العالم الرقمي - أين صار الروحُ إذ بان الجسد؟

  • HamzaSalim

قد تُحادث في محادثة الكترونية صديقًا، أو بتعبير أدق، غانية من الغانيات، ويمضي الوقت ولا تشعر أنّه مضى، ويقصُر الليل وما كان ليلك قبل هذا يقصُرُ، هل شعرتَ بجسدك في تلك اللحظات؟ هل انتبهت لنفسك حين تنفّست ورمشت؟

من المفترض ان يكون العالم الرقمي عالمًا ماديًا، لكنّه أكثر العوالم التي تجعلنا نُفارق أجسادنا، ونعيش في سحابة، لا نشعرُ عندما نكون فيها بكثير من صفات ذواتنا وأجسادنا.

هذا الأمر ذكّرني بكتاب معقّد في الفلسفة الأخلاقية لـ ألاسدير ماكنتاير، وهو فيلسوف نويتُ أن أقرأ له فأعياني أنا الإنسان العامّي البسيط، لكنّي أستطعتُ الأمساك بفكرة في كتابه Dependent Rational Animals والذي كما يبدو على عنوانه، يركّز على فكرة مهمّة، وهي أنّنا كمخلوقات نعتمد على بعضنا، في الطفولة والكهولة، وحتّى في لحظات كثيرة في حياتنا، ماكنتاير كان يبني فلسفته على هذه النقطة ويقول، لو نسينا أن ننتبه لأجسادنا وبشريتنا، فهناك احتمالية أن ننسى هذه الصلة التعاونية بيننا وبين الآخرين، ولو نسيناها سنكون أقرب للتخلِّي عن الفضائل التي تجمعنا بهم.

ماكنتاير ما كان يفكّر أصلًا بالعالم الرقمي، لكنّي عندما أقارن كلماته بهذا العالم، أشعر بهذه القرابة! العالم الرقمي يُشجّعنا على أن ننسى أجسادنا، نسيان هذا يُنسينا الصِلات بين البشر، ممّا قد يُنسينا كثير من الفضائل.

اذا نسينا انفسنا، سننسى أننا نعتمد على الآخرين أحيانًا، سننسى أن نكون متعاونين، متواضعين، صابرين على أخطاء الناس، راحمين لزلّاتهم فينا.

عندما يشجّعنا العالم الرقمي على أن ننسى أجسادنا، سنتصرّف كما لو أننا لا نحتاج لأحد، وكيف يتصرّف المُستنغي مع بقية الناس؟ وكيف سيتصرّف لو أساءوا له؟

أما ترى هذا العالم الرقمي في فيسبوك وتويتر، يعجُّ بأناس يقولون لأناس من لحمهم ودمائهم وأوطانهم، يقولون لهم كلمات ما كانت تُقال لو اجتمعوا على نارٍ، وتخاصروا في اجتماع؟

عندما تُحادث شخصًا تعرفه في الانترنت، فأنت تتّكئ على ذكريات كثيرة عندك عن صوته ولغة جسده وسماته، لكنّك لو تحدّثت مع غريب، فلا توجد بينكما ذكريات، ولا ذكرى أجساد، ستصبح الكلمات هي الجسد، قد يفسِّر هذا لماذا قد نقول للغرباء أشياء ما جرُؤنا عليها في الواقع.

عندما تحدّق في الخطوط التي شكّلت أطراف العيون، شكل الفم، نموّ الشعر، لم يعد بالأمكان أن تكره، الكُره كان فشل تخيّل ليس إلّا. -غراهام غرين، القوّة والمجد
يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

العالم الرقمي يعطينا تصورا عن الواقع، في الغالب يكون يخدم رغباتنا التي لا نجدها في الواقع... أظن أننا لهذا نتشجع على قول ما لا نقوله مباشرة.

كما أن كمية الطاقة النفسية والجسدية التي نستهلكها، وكمية مخاوفنا التي نواجهها ونحن نفعل الأشياء في الواقع تزيد من تخدرنا بالعوالم الرقمية.

و قد أثرت في كثيرا جملتك "تصبح الكلمات هي الأجساد" لأن هذا حقا ما يحصل.

هذا إن كان في حقيقته غريب فهو خطير أيضا، فقد كنت مرة أتجول الإنستاغرام، فوقعت على ستوري لشخص ينشر خبرا سيئا، ثم انتقلت لستوري بعدها لأجد شخصا آخر ينشر خبرا سارا جدا!

لك ان تتخيل كمية البرود التي سيصبح عليها المشاهد جراء خلط كل هذه المشاعر وتغيرها المستمر.

ثم انتقلت لستوري بعدها لأجد شخصا آخر ينشر خبرا سارا جدا!

فعلًا هاجر! هذا موضوع آخر مهم عندما نتحدّث عن الحياة الرقمية، كثرة التعرّض لهذه المدخلات المتباينة مِمّا يُقسِّي القلب ويبعث على اللامبالاة.

Hadjer_azzougui أضف ردا

دائما أحاول ان أغلق كل مواقعي بين الحين والآخر لكي اعود وأستوعب الأمور بواقعية مرة اخرى، أحيانا شهر أحيانا أكثر...

كأنني أكتشف كمية كبيرة من الحواس كنت قد نسيتها... لا اعلم كيف أوصل فكرتي لكن وعيي بالأمور التي تحدث حولي يعود بتفاصيل أكثر، وتعود معه حلاوة جميلة جدا، لكن للأسف اعود للمواقع لأن كل شيئ أصبح متعلق بها.

أنا أيضًا، أبسط شيء قبل قليل فتحت تويتر لأنشر رابط المقال على حسابي، تعرّضت لعدة تغريدات وعلّقت على واحدة!

عمومًا أرى أن الأمر يختفي تدريجيا، وكلما علمنا شيئًا عن مضارها أبتعدنا أكثر، عطّلت الانستغرام منذ أسبوعين ولم أندم على ذلك أبدًا، ربما البقية نتعامل معها كما نتعامل مع باب البيت، نفتحها حين نريد شيئًا نحتاجه وتكون معظم الوقت مقفّلة!

طرح رائع، فالواقع انا اعاني من بطارية هاتفي المحمول ولا تكاد تصمد ساعتين اذا ما تصفحت الانترنت، ومع ذلك ارفض أن اغيرها أو اغير الهاتف لأني أرى في هذا رحمة لي، فالان حتى لو نسيت نفسي على العالم الافتراضي هاتفي يعيدني للعالم الحقيقي تلقائيًا.

العالم الافتراضي مفيد جدا والانترنت هو نعمة العصر اذا سخرته للمعرفة و نقل الاخبار والخبرات والتجارب ولكنه قد يسرق منك حياتك وعمرك اذا تركته يأخذ من وقتك أكثر مما ينبغي.

ومع ذلك ارفض أن اغيرها أو اغير الهاتف لأني أرى في هذا رحمة لي

تقريبًا مثل حالتك، ولم أغيِّر هاتفي منذ 2018 ولا أفكّر بتغييره، بالضبط عندما نخشى على البطارية فلا نستخدمه الا للامور الاساسية.

huda_khashan19 أضف ردا
 أنّنا كمخلوقات نعتمد على بعضنا، في الطفولة والكهولة، وحتّى في لحظات كثيرة في حياتنا
 لو نسينا أن ننتبه لأجسادنا وبشريتنا، فهناك احتمالية أن ننسى هذه الصلة التعاونية بيننا وبين الآخرين، ولو نسيناها سنكون أقرب للتخلِّي عن الفضائل التي تجمعنا بهم.

هل تعتقد أن صفة التعاون ما زالت موجودة لدينا! أشك في ذلك، للأسف العالم الرقمي واختص منه وسائل التواصل الإجتماعي سرق منا حياتنا وصحتنا وعلاقتنا الإجتماعية مع الآخرين، ألا ترى اليوم بأن علاقتنا باتت مسمومة لم نعد نحمل الحب والود تجاه بعضنا البعض.

اليوم تمشي في الشارع تجد في يد الصغير قبل الكبير هاتفه الذكي يتابع التوك توك والانستغرام وغيرهما والقادم أصعب خاصة في ظل توغل التكنولوجيا في جميع مناحي حياتنا. سمعنا بتقنية ميتافيرس (ربما يكون عالمها مفيد أو ضار)، وغدًا سنسمع أشياء جديدة. فلم تعد الصحة الجسمية والنفسية والعقلية والعلاقات الاجتماعية مثلما كانت في السابق.

لامسني جدا الموضوع يا حمزة، ولي تجارب طويلة معه، لكن أغلب ما أردت قوله قاله الجميع، وبعد قراءتي للتعليقات كلها، أعتقد أنه أصبح لابد من تحسين واقعنا خارج المواقع، وهذا ما لاحظته في نفسي شخصيا، حين أخطط ليومي وتكون قائمة To do list، تحوي أمورا ممتعة وجميلة، وأستغرق في إنجازها فإنني لا أتصفح هذا المواقع إلا آخر الليل وتفقد شخص بعينه والسؤال عنه، وأنام ليلتها قريرة العين، لكن حين يكون يومي عائما ودون تخطيط فإنني أقضي الساعات والساعات دون أن أشعر وأنا أبحث عن أشياء غير حقيقية، ولا أجدها وفي نهاية اليوم أكون محمّلة بأكوام ثقيلة من الشعور بالذنب والتقصير.

وكنت سابقًا أغادرها كليا، لكن الآن أرى ذلك هروبا وخوفا وأحاول السيطرة بطريقة أفضل دون حذفها لأنها تخدمني بطريقة ما، وليس شرطا أن أتواجد في كل مكان، فهذا مستنزف جدا ومربك.

العالم الرقمي أشبه بنفاق كبير ، لذا سمي العالم الافتراضي ، فهو يفترض أشياءً قد لا تكون موجودة ، يفترض المثالية التي يتغنى بها البعض عبر شبكات التواصل الاجتماعي وهم بعيدون عنها كل البعد ، كمن يرشق حائط الأخبار على صفحته في الفيسبوك بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وحكم ومواعظ وهو واقعياً زنديق كبير .

أصبح الأقارب يؤدون أداورهم وواجباتهم الاجتماعية عبر هذا العالم الرقمي ، بضغطة زر الاعجاب أو تعليق فإنه قد أدى واجب تقديم العزاء ، أو تهنئة بزواج أو قدوم مولود جديد

تستفزني تعليقات بعض الأشخاص لبعضهم بنفاق ومحبة وهمية وهم في الواقع إذا مروا ببعضهم في طريق عام لن يرفعوا رؤوسهم لإلقاء السلام والتحية .

في حين أن هناك أشخاص من دولة أخرى أو ربما قارة أخرى لا تربطنا به أية صلة سوى صداقة الفيسبوك او تويتر تجدهم أقرب من أقرباء الدم ؤ لا تجمعنا به ذكريات الواقع ولكن لنا ذكريات على هذا العالم الرقمي الذي يكون لنا أجساد الغرباء من الكلمات والأصوات والذكريات .

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم