لم يعد يكفينا من التفاهة أحد عشر شهراً، حتى الشهر الذي يُفترض أنه موجه للراحة والهدوء النفسي واعادة شحن العقل والنفس بالمعاني السامية والقيم الرصينة، أصبح موسما لـــ" المساخر" ، وقد أضحى في رأيي من بين أكثر الشهور تشتيتا وعشوائية، كأنما يروج للصيام كذريعة للانفلات والصبيانة واللامسؤلية لا عن الوقت ولا الاستهلاك ، ولا حتى مشاعر الآخرين .
في رأيك، لماذا يختفي المحتوى التربوي في رمضان ويصعد المحتوى الفكاهي والدرامي الفارغ؟
التعليقات
المحتوى ابن الناس، تماماً كما كان المسرح سابقاً، أي أنّ الأفكار التي يتبناها الناس هي الأفكار التي سيُعاد تدويرها وتتم مناقشتها في المحتوى الذي سيُعرض سواء على التلفزيون أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعلينا أن نتقبّل اتجاهات المنتجين في هذه المسائل لإنّ هدفهم الأوّل والأخير في هذه الأمور هو أنّ يتكسّبوا، وبالتأكيد سيستهدفون بطبيعة الحال ما يجعلهم يتكسّبون أكثر. هنا أريد التنويه مثلاً إلى الدحيح وما شابه هذا المحتوى، ما الذي فعله هذا الرجل "الغندور"؟ فتح مجالاً كاملاً في شعبنة العلوم كمصدر للمتعة والتربية في ذات الوقت، كما يُقال الـ EDUTAINMENT أي التعليم بالترفيه، حين حقق مشاهدات عالية الآن فجأة صرنا نرى الكثير من الافلام الوثائقية والمحتوى العلمي ينتشر بين الناس، المُنتِج استقطب هذه الفئة من التربية مباشرةً وبدأ بصناعة المحتوى فيها، إذاً برأيي أخيراً وكجواب مختصر على سؤالك برأيي مما سبق أنّنا نفتقر في البيئة العربية لشجعان يطرحون محتوى تربوي في رمضان في الكثير من المتعة إلى درجة أن يقدر على المنافسة مع المحتوى الترفيهي الفكاهي الخالي من أي فائدة.
المحتوى ابن الناس.
لا يجب أن يكون هذا بالضرورة ما يحدث الأن فما كان يحدث في المسرح قديما سواء من ترفيه أو تقديم محتوى تراجيدي ثقيل ليس أيضا بالضرورة ما يعرف "بما يطلبه المستمعون" لأنه أي مستمعون سوف تقدم لهم محتواك من يفضل الهزل أم يفضل الجد ؟ ومثالك بالدحيح عكس ما تقول المقولة فكيف لشخص يطلع ليتحدث عن العلوم ويبسطها في مجتمع منتشر فيه عدم الاهتمام بالقيمة العلمية وصاحبها! فالمحتوى ليس بالضرورة ابن الناس ولكنها هكذا بالنسبة لشريحة معينة، فأغاني المهرجانات هي بنت بيئتها الشعبية الممزوجة بالصخب والتي واجهت استنكارا فظيعا في بدايتها ولكن اليوم طبقات مختلفة تستمتع إليها حتى وصلت هذه الأغاني لفترات طويلة ومستمرة حتى الأن ضمن قوائم الأكثر استماعا فهل هذا معناه أن كل من يسمع له هو من نفس المكان التي نشأت فيه!
المحتوى على فترات طويلة تم تحجيمه بقواعد وشروط معينة من قبل الشريحة التي تستطيع انتاجه ويمكنك رؤية كيف يتم قولبة أي محتوى خارج عن المؤلف وجديد ليناسب هوى الناس ويفعل ما يطلبه المستمعون بحثا وراء مشاهدات وأموال المتفرج، فالمحتوى الترفيهي الأن المنتشر لا يعبر عن مشاكل الناس بقدر ما يساهم في تمضية الوقت وهنا تماما ما كان يحدث في المسرح قديما عن طريق تقديم الفكاهة فأعمال شكسبير الهزلية لم يصلنا منها الكثير بعكس التراجيدي الذي يعكس الانفعالات النفسية والمشاكل المهمة للنفس البشرية، أما الهزلي فمر مرور الكرام وأخذ وقته وهذا ما سيحدث مع المحتوى الهزلي أو الكوميدي الحالي المنتشر أنه فقط لتمضية الوقت ربما لأن لا أحد يجد الوقت أساسا لمتابعة عمل مهم يخاطب عقله بقدر ما يبحث عن عمل يخفف عنه الوقت بالفعل.
لماذا يسير كل السرب نحو الوهم فرحين بأنفسهم وما يفعلون؟
مبدئيا فأنا لا أحبذ مبدأ التعميم في أي نقطة طرح كانت، لأن المجتمع هو بيئة معقدة ومركبة تجد فيها الصالح والطالح، فكما للتفاهة جمهور يرفعها ويأيدها، فللمحتوى التربوي أيضا جمهوره ومن يأيده ويفضله حتى وإن قل، بالنسبة للموجة الدرامية والفكاهية من المحتوى المعروض في رمضان فأظن أن السبب استغلالي محض من طرف أجندة استثمارية لهذه الفترة من الزمن التي ترتفع فيها نسبة المشاهدة للشاشات مع فترة الجلوس للإفطار وتجمع العائلة، وهي تستغل ذلك لتمرير أفكار مبنية على خلفيات خفية الله وحده يعلم بنواياها، فهناك عمل درامي يناقش فكرة لتبرير جريمة قتل بلحظة غضب!؟ فاستغرب ما الخلفية من ذلك؟
لا أنكر ما تقولينه، لكنه حال الإعلام والواقع ليس هو الإعلام فحسب، فالحمد لله وخاصة في هذا الشهر الكريم، وبما أنه حلّ في شهر بارد نسبيا وليس في عطلة الصيف، فقد رأينا إقبالا كبيرا على المساجد وعلى دور العبادة، وعلى قراءة القرآن، أما بالنسبة للبرامج التلفزيونية فإن كان من المستحسن مقاطعتها فيجب أن نقاطعها طيلة السنة، لأنّ الفحش والرذيلة التي تسوّق في تلك الأعمال التي يحبّون أن يطلقوا عليها بأنها "رمضانية" فرمضان بريئ تماما منها، فالمحتوى التربوي صحيح أنه يزاحم في هذا الوقت لكنه ليس مختفيا، المشكلة تكمن في من يتابع هاته البرامج ويشجع لها، في حين المحتوى ذي الفائدة والمنفعة لا أحد يلقي له بالا.
الإجابة لأن المشاهد هو الذي أصبح يبحث عن المساخر، من الممكن بسبب ضغط الحياة الخارجي فيبحث كل منا عن متنفس خارج نطاق الضغوطات، ولكن لا نغفل بأن كثير من الناس يلجأ الى دور العبادة بل البعد تمام عن التلفاز أري بان هناك صنفان صنف يبحث عن الجديد والمبتزل وصنف معتزل هذا النمط من الحياة
الإجابة لأن المشاهد هو الذي أصبح يبحث عن المساخر، من الممكن بسبب ضغط الحياة الخارجي فيبحث كل منا عن متنفس خارج نطاق الضغوطات
ـألا تلاحظ معي أن الكسل عن التفكير والبحث عن الرخيص السهل هو السبب؟ ، فشريحة كبيرة جدا من الناس ليست مضغوطة بالمعنى الحرفي، المراخقين والأطفال والشباب في بداية العشرينات ممن يعيشون حياة اتكالية على أهلهم وكل ما يرغبون فيه حاضرا، هؤلاء ليسوا مضغوظين فعليا، لكنهم مبرمجون على الكسل، بلا من البحث على ما قد يحرك عقولهم نحو التفكير, يستكينون الى الرخيص السهل الذي لا يحتاج منهم إلا تحريك ابتسامة.