الشعراء بين الغلو في القول وصناعة الشعر

  • abd_laajane

"والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون" [آية كريمة] . قيل هذا "تمثيل لذهاب الشعراء في كل شِعْبٍ أو سبل من القول واعتسافهم وقلة مبالاتهم بالغلو في المنطق." وهذا الكلام تُظهره الكثير من الصور الشعرية التي نجد فيها مغالاة وخروج عن المنطق .. لاحظوا مثلا أحدَهم يصف مشهدا في معركة:

ضَرَبْتُهُ فِي الْمُلْتَقَى ضَرْبَةً ... فَزَالَ عَنْ مَنْكِبِهِ الكَاهِلُ

فَصَارَ مَا بَيْنَهُمَا فَجْوَةً ...  يَمْشِى بِهَا الرَّامِحُ وَالنَّابِلُ

فبمقياس العقل والعادة لا يمكن أن نتصور ضربة سيف تفصل الكاهل عن المنكب تاركة فجوة أو فراغا يسمح لجيش من حاملي النبال والرِّماح أن يمروا بينهما.

  • هل يدخل الغلو في القول ضمن صناعة الشعر، وما حدود مبالغات الشعراء في أشعارهم؟ 
  •  فما رأيكم يا كرام؟
يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

إن الأمر في حد ذاته بعيد كل البعد عن مثل هذه الأحكام. الشعر، كنوع بارز من أهم أنواع الفن، لا يمكن أن يخضع لمعايير اللغو والخداع والصدق والكذب وغيرهم، خصوصًا في الإطار المعاصر الذي يبرز فيه الشعر كنوع مستقر من أنواع الفن. كان من الممكن قديمًا، وفي الدولة العربية بالتحديد، أن تطال الشعر أيٌّ من المعايير الأخلاقية، وذلك لأنه كان متورطًا مع مفاهيم أخرى بعيدة عن الفن، مثل السلطة والسياسة والمدح والذم والحكم والمعتقد الديني. لكن الآن، فيما يتعلق بالفن المستقر والمفهوم الحر، لا يسعنا أبدًا أن نحكم على الشعر من أي منظور أخلاقي.

abd_laajane أضف ردا

تحية طيبة أستاذ علي .. شكرا لتفاعلك وسعدت بتعليقك اللطيف، وأعتقد أن الشعر، بغض النظر عن خصوصيته الفنية، هو نشاط إنساني يسري عليه ما يسري على أي نشاط يمُتُّ بصلة وثيقة للإنسان، هذا الكائن العجيب المركب الأبعاد ثقافةً وقيما ورمزا وعلاقات وهلم جرا.. تحياتي

هل يدخل الغلو في القول ضمن صناعة الشعر،

كلنا نعلم أن الشعر هو فن يدمج الكلمات والألفاظ لإنتاج معانٍ ذات قيمة فنية وثقافية، ولكن من الممكن أن يدخل الغلو في الشعر، ويمكن أن يتسبب في تشويه الصورة التي يحاول الشاعر رسمها، ويمكن لهذا الأمر أن يؤثر على جودة الشعر، ويفقده قوته الإبداعية والفنية. بالرغم من أن تضخيم المعاني والمبالغة من الأساليب الأدبية المعتمدة في الشعر، حيث يمكن أن تعزز هذه الأساليب الإبداعية والفنية للشاعر، وتجعل الشعر أكثر تأثيراً وجاذبية للقارئ أو المستمع.

وما حدود مبالغات الشعراء في أشعارهم؟ 

يمكن القول بأن الشعر واسع المدى ولا يمكن تحديد حدود لمبالغات الشعراء في أشعارهم، ولكن يجب على الشاعرين أن يحرصوا على الحفاظ على جودة الشعر وتوازنه وعدم الإفراط في الغلو والمبالغة، والعمل على إيصال رسالتهم الفنية بشكل واضح. حيث يمكن أن تؤدي المبالغة إلى فقدان القارئ أو المستمع الاهتمام بالقصيدة أو فهمها بشكل خاطئ.

abd_laajane أضف ردا

تحية طيبة أستاذة عفيفة، رأي وجيه ومتوازن، دام لك التوفيق السداد

شكرا أستاذ، وما رأيك انت استاذ في الموضوع؟

في الحقيقة التدوينة تطرح موضوعا واسعا فيه نظرات ونظرات.. والرأي عندي فيه أن من الغلو في الشعر تركيبيٌّ ومعنويٌّ، وكلاهما يحتاج نظرا ومراجعة.. من "الغلو" التركيبي وضع اللغة في صيغ متكئة على الانزياح خارج حدوده التوسيعية .. ومن ثم تأتي لغة هذا اللون من الشعر وفقا لها المنحى، وهي لا تحمل فكرة ولا تنهض على بناء صورة... وهلم جرا.

  معنويا .. من الغلو ما يرتفع على الوقائع والحقائق كل الارتفاع... فمن منا من لا يعرف مبالغات ابن هانئ الأندلسي ومغالاته في مدائحه، من ذلك قوله يمدح المعز:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار    فاحكم فأنت الواحد القهار

وهذا -لعمري- يُخالِفُ الواقِعَ والحقيقة...

  • إضاءة: من الغني عن البيان أن صناعة الشعر لا تنفك عن التخييل مجازا وانزياحا، لكن دون عسف أو تشويه للغة، لأن اللغة كما قال العقاد: "لم تخلق اليوم لنخلق قواعدهاوأصولها في طريقنا..."

تحياتي 

في رأيي، أظن أن الغلو في الشعر لا يمكن أن يكون قاعدة عامة، بل يجب أن يُقاس بحسب الموضوع والغرض والظرف. فقد يكون الغلو مقبولا في بعض الأحيان، إذا كان يخدم هدفا نبيلا أو يعبر عن مشاعر صادقة أو يستخدم بطريقة فنية راقية. وقد يكون الغلو مرفوضا في بعض الأحيان، إذا كان يؤدي إلى تضليل أو تزييف أو تشهير أو تخريب.

ولكي أوضح لك رأيي بشكل أفضل، سأذكر لك بعض الأمثلة على الغلو في الشعر، وسأحكم عليها من منظوري:

في شعر المديح، قال ابن حجاج:

إِذَا مَاتَ ابْنُ حَجَّاجٍ فَادْفِنُوهُ … فِي قَبْرِ مُحَمَّدٍ فَإِنِّي حَسِبُهُ

هذا البيت غلو في المديح، وهو مخالف للدين والعقل. فلا يجوز لأحد أن يدفن في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز لأحد أن يزعم أنه من حسبه دون دليل شرعي. فهذا البيت مرفوض.

ولكن هناك غلو محمود مثلا. في شعر الحكمة، قال ابن الرومي:

إِذَا رُمْتَ أَنْ تُحْسِنَ فَصُنْ نِيَّتَكَ … وَاجْعَلْ لِلّٰهِ مُقْصِدًا فِي عَمَلِك

فَإِنَّ الْعَمْلَ إِذَا خُـــالُ بِهِ … يُزِّينُهُ زُخْرُفُ الْقُولِ والشِّعْر

هذا البيت غلو في الحكمة، وهو مطابق للدين والعقل. فإن العمل الصالح يجب أن يكون خالصا لله تعالى، وأن يكون مستندا على نية صادقة. وإن العمل إذا كان بهذه الصفات، فإنه يزداد جمالا وقبولا بزخرفة القول والشعر. فهذا البيت مقبول.

تحية طيبة .. شكرا لتفاعلك مع المشاركة. ولدي ملاحظة صغيرة - لو تفضلت - مفادها أن ما نُسب في تدوينتك للشاعر ابن الرومي يحتاج مراجعة في النسبة لصاحبها والبناء الموسيقي الشعري.. تحياتي، وسررت جدا بتفاعلك يا أحمد.