لطالما كانت الترجمة أداة أساسية لتطور الأمم ونقل المعارف بين الحضارات. فهي الجسر الذي عبرت عليه العلوم والفنون والفلسفات من ثقافة إلى أخرى، مُحدثةً ثورات فكرية وعلمية غيرت مجرى التاريخ. ومع ذلك، يبدو أن العرب اليوم، رغم إرثهم العريق في الترجمة خلال العصر الذهبي، قد انشغلوا عن مسؤولية أكبر وأكثر أهمية: التعريب.
التعريب لا يعني مجرد ترجمة النصوص الأجنبية إلى العربية، بل يعني تكييف هذه النصوص وجعلها جزءًا من المنظومة الثقافية والعلمية للأمة. إنه عملية محورية تُظهر مدى ارتباط الأمة بلغتها وهويتها. لكن مع ذلك، فإن الإهمال الذي يشهده هذا المجال يُبرز بشكل مؤلم العقوق الذي تمارسه الأمة العربية تجاه لغتها وتراثها العلمي.
الترجمة: البداية التي لا يجب أن تكون النهاية
لا يمكن إنكار الدور الكبير الذي لعبته الترجمة في دفع عجلة التطور البشري. فمن خلال الترجمة، تمكنت الأمم من الوصول إلى علوم ومعارف الأمم الأخرى. في العصر العباسي، عندما كان بيت الحكمة في بغداد ينبض بالحياة العلمية، قاد العرب حركة ترجمة مكثفة نقلت أعمال أرسطو وأفلاطون وجالينوس وغيرهم إلى اللغة العربية، ما جعلها لغة العلم في ذلك الوقت.
ولكن، إذا كانت الترجمة خطوةً أولى وضرورية، فإن التوقف عندها يُعد تقصيرًا حضاريًا. الأمم المتقدمة اليوم لم تتوقف عند الترجمة، بل قامت بتوطين العلوم وجعلتها جزءًا من نظامها المعرفي. وهذا ما نفتقده اليوم في العالم العربي، حيث إن الاعتماد المفرط على اللغات الأجنبية في التعليم والبحث العلمي يجعلنا متلقين فقط، لا منتجين.
التعريب: الفريضة الغائبة
التعريب يُعد التزامًا ثقافيًا وعلميًا يجب أن تحتمله الأمة، لكنه للأسف ظل معطلًا أو مهمشًا، مما يُبرز ضعف ارتباطنا بلغتنا الأم. هذا التقصير لا يُظهر فقط عقوقًا تجاه اللغة العربية، بل يكشف أيضًا عن غياب رؤية استراتيجية لتطوير العلوم والمعارف محليًا.
إن التعريب لا يعني الانغلاق أو رفض الانفتاح على اللغات الأخرى، بل هو عملية توطين للعلوم بما يتماشى مع ثقافتنا وهويتنا. فبدون التعريب، تصبح العلوم مجرد نصوص مستوردة تُقرأ ولا تُفهم بعمق.
لماذا التعريب أهم من الترجمة؟
1. تعزيز الفهم والإبداع: التعلم باللغة الأم يُثبت فاعليته في تعزيز التفكير النقدي والإبداعي.
2. استقلالية حضارية: الأمم التي تتعلم بلغتها تمتلك استقلالًا فكريًا يُمكنها من إنتاج المعرفة بدلاً من استهلاكها فقط.
3. إزالة الحواجز الثقافية: عندما تُترجم العلوم دون تعريبها، تبقى غريبة عن ثقافة المجتمع، مما يُصعّب فهمها وتطبيقها.
4. تعميق الانتماء: اللغة الأم تُرسخ هوية الفرد والمجتمع، وتعريب العلوم يربط بين العلم والثقافة المحلية.
العقوق الحضاري: العرب بين الترجمة والتقاعس عن التعريب
الإصرار على الاعتماد على اللغات الأجنبية في التعليم والبحث العلمي يُظهر تقصيرًا واضحًا تجاه اللغة العربية. هذا الواقع لا يُعبر فقط عن ضعف إداري أو تنظيمي، بل عن أزمة فكرية وحضارية تجعل اللغة العربية في خطر التهميش.
التاريخ يُعلمنا أن كل أمة تبنّت لغتها في التعليم والبحث استطاعت أن تحقق نهضتها. اليابان، ألمانيا، فرنسا، والصين كلها أمثلة على أمم جعلت لغتها محور تطورها العلمي والثقافي. أما في العالم العربي، فإن بقاء العلوم والمعارف في لغات أجنبية يُظهر انفصالًا مؤلمًا بين اللغة والثقافة، ويُبرز العقوق الذي تُمارسه الأمة تجاه لغتها.
الطريق إلى النهضة يبدأ بالتعريب
إذا أرادت الأمة العربية أن تستعيد مكانتها الحضارية، فلا بد أن تجعل التعريب أولوية قصوى. فالتعريب ليس عقبة أو ترفًا، بل هو ضرورة حضارية تُعيد للأمة استقلالها الفكري وتجعلها قادرة على المساهمة في إنتاج المعرفة.
ختامًا، الترجمة خطوة ضرورية ومهمة، لكنها ليست الغاية. فبدون التعريب، ستبقى الأمة العربية أسيرةً لعلوم الآخرين، تُنتج بلغاتهم، وتُفكر بثقافاتهم. آن الأوان أن نُعيد للغة العربية دورها، ليس فقط كلغة أدب ودين، بل كلغة علم وإبداع، لأنه لا نهضة دون لغة وطنية تكون عنوان الهوية والاستقلال.
التعليقات
التعريب ليس أولوية بل هو عائق في حالة العلوم التي بها ريادة غربية حالية، أو علوم يطمح متعلموها للسفر خارجًا أغلب الوقت، مثل الطب والبرمجة، إذن التعريب والترجمة ليست المشكلة، بل المشكلة هي مواكبة العلوم وإنتاج منتج تعليمي جديد في العلوم التي تتعلم فيها من الآخرين، فالطلاب في ألمانيا والسويد مثلًا يتعلمون البرمجة باللغة الألمانية، ورغم ذلك لم يؤخرهم ذلك سنوات لأن البلد تملك منتج ثقافي بالفعل مطلوب عالميًا.
حيث إن الاعتماد المفرط على اللغات الأجنبية في التعليم والبحث العلمي يجعلنا متلقين فقط، لا منتجين.
هل الاعتماد على اللفة الأجنبية هو ما جعلنا متلقيين فقط لا منتجين؟ هذه مغالطة كبيرة، أوجه القصور أكبر من ذلك بكثير، نحن بعيدين كل البعد عن الإنتاج، لا يوجد ميزانيات بحث علمي حقيقي تسمح لك بالإنتاج، ولا حتى دعم.
بالخارج الشركات الخاصة تدعم البحث العلمي الذي يتوافق مع مجالها، أين نحن من ذلك، هناك مشكلات كثيرة جدا تسبق مشكلة التعريب
هذا ما فعلته سوريا بالمناهج الطبية، قامت بتعرسبها تماماً ودراسة الطب تقريباً بأكثر من ٩٥% منه دراسة بالعربي وتعريب كل المصطلحات الطبية، جهود جبارة في هذا المجال بذلتها سوريا، وتعريب المناهج الطبية في سوريا ليس كان خطوة رائعة لتعزز الهوية الوطنية فقك وتسهّل استيعاب الطلاب للمعلومات الطبية. بل باستخدام اللغة الأم صار يتمكن الطلاب من فهم المصطلحات والمفاهيم بشكل أعمق وهذا قلل من عوائق اللغة التي قد تؤثر على التحصيل العلمي وهذه الخطوة ساهمت في توسيع القاعدة العلمية. حيث صار يتمكن الأطباء والمختصون من التواصل بسهولة مع المجتمع وتقديم المعرفة بلغته. ومن هذه السهولة نبعت أصلاً فكرة الباحثون السوريون، كنا السباقين في هذا المجال من المحتوى لسهولة ذلك بلغتنا.
يعني ساهم ذلك أيضاً في إثراء المحتوى العربي الطبي عالمياً رغم التحديات المرتبطة بترجمة المصطلحات، هذه المبادرة يجب أن تعمم لدينا في كل الزوايا سورياً وعربياً.
التعريب أراه خطوة استراتيجية وليست مجرد قضية لغوية. اللغة هي هوية الأمة وسلاحها في معركة الفكر والثقافة. لكن إن أردنا النجاح، فلا يكفي أن نعرب العلوم، بل يجب أن نبني نظامًا تعليميًا يربط بين التعريب والإبداع، يجعل من اللغة العربية وسيلة لإنتاج المعرفة، لا مجرد أداة نقلها. إذا كانت الأمم الكبرى تعلم شعوبها بلغاتها وتنهض، فما الذي يمنعنا؟