لماذا تميل المجتمعات إلى الإيمان بالخرافات؟

دائما كنت مهتما بتحليل المجتمعات وإنسياقها نحو الخرافة والتصديق بها ربما لأنها تشبع فضولهم وترضي عقولهم ولا تحثهم على التفكير العلمي والأخذ بالأسباب. فإذا تحدث شخصا عن شيء جيد حدث له ويخشى من الحسد يبادر بقول "أمسك الخشب" أو يذكرون دائما كلمة "خمسة" في حديثهم وكثير من الأمور الغريبة.

وذكرني هذا بالعديد من الأعمال الأدبية التي تناولت خرافات في مجتمعنا مثل رواية قنديل أم هاشم ليحيى حقي. ففي الرواية يعرض لنا المؤلف مشكلة إيمان منطقته بخرافة التبرك والشفاء بزيت قنديل المسجد ليقوم بشفاء ضعيفي النظر، فيقرر بطلنا بدراسة طب العيون في الخارج ويعود لعلاج أهله بأحدث الأساليب العلمية ولكنه يفاجئ بأنهم لا يتقبلون منه العلاج خاصة خطيبته، فلجأ إلى حيلة العلاج الوهمي ليساعدهم على الشفاء حيث أنه يوهمهم باستخدام قطرات الزيت المتبركين به ولكنه في الواقع يستخدم دواء حقيقي وعلمي.

وأيضا في رواية أسطورة النداهة لأحمد خالد توفيق من سلسلة ما وراء الطبيعة ففي الرواية يرصد الكاتب خرافة كائن أسطوري يقوم بخطف الناس وهنا يقول المجتمع على كل شخص يتم اختفاءه بأن النداهة ندهته، لا يبحثون عن الأسباب بشكل موضوع أو منهجي لاختفاء الشخص ونجد في الرواية محاولة الكاتب لدحض هذا التصور ليكشف لهم القناع عن قاتل مريض استغل عقولهم في التصديق بتلك الأسطورة وأصبح يخطف الناس لاستخدامهم لتجاربه العلمية. وهنا تذكرت أيضا كلمات العالم ريتشارد فاينمان عن مراحل التفكير البشري كما ذكرهم أولا المرحلة اللاعقلانية وثانيا المرحلة العقلانية وثالثا المرحلة العلمية. والحقيقة أنه هنالك الكثير من المجتمعات لا تزال في مرحلة اللاعقلانية لتدني المستوى الثقافي والعلمي على حد سواء.

في رأيك هل العلاج الوهمي فعال! وما هي أسباب تمسك الناس بالخرافة؟ وهل سبق لك قراءة عمل أدبي يتحدث عن الخرافات؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أود أن أقول يا أخي حمدي إن الخرافات هي جزء من التراث الثقافي للشعوب، ولها دور في التعبير عن القيم والمعتقدات والخيالات التي تشكل هوية كل مجتمع. لكن هذا لا يعني أن الخرافات تمثل الحقيقة أو الواقع، بل هي مجرد قصص وأساطير تحتاج إلى تحليل نقدي وموضوعي.

اما العلاج الوهمي فهو هو عبارة عن إعطاء المريض دواء أو علاج لا يحتوي على مادة فعالة، ولكن يؤدي إلى تحسن في حالته بسبب تأثير الإيحاء أو التوقعات أو الثقة. هذا التأثير يسمى تأثير الدواء الوهمي (placebo effect)، وهو موضوع دراسة في علم النفس والطب.

هل يعني هذا أن العلاج الوهمي فعال؟ لا بالضرورة. فالعلاج الوهمي قد يكون مفيداً في بعض الحالات التي تتعلق بالأعراض النفسية أو المزاجية أو التخفيف من الألم، ولكنه لا يؤدي إلى شفاء المرض نفسه أو علاج المشكلة الجسدية. كما أن العلاج الوهمي قد يكون ضاراً في بعض الحالات، إذا استبدل بالعلاجات الطبية المثبتة علمياً، أو إذا استغل من قبل المخادعين والمحتالين للحصول على المال أو السلطة.

في الحقيقة الأسطورة تختلف عن الخرافة في بعض الأشياء مثل أن الأسطورة تكون لتخليد عمل بطولي ما كما حدث مع أساطير اليونان مثل هرقليز وعندنا في التراث الشعبي سيرة أبو زيد الهلالي وفي إسباينا حكايات دون كيخوت أما الخرافة فهي تكون بسبب الخوف من شيء ما.

هل سبق لك قراءة أعمال أدبية تتناول موضوع الأسطورة يمكنك مشاركتني به؟

أعتقد أن العلاج الوهمي قد يكون فعالاً في بعض الحالات، خاصة إذا كان المريض يؤمن بالعلاج ويثق بالطبيب. فقد أظهرت بعض الدراسات العلمية أن العلاج الوهمي يمكن أن يؤثر على نشاط الدماغ والهرمونات والجهاز المناعي، ويساعد على تخفيف الألم والقلق والاكتئاب. ولكن هذا لا يعني أن العلاج الوهمي يستطيع شفاء المرضى من أمراض خطيرة أو مزمنة، فهو لا يغير الواقع البيولوجي للجسم، بل يغير فقط التصور الذهني للحالة. وأقرب مثال قصة الشخص المسيحي الذي إدعى أن العذراء شفته وما إلى ذلك.

أما عن أسباب تمسك الناس بالخرافة، فأظن أنها تعود إلى عدة عوامل، منها: الجهل والتخلف والتقاليد والخوف والأمل. فالجهل يجعل الناس يتبعون ما لا يفهمونه، والتخلف يحرمهم من التحديث والتطور، والتقليد يورثهم ما هو موروث من آبائهم وأجدادهم، والخوف يدفعهم إلى التشبث بما يحميهم من المجهول، والأمل يجذبهم إلى ما يحقق لهم ما يتمنونه. ولذلك، فإن الخرافة تصبح بمثابة ملاذ نفسي للناس في الظروف صعبة.

تطرقك لشرح العلاج الوهمي وممزياته وطرقه جعلتني أريد سؤالك هل واجهت في الحياة شخصا تعرض للعلاج الوهمي وهل شاهدت عملا فنيا يتحدث عن هذا الأمر؟

لا لم أواجه هذا من قبل، ولكن سمعت عن هكذا قصص مثل قصة المسيحي التي ذكرتها.

أعتذر لجميع أصدقائي في التعليقات لكن أسباب إيمان الناس بالخرافة ليس الجهل، فمؤسس شركة أبل عالم وعبقري، ومع ذلك كان يؤمن بخرافات البوذية حتى مات بسببها.

أسباب الإيمان بالخرافات لا علاقة لها بمستوى التعليم، أو بالطبقة الاجتماعية، فهي تتوغل في قلوب جميع البشر وذلك لأن جميع البشر يمتلكون مجموعة من الصفات المشتركة هي التي تدفعهم للإيمان بالخرافة.

وكلامي هذا ليس من رأسي بل هو خلاصة بحث أجراه الدكتور رونالد ريجيو قال فيه أن أسباب إيمان الناس بالخرافات هو أولًا كرههم لجهلهم وعجزهم.

فعندما يشاهدون ظاهرة لا يعرفون لها تفسير فهم يبتكرون لها تفسير، مهما كان هذا التفسير خرافيًا، مثلما كان يتم تفسير الكسوف على أن غولًا ضخمًا يبتلع الشمس.

أيضًا البشر بحسب هذا البحث العلمي يؤمنون بالخرافات لكرههم لعجزهم عن مواجهتها، فمثلًا أنا عاجز على أن أكون ناجحًا ومشهورًا، إذا سأؤمن بنظرية المؤامرة التي تقول أن الناجحين والمشهورين هم أشخاص عقدوا صفقات مع الشيطان.

أو هذه النظرية التي تقول أن المشاهير هم كائنات فضائية أتوا ليتغذوا على موارد كوكبنا.

أما عن علاج مثل هذا التفكير فللأسف لا يوجد طريقة سوى أن تدفعهم دفعًا متتاليا لاستخدام التفكير النقدي ولو ثوان معدودة.

يمكنكم مراجعة البحث من هنا:-

توصيف مختلف للخرافة, خاصة تناولك لجزء حياتنا المعاصرة ونظرية المؤامرة المختلفة، وكلن هل صادفك في حياتك أشخاصا يؤمنون لتلك الأشياء؟

أنا دائمًا مميزة شكرًا لك، وبالطبع صادفني الكثير من المؤمنين بنظرية المؤامرة، أولهم أنا، فأنا إلى اليوم مؤمنة أن أمريكا تتآمر على العالم كله لتضمن بقائه تحت سيطرتها وخضوعه لعملتها.

  • حذف بواسطة المستخدم

بسبب الجهل الموروث

أتفق معك في أن الناس يميلون دائماً لرد الظواهر التي لا يجدون تفسيراً لها أو لا يستطيعون تفسيرها، يردونها إلى "اليد الخفية". هذا ما ذكره الدكتور عبد الوهاب المسيري، رحمه الله، في كتاب "اليد الخفية" وهو يحاول إثبات أن نظرية المؤامرة هي من صنع اليهود، وأنهم هم الذين كتبوا "بروتوكولات حكماء صهيون" ونشروها بين الناس؛ ليصيبوهم بالرعب من الصهيونية، وأنه لا يمكن الوقوف أمام تحقيق أهدافها.

الدكتور المسيري رحمة الله كان دائما سباقا في تحليل الظواهر الاجتماعية المختلفة ومدى تأثر المجتمعات بالخرافات أو حتى البحث عن ملذات الحياة وغيرها من الأمور الهامة التي ناقشها في الكثير من كتبه وحتى في مقدمته الرائعة لترجمة كتاب الإسلام بين الشرق والغرب لبيجوفيتش.