منذ مدة وأنا أكتب بشكل "سوداوي"!!

عادة ما يجس الكاتب نبض كلماته قبل القارئ.

في الآونة الأخيرة لاحظت أن جميع الأوراق التي تطالها يدي تغدو إما كصحاري البادية، مقفرة وقاحلة مهما مر فوقها من السحاب.. أو كموج يلاطمه موج، تيارات لاتهدئ وحروب لاتنوي السلام!!

قاربي لايتحرك البتة في اتجاهات ملونة.. وبدل أن أبني للبطل الجسور والأجنحة وأقتبس له من خيالي جواداً أصيلاً يحمله حيث يشتهي، أجدني أكتب له مشهد الحطام والغرق، وأثقله بزخات الماضي وموجات الحاضر، ثم أراهن على نفاذ صبره، لأجعل الأمل رملاً يتسرب من بين أصابعه..

قبل هذه المدة كنت أكتب النصوص المفرحة بلا عناء، وأصيغها من كل جانب، ثم أنظر إليها من بعيد بفخر كمنحوتة شرقية شكلتها بأطراف أصابعي، حتى وإن تطلب النص مباغتة شعور غريب، كنت لا أمّلُ أهندسه وأصنفره حتى يكون له وقع دقيق ورقيق في عين القارئ، فإن كانت "شهقة خفيفة" فيجب أن تكون بمقدار رؤيته لوقع التوت على قميصه الأبيض في ربيع أستراليا..

أما الآن فأصبحت أصف المشاهد بحدة مبالغة، وفي كل مرة أعاين النص تتملكني الخيبة، فأترك أوراقي على طاولة المقهى وأرجوها أن تُسرق، من شدة ما جسدت بها أبطالاً " مكتوفي الأيدي" أو "مسعورين".

أود كثيراً معرفة ماهية هذه السموم التي لايستطيع قلمي التحرر منها؟؟

وهل امتلأت بكم الجرأة يوماً لتخبروا القارئ

بأن لايقترب؟؟ أو تتركوا له رسالة تحذير ..

"هذا النص رثٌ خربْ

إن كنت تحسبه ملاذاً ستغترب إذ تقترب

أو كنت تحسبه هدوءاً فلو دنوت ستضطرب"..

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

Diaa_albasir أضف ردا

الكتابة بجوهرها غالباً ما تكون عن أمور ليست مبهجة وإيجابية، وزائد أنه كلما تعمّق الشخص في البحث في مجتمعه وأسئلته الشخصية كلما كان وضعه النفسي أسوء وأكثر صعوبة وإذا أردت نصيحتي، هذه الحالة في الكتابة تزيدها قوّة وأهمية، أهم كتّاب العالم كانوا أكثرهم حزناً أو أكثرهم تقلباً في مزاجه، لدينا مثلاً دوستويفسكي وهناك سفيتلانا أليكسييفيتش التي أسست مثلاً أدبها بشكل كامل على الحزن، حيث وصف بعض الناس رواياتها وقصصها بأنها مآسي وأشبه بتوثيق لأحزان العالم لا الكتابة عنها، ونيقولاي غوغول أيضاً في حديثه عن الفقر والتفكير بالفقر

وبالمناسبة أهم كتاب العالم روس، لماذا؟ بسبب مناخهم السوداوي ونظرتهم الحزينة للأمور، هءا كان يزيد من إبداعهم وأهمية انتاجاتهم وصدق ما يكتبون.

يقال أن الأدب العظيم يأتي من المعاناة سواء معانة الكاتب أو محيطة وقدرته على صياغة هذا المناخ ما هي إلا تعبير صادق وأنه كاتب يستشعر ما حوله، وأضيف أن كاتب عظيم مثل شكسبير كتب العديد من المسرحيات الهزلية والكوميديا ولكن ما يتم تداوله عنه وعن قدرته الإبداعية هي المآسي الكبرى التي كتبها بشكل تراجيدي مثل مكبث والملك لير على سبيل المثال، فالنضج في الكتابة يدل على نضج في الشخصية نفسها بحيث أنها تبحث ما وراء الأشياء ولا تكتفي بالهروب من الواقع بل بتجسيده وكتابته.

دوستويفسكي ذات الشيء، أهم رواية كتبها وأكثرها رواجاً كانت هي عبارة عن معركة أخلاقية بحتة بين الفقر والغنى والفرد والسلطة وهنا طبعاً أتحدّث عن رواية "الجريمة والعقاب" وهناك أيضاً قصة المعطف لغوغول و٩٠% من الكتّاب المشهورين هم لديهم ذات الاتجاه في اختيار موضوعاتهم وان تغيرت الصيغ.

فالنضج في الكتابة يدل على نضج في الشخصية نفسها بحيث أنها تبحث ما وراء الأشياء ولا تكتفي بالهروب من الواقع بل بتجسيده وكتابته.

إذا كان الأمر مقترناً بالنضج إلى هذا الحد فإنني أصبحت أرى الكتابة "فرض كفاية"..

أن نكتب سطراً حقيقياً جديداً لم يكتبه السابقون أو نجلس بهدوء في حضرة من يستطيع فعل ذلك، أن نتريث ونتريث ونحن نبحث عن مرادفات أكثر بساطة وأصدق في المعنى، وبما أن الواقع والماضي رمادي مغبر فإن النصوص الجديدة التي ستصفهم غمست أقلامها طوعاً واستقت من ذات اللون..

فلو تطرقنا للخيال فحري به أن يكون للعودة إلى الوراء واسترجاع الأندلس، وتمزيق وعد بلفور قبل أن تنقلب حياة الفلسطينيين رأساً على عقب، وتغيير أحداث الماغول التي سببت حرق مكتبة بغداد، وأن لايقتل عمر بن الخطاب وأن نقوم بإبطال جملة صفقات القرن الأخير وأن وأن وأن ..

ونحن طبعاً لانقوى على تغيير تسريحة شعرنا.

من أين نأتي بالأفكار المبهجة والأمل الكاذب للنصوص إذاً..

أهم كتّاب العالم كانوا أكثرهم حزناً أو أكثرهم تقلباً في مزاجه،

نعم بالفعل ياضياء..

وقبل الكُتاب والشعراء كان الفلاسفة ومنهم أفلاطون الذي قال بأن الحزن يزيد من جودة الأعمال الفنية سواء المكتوبة أم المصنوعة..

هذا كان يزيد من إبداعهم وأهمية انتاجاتهم وصدق ما يكتبون

النفس الإنسانية غريبة النوازع وكثيرة الأطوار،

وكذلك أقلامنا لا تكون في ذات الحالة طيلة الوقت..

ولكن اكتشاف أن" السعادة" في قراءة التعاسة الإنسانية أمر مرعب!!

أعلم.. تضيق صدورنا وتنشرح أقلامنا فمرة نضيئها بالنور والبهجة ومرة بالنار، نكتب مانعيشه وما نتمناه ومانخاف أن نعيشه أيضاً.. ولكن أن يسترسل الالهام بشكل أكبر عندما تستعر الروح، هذه مناقضة تستحق إعادة النظر..

ربما لذلك علمونا منذ البداية أن الكسرة هي أقوى الحركات في اللغة..

كنت أطوق بشدة إلى اليوم الذي ترتقي به قدرتي على حياكة النصوص لأقفز عن حدود الأزمنة ومحدودية المكان وأدخل عوالم ساحرة وربيعية كما رسمتها في خيالي.

لكنني ارتطمت بعوالم أكثر تعقيداً مما ظننت، وأذهلني أيضاً أن الذائقة القرائية لدى القراء ارتقت وأصبحت اختياراتهم للنصوص أكثر تعقيداً بالمقابل..

برأيي من الجميل أن نعرف أن الحزن أداة قوية بالكتابة وتخلق أدباً مهماً ولكن برأيي لا يجب أن نتمسك فيها كفكرة، كثر الكتّاب الذين نراهم يصنعون عن قصد تباكياً في أدبهم لفهمهم لهذه الفكرة ولكن يخرج هذا الحزن مزيفاً سيئاً بنتائج عكسية، الأصح برأيي دائماً أن نتمسك بلغة صادقة تكتب ما يجول في الداخل فعلاً وما يقتنع صاحبه فعلاً بقوله وكتابته والتعبير عنه دون أي تكلّف أو انتباه إلى ما يطلبه المستمعون أو ما يقرره النقاد أو ما يسنّه السائد.

هل لديك مشكلات أو خيبات أمل على المستوى الشخصي؟ غالبا قلمنا يتأثر بشكل أو بآخر بمشاعرنا، فأفضل القصائد والروايات كتبت في فترة كان كتابهم يشعروا نفس المشاعر أو الحالة، لذا لا أجد ضرر في ذلك، ولكن المهم ألا تطول وتصبح حالة عامة.

hudaalhalabe أضف ردا
هل لديك مشكلات أو خيبات أمل على المستوى الشخصي؟

ومن منا ليس لديه؟

عادة أجيد الفصل بين ما أضمن وما أظهر، وأتوخى الحذر من أن أنهمر على أوراق لاتخصني خصيصاً عندما أكتب النصوص للعملاء..

ولكن الغريب أن العملاء هم من يطلبون صياغة النصوص بطرق سوداوية أيضاً، فأجدهم يحدثونني عن رغبتهم في نسج بطل محقق مثلاً مصاب بالعمى يجري جميع التحريات مستعيناً بمساعد خائن يصف له المشاهد على هواه، وآخر بعثرت العواصف محاصيله وجلس يبكيها في أمسية ماطرة، وآخر بحث في رسائله القديمة فوجد وعداً بالبقاء.. وآخرها "جرحان في خلية" تحكي عن محبوبة عسلية العينين كانت القصة مأساوية بشكل جنوني..

أتسائل لماذا لانجد روايات كوميدية ولانجد في ذواتنا ذلك الالهام الطريف؟.

أرى أن الكوميديا أصعب بمراحل عن الروايات الحزينة، هذا النوع يحتاج لموهبة فريدة، لنتمكن من إيصال الضحكة للقارىء

فأترك أوراقي على طاولة المقهى وأرجوها أن تُسرق، من شدة ما جسدت بها أبطالاً " مكتوفي الأيدي" أو "مسعورين".

يعني لو سُرِقَت يا هدى، فمَن لهؤهلاء الأبطال المساكين ليُجسَّد مآسيهم كما تفعلين؟! إن قلمكِ المميز حتى لو عصفت به الأحزان والمآسي، قادر على أن يجعل القارئ يستعذب ما تسردين، فيرى الجمال في الاتجاهات غير الملونة، لأنها نُسِجَت بعناية وحِيكَت بدِراية، فسيري بقاربكِ حيث شئتِ، فنحن على أي برٍّ سيرسو قاربكِ ننتظر.

شكراً يامنار..

كلماتك هذه صنعت يومي..

القلم عكاز أضلعنا المكسورة، نفسح له الطريق ليمضي بنا بضع خطوات.. فيطلق العنان ويحلق ثم ينهمر كيف يشاء، في كثير من الأحيان يتمرد ويثور ويطرح الأسئلة المحظورة ويهجو كل منطق معتاد ورائج..

هذه المرة أصابه الجنوح الناضج عن فكرة أن الأبطال يحملون صفات مثالية ويخرجون من المصاعب تباعاً دون أي خدش قبل أن تفرغ أسلحتهم من الذخيرة، فبدأ يختار لهم أرواحاً مكبلة يقودها الخوف وقلة الحيلة..

وكأن القلم هجر وصف الأحلام والأمنيات والنجوم وأختار أن يجالس الواقع عله يدرك منه شيئاً يزيد كفائته.

من الجيد معرفة أن الحزن والمأساة يستهواها البشر ويؤسفني إخبارك أنهم البشر البائسون الذين خربت أقلامهم فخربت كلماتهم وكتبت من الكلمات ماهى كالكير المنفوخ فى الهواء بنافخه فتصيب القارئ بإحباط وكآبة وتجعله يتوقف عن القرآة، أما الكُّتاب الذين نمت الحيوية فى أقلامهم وإخضرت كلماتهم وأزهرت ببعض الأفكار النيرة التى تستهوى المار بجوارها كقارئ فهؤلاء مفعمين بالنشاط والحيوية والطاقة ويحبون الحياة ومقبلين عليها، فإختارى أى الطريقين تسلكين فكلا الطريقين يمكن السير فيهم ولكن الإختيار عند كلاً منا.

أهلا بك في حسوب استاذ مصطفى ..

أحد أصعب أنواع القراء هو القارئ الحذر والواقعي..

ينهمر الكتاب بكلماتهم أمامه وهو يحمل مظلة.. ولايستهويه إلا النص الذي يمده بالوقود لأيامه إما بالفائدة العلمية أو التسلية الطريفة.

أحب استهداف هذا النوع من القراء وتجذبني قدرتهم على إنتقاء مايخدم مسيرتهم فقط. عندما أرى أحدهم في المكتبة أعرفه من طريقته.. يقلب الكتب الروائية بين يديه بعينين جامدتين قبل أن يلتفت ببرود ثم يحمل أحد الكتب العلمية حيث الحقيقة الكاملة لينفس عن روحه، ويبدد شعور الملل..

وربما يقرأه بعد ذلك وهو يستأنف طعامه وشرابه بكل هدوء..

ولكن هذه الفئة المخملية لاتشكل الأغلبية، لذلك تجد معظم الكتّاب والقراء يطوفون في مدار أكثر صخباً.. كالذي وجدت نفسي فيه مؤخراً..

أختلف معكي فى هذا فالقراء كلهم يفرحهم الكلمات الجيدة ويحزنهم الكلمات المحزنة، بمعني لو جئتي ب 50 شخصا من دول مختلفة بلغات مختلفة وقصصتى لهم جريمة قتل بشعة لكل منهم بلغته، كيف ترين الوجوه الأن؟

ومن ثم على نفس الأشخاص قصصتى عليهم قصة مبهجة بطريقة مرحة جداً وتحمل الكثير من معاني الحب والسرور كيف ترين الوجوه الأن؟

لانقول هناك عموم قراء يحبون كذا ولكن نقول هذا الكاتب كيف مذاق كتاباته؟ وما التجربة التى يمر بها قارئة؟

من المؤكد لو جئت بخمسين شخصاً وأضحكتهم لضحكوا ولو أحزنتهم لأثار ذلك شجونهم.. ولكن لو جئت بهم وتركت لهم الخيار في انتقاء تصنيف القصة لوجدت بأن الناس على اختلافهم يحبذون الدراما والمعضلات الفلسفية والنقد الاجتماعي.. وقليل منهم ينتقي القصص المرحة المبهجة.

هذه مفارقة عجيبة، فأنا القصص الرعب او الغامضة، أو التى تشمل الكثير من المعضلات الفلسفية لاتستهويني، قد أكون عممت الأمر.

إذاً فأنت من الطبقة المخملية..

ماهذه التعاويذ أعاذنا الله وإياكي منها:)

أعلم أن المخملية هذه تُستخدم فى ترطيب الجسد، فكيف أصبحت مخملياً؟!