نخطئ، نصنع أعذارًا لا تنتهي، ونؤمن بأن النفس البشرية معرضة للأخطاء، ونعد أنفسنا بعدم تكرار هذا الخطأ. ولكن عندما يخطئ شخص آخر، نتخلى عن كل تلك المعتقدات، ونطالب بالعقوبة قبل الإرشاد. نريد انتهاز كل الفرص لأنفسنا لمعرفة الظروف التي أدت إلى ارتكاب تلك الأخطاء، لكننا لا نرى الحجج والأعذار أمام الآخرين المخطئين. قد يصل بنا الأمر إلى الاعتقاد بأننا أفضل من الآخرين لمجرد أننا لم نقع في أخطائهم. نرى أنفسنا نبلاء أخلاقيًا، من خيرة الناس، ونشعر بالفخر لأننا لم نصل إلى تلك الحالة. ولكن، بدلًا من توجيه المخطئين وإرشادهم، نبدأ باستعراض خصالنا الحميدة على المخطئين، التي قد تصبح يومًا ما خصال سيئة.
ردود الفعل تلك قد تقمع الخطأ، لكنها قد لا تصححه.
لا أحد يولد متعلمًا على هذه الدنيا، ولا يصح استخدام العقاب قبل الإرشاد. ومع ذلك، نجد الكثير يعاقبون قبل أن يفهموا ظروف الآخرين ويحرمونهم من الفرصة الثانية. هل سألنا المخطئ لماذا فعل ما فعل؟ هل صححنا له خطأه ونصحناه؟ إذا استجاب بطريقة حسنة، فهذا خير. ولكن إذا لم يستجب، عندها يستحق العقاب والقمع.
أرى الكثير يعترفون بأنهم لا يعطون فرصة ثانية، لكن إذا كانوا هم المخطئين، فإنهم يريدون عشرات الفرص، وليس فقط فرصة ثانية.
الظروف مختلفة، والعقول مختلفة، والقدرات مختلفة. الأخطاء قد تحدث دون قصد أو عن قصد، أو نتيجة تفريط وإهمال. وإذا لم يكن الخطأ فادحًا، ولم يكن جريمة تهز المجتمع أو تنافي الإنسانية، فإن الجميع يستحق فرصة ثانية.
{رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ}.
التعليقات
في بعض الأحيان قد لا يكون الجميع مستعد للاستفادة من الفرصة الثانية. قد يكون الشخص قد تعوّد على سلوك معين أو في وضع يجعل التغيير صعب عليه. حتى إذا حصل على فرصة ثانية قد لا يكون لديه القدرة أو الرغبة الكافية لتغيير ما فعل. في هذه الحالة، قد تكون الفرصة الثانية محكوم عليها بالفشل.
حتى إذا حاول الشخص التغيير، قد لا تعود الأمور إلى طبيعتها كما كانت قبل الخطأ. الثقة قد تكون اهتزت أو قد تبقى بعض الخلافات عالقة بين الأشخاص. رغم أن الشخص قد يحاول تحسين سلوكه، إلا أن العلاقة أو الوضع قد لا يعودان إلى ما كانا عليه قبل الخطأ.
هذا صحيح عند كل إنسان فهو يرى ذاته أقل الناس خطئاً، ولو أخطاً هو فلابد معه عذره، حتى أنه يعتقد أن معاقبته على خطأه نوع من تعدي الآخر عليه.
لكن عندما يصل الأمر لشخص آخر فهو يشير بأصبعه ويوجه الاتهامات ويصف الآخر بالحماقة ويؤنبه لوقوعه في الخطأ، ويحمد على نفسه أنه لم يقع في ذلك الخطأ رغم وقوعه في أخطاء أخرى كثيرة.
لذلك يجب على الإنسان أن يتقبل أنه مخطىء كغيره، ويريد لغيره غفران أخطاءه البسيطة مثله، ويتقبل عواقب أخطاءه بشجاعة كما يريد هو هذه العواقب لغيره.
الفكرة التي تتحدث عنها، حول إعطاء الفرصة الثانية، تعد نقطة حساسة. لأن من جهة، يمكن للفرصة الثانية أن تكون بمثابة فرصة حقيقية للتعلم والتطور، أما من جهة أخرى، فإن استمرار إعطاء الفرص دون أخذ العواقب بعين الاعتبار قد يؤدي إلى تراخي في اتخاذ المسؤولية. فهل يعني ذلك أننا يجب أن نمنح الجميع الفرصة الثانية دون تفكير؟ أم أن هناك معايير يجب أن نأخذها بعين الاعتبار قبل اتخاذ هذا القرار؟
الأخطاء، مهما كانت صغيرة أو كبيرة، لا يجب أن تعني أن الشخص فقد قدرته على التعلم والتحسن. لكن علينا أن نكون واعين أنه لا يمكننا دوماً أن نغض الطرف عن الأخطاء لمجرد أننا نريد أن نكون "رحماء" في التعامل معها. فهل تظن أنه من الأفضل دائمًا تجنب العقاب حتى لو كانت الأخطاء واضحة وموثقة
إعطاء الفرص الثانية أمر مهم، لكن لابد من أن يكون ذلك بحذر، مع مراعاة الأثر الذي قد تتركه تلك الأخطاء على الآخرين والمجتمع ككل.