قصّتي مع اضطراب الآنية وتبدد الشخصية

  • HamzaSalim

اتذكر بعمر العاشرة اني شكوت اعراض مرض غريب، تمرّ عليّ حالة لبضع ثوان، اشعر فيها اني لست حقيقيا، الاشياء المحيطة بي تفتقد الى العاطفة، وأنّ الذكريات القريبة قد حدثت منذ زمن طويل.

خضعت حينها لفحوصات كثيرة، اتذكر تعلثمي عندما شرحت اعراضي للطبيب، كان يظنّ أن بيّ دوارا، حاولت ان ابين له اني اعرف الدوار وهذا ليس منه، ارسلني لتخطيط الدماغ فكان الامر طبيعيا، وكان ابي يعمل في قسم الاشعة، فسهّل خضوعي لتصوير دماغي بالمفراس والرنين رغم ان حالتي بظاهرها لا تستوجب، وكان كل شيء طبيعيا.

لم اعد اشكو لأهلي من المرض بعد هذه التطمينات، لكنّه ظلّ يراودني، شعور غريب لمدة لا تتعدى الدقيقة، يحصل لي مرّة على فترات طويلة، لا يراني فيه أحد اشكو من شيء، كان مرضًا صامتًا وكئيبًا، ليس فيه الم ولا خلل وظيفي، لقد كان مرضا خليا من العاطفة، كاعراضه.

عندما دخلت كلية الطب، وتعلّمت مصطلحات أبحث بها أعراضي، تقرّبت من هذا المرض، لقد كان شيئًا حقيقيًا، يُصيب 2% من الناس، لست وحدي.

اخبرني صديق يدرس المنهج الطبي السوري، انّه وجد حالتي عندما كان يدرس النفسية، قال لي أنّ لي شذوذا عصبيا أو شيئا يشبه الصرع المصغّر، لم يقنعني كلامه، لقد كنت أكثر طبيعية من أن أُوصف بهذا، وقد كنتُ محقّا.

اضطراب الآنية Depersonalization Derealization Disorder هو اعتلال نفسي شائع، في المانيا قاموا بدراسة ووجدوا أنّ اعراضه توجد في 12% من البالغين، وفي دراسة امريكية أخرى، قال نصف طلاّب الجامعات أنّهم مرّوا بأعراض اضطراب الآنية في آخر سنة.

ماهي اعراض اضطراب الآنية؟

مرضى هذا المرض لا يستسهلون وصف اعراضهم في كلمات واضحة، ولو عبّروا عنها لوصفهم الناس بالجنون، وهذا ما يجعله اكثر الامراض النفسية التي تمرّ على الاطباء ولا تشخّص.

الاعراض تبدو مجازية او خيالية عندما توصف بالكلمات

-لا يشعر الشخص انه حقيقي، يشعر انه مفصول عن جسمه وافكاره وعواطفه
-اشعر اني اشاهد فلما
-خدر عاطفي
-الذكريات القريبة تبدو بعيدة
-الاشياء المحيطة تبدو غريبة. 

الكثير من هذه الاعراض لا تسبب خللا ملموسا، لكنّ بعض الناس قد يُكئبهم ذلك، خصوصا لو تعرّضوا لامراض نفسية مصاحبة.

هذه الاعراض اشيع عند المراهقين والشباب، وهي نادرة الحدوث بعد العقد الرابع والخامس. ويُقال أنّ السبب الرئيس فيها صدمة طفولية، او ضغوطات طويلة.

بالنسبة لي، لا اذكر صدمات طفولية واضحة، ربما تفجيرًا حصل على باب جامع كنت أتعلّم فيه تلاوة القرآن عندما كنت في التاسعة، تساقطت اجزاء من الجدران على مقربة منا، وشاهدت اشلاء فتاة بعد خروجنا من المنطقة.

والضغوط الطويلة أيضًا من محفّزات هذه النوبة عندي، أجد أنّها تحدث عندما أفكّر أن امامي اياما طويلة ومرهقة، تحدث اكثر عندما أكون في الكلية، وأكثر صباحا عندما ينتظرني جدول مرهق، وهي لا تاتي ابدا عندما يشارف اليوم على الانتهاء، ولا اتذكر انها حدثت لي يومًا في البيت.

وزائرتي كأنّ بها حياءً … فليس تزور الا في ظلامِ

يقول المتنبي واصفا الحمّى بانها تخجل من ان تزوره الا في وقت السكون والليل، أما زائرتي فقليلة حياء وأدب، لا تزورني الا في الصباحات وعند اجتماع الناس.

الاعراض لا تُعيقني، هي ثوان فقط، قد تكون مزعجة، الاكثر ازعاجا هو ترقّبها، وهي كذلك تأتي عندما أفكّر أن الأمر سيحصل لي، لهذا لم اخش من الامر طيلة حياتي، كنت اعرف انه شيء نفسي، وبعد ان تزورني نوبة "الانفصال عن الواقع" لثوان، اشعر بعدها بانشراح ونشوة، كتلك التي تحصل لك بعد تمارين رياضية. هذا جعلني اظنّ ان الاعراض ليست الا محاولة الهروب من الواقع، ومحاولة من عقلي لتقليل الضغط عنّي 

العلاج

هناك ادوية نفسية، لكن العلاج المقترح حسب uptodate هو علاج نفسي يسمى بالعلاج المعرفي السلوكي CBT وهو يركز على اربع نقاط

تبسيط الاعراض وترجمتها

الاعراض ليست مخيفة، وهي لا تعيق الشخص عن وظائفه، ولا يفقد الوعي او كيانه عند حلولها، هي ثواني قصيرة تعرف انك مررت بها لا أكثر، قد تحدث لك اثناء محادثة ولا ينتبه المقابل أنّ فيك شيئا، لهذا لا يفترض أن تهوّل من أمرها.

مقاومة الافكار التي تسبب التوتر

هذه الحالة تقتات على التوتر، او بالاحرى تحاول ان تجعلك تهرب منه، فلو كانت هناك افكار تسبب لك التوتر فحاول ان تعمل عليها، او ان تقلل من وجودها لدرجة لا تؤثّر فيها على نفسيتك، والحديث يطول هنا، لكنّي اوردته اختصارا.

مقاومة سلوكيات التحقق

الامر مضحك احيانا، فتقول لنفسك تارة عندما تمر بوقت متوتر: هل ستاتي الحالة الان؟ فتاتي سريعا، ليس هناك مرض في الدنيا يُطيع اشارة صاحبه كمثل هذا، حاول ان تجد طريقة لمقاومة هذه السلوكيات، أنا استعمل اول طريقتين لمقاومة هذه السلوكيات، فلو كانت الاعراض لا تؤثر عليّ، وكان التوتر في مستوى يطاق، فما فائدة هذا التحقق؟ اتت الحالة ام لم تات لا يهمّ. 

تمارين استرخاء

هناك الكثير من تمارين الاسترخاء والتنفس، بالنسبة لي أحبّ تلاوة آيات من الفاتحة والمعوذات، الشعور بمعاني هذه الايات يُعيد لي احساسي بكياني، وهو مرض يلعب على هذه النقطة، ومن يتعلّق بالمعاني العظيمة لا تعود الأمور الصغيرة توتّره وتنال منه.

هل كنت تعرف اضطراب الآنية؟ افيكم رفيق درب يمرّ بمثل هذه الحالة؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

Osamas أضف ردا

لقد سبق لأحد الأعضاء ان نشر قصته أيضا لكني لم اعد اذكر باي مجتمع نشرها لكن لحسن الحظ كنت قد نسخت منها بعض الأجزاء لتعزيز موضوع خاص لشرح هذا الاضطراب نفسه  :

ولا اخفيك انني شخصيا كنت امر من هذه الحالة النفسية أيضا ولكن لحسن الحظ أنها في الغالب لا تستعرق سوى عدة ثواني تشعر خلالها كأنك منفصل عن الواقع ويصبح لديك ادراك غريب للواقع والغريب اكثر في الامر انه لا تسطيع وصف ذلك الشعور للناس حيث تعجر الكلمات عن وصف هذا الشعور الغريب.

شكرًا لمساهمتك أسامة.

قرأت تجربة المُساهم، تبدو أعراضه قوية جدًا، يصف مرة انه حدث له الأمر لمدّة ساعتين ونصف، لو حدث لي هذا لما تخيّلتُ صمودي، أحمد الله أنّه تعافى.

والعلاج بالتعريض لمصدر الخوف كما تفضّلت مفيد أيضًا، المشكلة ان الحالة تحثّك -ولو لا واعيا- على العزلة وعدم الخروج للاحداث الاجتماعية.

ولا اخفيك انني شخصيا كنت امر من هذه الحالة النفسية أيضا ولكن لحسن الحظ أنها في الغالب لا تستعرق سوى عدة ثواني

لفرط اهتمامي بالموضوع ركّزت على كلمة "كنت" بزمنها الماضي، فهل لا تعاني منها الآن؟ ما الذي نفع معك من طرق علاجية؟

Osamas أضف ردا
لفرط اهتمامي بالموضوع ركّزت على كلمة "كنت" بزمنها الماضي، فهل لا تعاني منها الآن؟ ما الذي نفع معك من طرق علاجية؟

لقد توقفت الحالة من تلقاء نفسها تقريبا منذ سنتين بعدما كانت تعتريني في الماضي مرة او مرتين في السنة ولا اعتقد انها توقفت نهائيا يعني أتوقع ان تزورني في أي لحظة خصوصا انها في الماضي كانت تأتي دون أي علامات او مقدمات ولكن لحسن الحظ انها لا تستمر سوى بعضة ثواني وتزول تلقائيا وهذا ما يجعلني لا انزعج أو اقلق من الامر.

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم

شكرًا علياء لهذه الأدعية الطيّبة

لكن سؤالي كثير من يتعرضون للصدمات ربما افضع من التي ذكرتها ، لمَ تصيب انسان دون اخر ؟ هل هناك Risk factors معينة ،عوامل جنية ربّما او ما شبه . 

لا أدري صراحة، ربما الأسرة تلعب دورًا، أو حتّى الدين والتديّن، الأمراض النفسية شيء معقّد وغريب، لعلّنا نفهم عنها أكثر في كورسات السنة القادمة!

قد تحدث بعض من أعراض الاضطرابات التفارقية للمراهقين والشباب أقل من 25 سنة من حين لآخر دون أن تكون مصاحبة لأي اضطرابات أخرى أو صدمات, كحالة حميدة نتيجة عدم اكتمال نمو الجهاز العصبي, وسرعان ما تزول الحالة بعد التقدم بالسن.

هناك ادوية نفسية،

لا وجود لأي أدوية من شأنها معالجة الحالة بحد ذاتها, وإنما يتم صرف الأدوية المضادة للقلق والاكتئاب لأنه بالغالب يكون الاضطراب التفارقي عرضا ونتيجة لوجود اضطراب نفسي آخر كالاكتئاب وثنائي والقطب والصدمات...

هل كنت تعرف اضطراب الآنية؟ افيكم رفيق درب يمرّ بمثل هذه الحالة؟

أجل! أعاني من اضطراب عقلي مزمن يسبب لي أعراضا كثيرة عديدة, ومن بينها بعض من أعراض الاضطرابات التفارقية.

كحالة حميدة نتيجة عدم اكتمال نمو الجهاز العصبي, وسرعان ما تزول الحالة بعد التقدم بالسن.

فعلًا، قرأتُ عن هذا أيضًا.

أجل! أعاني من اضطراب عقلي مزمن يسبب لي أعراضا كثيرة عديدة, ومن بينها بعض من أعراض الاضطرابات التفارقية.

أمنياتي لك بالصحّة يا رفيق، هل لك أن تُحدّثنا عن حالتك أكثر؟

الأعراض لدي متداخلة لذا سيصعب علي عزل التجارب التفارقية عن بقية الأعراض.

مثلا أسير في زقاق ما فأشعر أنني مررت به قبل قليل فقط وكأنني عدت بالزمن للوراء بضع دقائق, قد أفقد الذاكرة لثوان وأشعر وكأن الزمن توقف بي ولا أدري لما وكيف وصلت لذاك المكان ولا ما هو, أفقد الإحساس بالزمن أيضا.

قد أشعر بأنني غير موجود وأنني وهم أو خيال, أنظر للمرآة فلا أتعرف على نفسي أو أن ما حولي وهم وخيال وهكذا العديد من المشاعر التي يصعب وصفها بدقة...

أتعتبر الأعراض التي ذكرتها اضطرابا عقليا؟؟

في حال كانت تحدث بشكل متكرر أو إذا رافقتها أعراض أخرى, نعم من الوارد جدا أن تكون بسبب اضطراب نفسي ما.

@jawad_x جذبت هذه الجملة انتباهي:

قد تحدث بعض من أعراض الاضطرابات التفارقية للمراهقين والشباب أقل من 25 سنة من حين لآخر دون أن تكون مصاحبة لأي اضطرابات أخرى أو صدمات

هل من الممكن أن تظهر هذه الأعراض على الشباب واليافعين في هذه السن، من دون أن يكونوا مصابين بالمرض نفسه؟ أم أنني لم أفهم ما عنيته يا صديقي؟

نعم يمكن أن تظهر مثل هذه الأعراض من حين لآخر بشكل طبيعي عند الناشئين نتيجة نمو جهازهم العصبي.

ربما أذهب أبعد مما قرأته لكي اتبنى موقفك تماما .. الأمرليس مرضي لا نفسي ولا عصبي ولا عضوي .. قبل يومين كنت اساهم في احد الموضوعات هنا وقد أن كل منا هو نسخة قديمة من شخص ما عاش في زمن بعيد .. وها نحن نعود في الزمن الآخر وسيأتي في زمن أبعد منا من يشبهنا ..

نحن أحيانا نندمج في تلك الحياة ولهذا ننفصل عن واقعنا، قد نشاهد أمورا غير مرئية لغيرنا ونتوقع أشياء تحدث حقيقة وبعض الأحداث تمر أمامنا بلمح البصر سرعان ما تحدث ولسان حالنا يقول (أنا أعرف ماذا سيحدث وأتوقعه وأتنبأ به) لهذا قد يعتقد البعض أن من يقول ذلك او يعرف الآخرين على ذلك هو (مريض نفسي). لهذا يجب ألا نخبر أحدا بما نمر به ويجب التعامل به معه كحقائق تزيدنا نضوجا وتفكراً.

ان طبيعة حقيقة العقل البشري والروح التي تسكننا سر من أسرار الخالق عزوجل، لذلك مهما اجتهدنا لن نصل الى تلك الحقائق .. هناك من يرى حدثا تاما بكل تفاصيلة في لحظات قصيرة جدا أثناء نومه . وحين تحدث يتابعها وكأنه يشاهد أمراً او مشاهدا مرئية او سمعية قد شاهدها سابقا ويعرف تفاصيلها.

بالتالي أمام كل ذلك، فإن نشاط الدماغ للحد الذي يفوق قدرتنا على استيعاب ذلك النشاط قد يوصف بأنه فرط في الاشارات أو الشحنات الكهربائية وبالتالي يتم الطلب بتخطيط الدماغ والنتيجة تكون طبيعية .. والدليل حين تمر بنا الكوابيس او الاحلام في منامنا يلاحظ من يتابعوننا حركة سريعة جدا للعين واحيانا حركات لا ارادية او اصوات تخرج منا وقد لا نتذكر ها او نتعرف او نعترف بها بعد ان نصحو .. فأين حدثت وكيف ولماذا وهل تمثلنا أم تمثل شيئا آخر منفصلا عنا.

دعنا نفكر مرة أخرى بعمق .. هل يسكننا شخص آخر ام أننا قد قمنا باحتلال مساحة الشخص الاخر الذي لا نعرفه ولكن هناك بعض الأمور المتشابهة التي نلتقي فيها دون ان نتعارف.

.

أعرف هذا الإضطراب وقد قرات وسمعت عنه لكنني لا أعرف شخصا يعاني منه... على العموم هو يدخل في دائرة مشابهة للوسواس القهري، أعتقد أن افضل وأنجح علاج لمثل هذه الأعراض هو أمرين:

  • تقبلها تماما و حب وتقبل النفس معها بشكل عادي مع عدم الحكم عليها
  • تجاهل وجودها قدر الإمكان... هذا يقلل منها مع مرور الوقت

أما بخصوص التوتر والظغوط فقد عانيت منها كثيرا في فترة سابقة من حياتي... جدا، صدقني، اللامبالاة هي الحل... عندما أتذكر أن هذه الفترات الصعبة في يوم ما لن يسمع بها أحد أصلا وستنتهي وقد لا أتذكرها حتى أنا، يخف عني التوتر جدا، أستغفر وأكمل أعمالي رويدا وأنا في سلام نفسي كبير.