وكل ما يتعلق بالطعام بشكل عام هي المشاريع الأولى في العصر الحالي، حتى المستثمرين وأصحاب المشاريع الناشئة يتجهون إلى هذا النوع من الإستثمار!

لهذه الدرجة صفقة سوبرماركت تجعل أعلى قيادات البلدين يتدخلون ... أين تكمن الفرصة للكنديين وأين مصدر الخوف للفرنسيين؟

لو رأيت مشهد كارفور في بداية كل شهر من كثافة المواطنين لشراء حاجاتهم الغذائية الشهرية لعلمتُ لماذا تلك الصفقة هامة :D

منذ شهر واحد كان عيدميلاد كارفور في مصر، وبناء عليه قدم عروض للمواطنين، يومها كان الإعلام كله يتحدث عن كثافة المواطنين في الفروع الى حد وصل لإصدار قرار منع العروض في الفروع وطرحها عبر التطبيق فقط.

كارفور مشروع مضمون، لن تُفرط فيه فرنسا بسهولة، وهو صفقة مُربحة لأي بلد أخر؛ الحالة الوحيدة التي تُجبر فيها فرنسا على البيع هي المقاطعة الحقيقية لأجل الدولة نفسها، فهنا ستضطر أن تُعطي كارفور لدولة أخرى ستكون محظوظة بعلامة تجارية كُبرى في التسوق لن تحتاج لبذل جهود لضمان مكسبها فيه!

لو رأيت مشهد كارفور في بداية كل شهر من كثافة المواطنين لشراء حاجاتهم الغذائية الشهرية لعلمتُ لماذا تلك الصفقة هامة :D

فعلًا أدرك قيمة الصفقة :P

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم

بالضبط عادل، ولا يغيب عنك أن (الحروب من أجل الماء) يتم تصنيفها ضمن حروب الغذاء

مقالة جيدة جدا .. وطريقة تفكير عقلانية..

أستمر

هذا يجعل المسؤوليين يفكرون كثيرًا قبل بيع الشركات الوطنية كاملة أو حتى أجزاء منها.

صحيح، هذه نقطة يجب أن تُثار بشكل كبير جدًا

نصيحة هذا المستشار الاقتصادى فى غاية الدهاء ،فالثورات لاتقوم الا بسبب نقص الخبز ودائما ما يكون فى أول مطالب الثوار .

اعجبني كثيراً ما فعلته فرنسا وبحفاظها على سلسلة تمثل من أهم مقوماتها كدولة وكشعب وليس كمقوم إقتصادى فقط ،ولم ولن تبيع مهما كانت الاغراءات ، وهذا يفكرنى ويحزننى فى إن واحد ببيع مصانع الحديد والصلب بمصر للرجال الأعمال مما دمر صناعة الحديد وبيع عمر أفندى الذى كان يعد أحد أكبر محلات البيع بمصر وخسارة مقوم أساسى من مقومات الاقتصاد وإيضا تدمير زراعة القطن المصرى الذى يعد أجود أنواع القطن فى العالم وتدمرت معه الأرض الزراعية ،قصص كثيرة ومآسى حزينة عن ضياع شركات وطنية قوية وتدهور الاقتصاد .

الغرب تعلم من تاريخه جيدا ومن إخطائه ،فهل نتعلم نحن!!

متفائل بالقادم، والعرب قادمون

ما لفتني في الموضوع بأكمله هو حرص الحكومة الفرنسية على هذه الصناعة التي تنظر إليها على انها "محلية" على الرغم من التوسع العالمي في كل أنحاء العالم تقريبًا. ففي كل بلد نجد متجر ضخم يحمل العلامة التجارية "كارفور".

وقد اسقطتُ الأمر فرضًا على البلاد العربية، لو قام مستثمر أجنبي بعرض مبلغ سخي ووعودات برّاقة مقابل السيطرة على مشروع عربي ناجح للغاية. هل سنرى تدخلات حكومية تمنع إتمام مثل هكذا صفقات؟ ام ستدخل على الخط وتتفاوض لتحصل على نسبة "ترضية" هي الأخرى مقابل التخلي عن علامة تجارية تحمل الهوية العربية؟

هناك حكومات تضع شعبها فوق أي شيء آخر حتى إن كان المال! وفرنسا مثال يُحتذى به في هذا المجال.

لديهم جنون عندما يتعلق الأمر (بالثقافة) كثير من القضايا التي تتم إثارتها في فرنسا تأخذ طابع الخوف على الثقافة

أحسنت فرنسا التصرف بتمسكها بمبادئها حتى على محل سوبر ماركت! نعم ليس غريباً على شعب ثار بسبب الخبز!

ولكن لم لا نتعلم نحن العرب الذي نركض خلف المستثمرين الأجانب ليحلوا مكاننا في البلاد ويزدهرون ونحن نلهو بالأموال قليلاً!

لماذا لا يكون لدينا هذا الفكر، أن البلاد ومشاريعها لنا، وغير معروضة للبيع مهما تطرق الأمر، ان الظروف قد تحوجنا يوماً ومن الضروري أن يكون لنا احتياطات لا حصة من الندم الوافر!

يجب أن نطبق نفس النظرية على بلادنا العربية

ياريت، فنحن بحاجة لمثل هذا التفكير والتمسك بمبادئ عدم التخلي وعلينا ادراك خيرات هذه البلاد التي لا ننتبه لها حتى تفوت من أيدينا.

مقال ممتع فعلاً

ولكن عند قولك ان معظم الدول الاجنبية مثل امريكا و المانيا ترفض بيع ما تملك لمستثمرين اجانب فلماذا نحن العرب نتصارع حول بيع ما نملك للاجانب ؟؟ هل بسبب الخوف الاقتصادي ام اجبار قاسي من الدول العظمى

الأسباب متعددة في نظري، لكن أهمها هو عدم إدراكهم لحجم التفريط