هل المدح يمسّ مصداقية الشاعر ؟

المدح من الأشكال والظواهر الشعرية المعروفة والمهمة في الشعر العربي، عُرف به كبار الشعراء كالمتنبي والبحتري وارتبط بالملوك والحُكام في الكثير من الأحيان إلى جانب شخصيات أخرى ذات مكانة مرموقة وجليلة.

ولكن للشاعر التونسي أبو القاسم الشابي رأي آخر حول هذا الفن الشعري في قصيدته "شعري نفاثة صدري" :

لا أَنظمُ الشِّعْرَ أَرجو
بهِ رضاءَ الأَميرِ

وفي موضع آخر من القصيدة عينها، يؤكد الشابي على هذه القناعة قائلاً :

لا أقرضُ الشعرَ أبغي
به اقتناصَ نَوال

فلماذا رأى الشابي في المدح نقطة ضعف وإدانة لشعره، وهل المدح في الشعر يحطّ من مصداقية الشاعر وجمالية معانيه؟

لأصدقكم القول، لا أميل شخصياً لشعر المدح لما فيه من المبالغات التي تستقبحها النفس في ترفيع الشخصيات، ولكن مثلاً نجد شاعراً فذاً كالمتنبي اشتهر بمدحه لكبار الشخصيات التي ربطتهم به علاقات متينة كسيف الدولة الحمداني، الذي نظم مدحاً فيه عدداً من أشهر القصائد في الشعر العربي وهو الذي يقول عنه :

وَقَفْتَ وَما في المَوْتِ شكٌّ لوَاقِفٍ
كأنّكَ في جَفنِ الرّدَى وهْوَ نائِمُ 
يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

90 بالمئة من الشعر العربي مدح، على العكس الشعر الغربي، رغم أنّ الشعر العربي برأيي متفوّق بأشواط في مسألة اللغة العربية والصياغات والتأثير والمفردات، إلا أنني ألاحظ بأنّ موضوعات الشعر الغربي دائماً أنضج بكثير من موضوعات الشعر العربي سواء قديماً أو حديثاً، الأمر الذي يجعلني أقول بأنّه ربما قد قضى الشعراء على أنفسهم بممارسة هذا النفاق الغير طبيعي في أشعارهم، أي ممارسة الرثاء والهجاء والمدح والثناء والذم، هذه الأمور التي لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بالمشاعر بل لها علاقة بالمزاج ووجهة النظر والمعلومات التي نحصّلها من الآخر، الرجل الذي نصنع لاجله هذه القصائد.

والأسوء طبعاً أن يتم تدريس هذه القصائد على اعتبارها شعراً على أنّها بكل بساطة نفاق منمّق ومزخرف أو عداء يخرج بشكل متسق وجميل من الفم، هذه العقلية لا أعتقد أن الأطفال يحتاجونها، حتى أنني أتسائل مرّات، هل يمكن أن يقوم للشعر العربي قومة بعد كل هذه التراكمات السيئة من الأفعال؟ عن نفسي ميّال للنفي..

الموجة الحديثة من الشعر المعاصر والمتأثرة بالشعر الغربي تدعو إلى التركيز على المعاني والعواطف فقط دون الإمعان في التركيز على الصياغة واللفظ والتركيب، لذلك في الشعر المعاصر تجد شاعراً عاشقاً طوال الوقت، وشاعراً وطنياً طوال حياته، وشاعراً حزيناً فقط، بينما قديماً تجد الشاعر الواحد يصيغ وينظم أعذب الأشعار في كل المجالات سواء أكانت مدحاً أو فخراً أو رثاءً أو حكمة، والمتنبي مثلاً كتب أبياتاً غاية في الروعة في الغزل رغم أنه لم يعرف به ولم يعرف بقصة حب عظيمة كغيره من الشعراء.

فهل طبيعة الشعر اختلفت منذ ذلك الزمان وحتى الآن، فكان المدح شكلاً لقالب أدبي له وزنه في المجتمع العام، بينما هو الآن آداة مخصوصة لتفريغ المشاعر والعواطف ؟ والأهم .. هل كان الشعر بمثابة منظومة إعلامية كاملة في ذلك الزمان ليكون بهذا التنوع؟

برأيي هذا ماسبب الضرر في الشعر أصلاً، بأننا نركّز عليه أو على الأقل عربياً على أنّه الصياغة اللغوية فقط دون أن ندري بأنّ المعنى والمعنى فقط هو ما يشكّل 90% من التأثير في مسألة الشعر وبنائه، لذلك لا يخفى على الأحد بأننا نفقد الشعر العربي مؤخراً ويتقدّم غربياً، رغم أنّ لغتهم لا تساعد كثيراً مثل لغتنا، ومع ذلك تقدّموا بسبب تركيزهم على المعاني والموضوعة التي يتكلّمون عنها.

لا أعتقد أن إهمال الصياغة اللغوية والتركيز على المعنى فقط هو ما سيساهم في التقدم بالشعر العربي، ولكن الإهتمام بهذا وذاك على حد سواء مهم حتى لا يفقد الشعر العربي "العربية"، فكيف سيؤثر بي شعر ركيك ضعيف اللفظ والتركيب؟

وما هو المعيار الذي سنفرق به بين الشعر والنثر في هذه الحالة ؟

بالفعل المدح في الشعر لم يكن دائماً صادقاً ونزيهاً، فقد كان هناك المدح التكسبي، وهو المدح الذي يهدف إلى الحصول على المال أو الجاه أو الرضا من الممدوح، وهذا يُظهر نوعاً من التزلف والتودد والتطبيل للسلطان أو المتسلط. وهذا ما انتقده بعض الشعراء كالشابي، فقد رأوا في هذا المدح نقصاً في قيمة الشعر وفي شخصية الشاعر، فضلاً عن أن هذا المدح قد يحتوي على مبالغات غير مبررة أو أكاذيب غير مقبولة.

ولذلك فإن المطلوب بالفعل هو المدح الصادق وهو المدح الذي يُظهر إثارة عاطفة المادح، ويُظهر مدى تأثره بأخلاق الممدوح، ويُحاول إظهارها لتنتشر بين الناس. هذا هو المدح الذي يزيد من مصداقية الشاعر وجمالية معانيه، فهو يُبرز جانباً من حقيقة الممدوح دون تزوير أو تضخيم.

الشعر هو فن تعبيري يعبر عن مشاعر وأفكار الشاعر ويسلط الضوء على العديد من المواضيع والمشاعر. المدح في الشعر يعتمد على وجهة نظر الشاعر ومدى انسجامه مع قيمه الشخصية وأهدافه الفنية.

وهل المدح في الشعر يحطّ من مصداقية الشاعر وجمالية معانيه؟

فذلك يعتمد على السياق والطريقة التي يتم بها التعبير عن المدح.

قد يرى بعض الشعراء أن المدح يجعل شعرهم يفقد مصداقيته، خاصة إذا كان المدح مبالغًا فيه وغير واقعي قد يعتبرون أن المدح الزائد يؤثر على جمالية الشعر ويجعله يبدو كأنه تمجيد غير مبرر لشخص معين.

يعتبر البعض الآخر المدح فنًا شعريًا رفيع المستوى يبرز مهارات الشاعر في الوصف والتعبير عن الجمال والفضائل يرون أن المدح يسمح للشاعر بالتعبير عن مشاعر إيجابية تجاه شخصية معينة أو فكرة، ويمكن أن يكون ذلك مكملاً لمجمل أعماله الشعرية.

فذلك يعتمد على السياق والطريقة التي يتم بها التعبير عن المدح.

مثلاً لنأخذ المتنبي من جديد .. عندما يرى القارئ المتنبي وهو يمدح كافور الإخشيدي بقوله:

قَواصِدَ كافورٍ تَوارِكَ غَيرِهِ 

وَمَن قَصَدَ البَحرَ اِستَقَلُّ السَواقِيا 

ثم يأتي من بعد ذلك ليذمه في أشهر قصائده الهجائية "عي بأي حال جئت يا عيد" ولا داعي لأقتبس من مذماتها القاسية شيئاً هنا.

برأيك، هل هذا دليل على عبقرية المتنبي الشعرية أنه قادر على كتابة أقوى الأشعار وإن تعاكست في المعنى، أم أن ذلك دليل يدعو إلى التشكيك في مصداقيته ؟

تتفاوت آراء الناس حول هذا الموضوع، حيث يعتبر البعض أن المدح يُضيف إلى الشعر طابعًا جماليًا وراقيًا، في حين يعتبره البعض الآخر تكلّفًا لا طائل منه. يعتمد مدى قبول المدح على الثقافة والأهواء الشخصية لكل شاعر ومستمتع.

 المدح يُضيف إلى الشعر طابعًا جماليًا وراقيًا

من هذه الناحية فالأمر يعتمد على قلم الشاعر وأسلوبه وحضوره، فالمدح نفسه لا يسلب الشعر جماليته ورونقه، إنما يبقى الحديث عن الغاية منه وتأثيره في القراء.

فالثراء اللفظي والتركيبي والمعنوي للمتنبي لا يزال متجسداً في أشعار مدحه كما نرى في قوله "كأنّكَ في جَفنِ الرّدَى وهْوَ نائِمُ" تشبيه ذكي جداً.

الشعر يجب أن يكون أداه للتعبير عن المشاعر والأفكار النبيلة والمدح يصرف الشاعر عن هذا الهدف وقد يدفعة إلى الكذب والمبالغة في مدح الممدوح وهذا يضر مصداقية شعره

مثلاً نجد شاعراً فذاً كالمتنبي اشتهر بمدحه لكبار الشخصيات..

ولعل ذلك هو سبب شهرته ومكانته المبالغ بها أحيانا تقوى.. وعندي شبه يقين أن عشرات الشعراء المعاصرين له والذين كانت لهم قدرات شعرية فائقة، ربما تداني ما لدى المتنبي، لكنهم لم ينالوا نفس الرعاية أو الترويج المجتمعي الذي ناله المتنبي، نتيجة لقربه وتملقه للحكام!

إذا افترضنا صحة هذا القول، إذن المتنبي بلغة العصر مسوّق ناجح لمنتج ممتاز !

فهو يمتلك ملكة شعرية رفيعة استطاع استغلالها والتسويق لها بأفضل الطرق الممكنة والمتاحة في زمانه، وبلغة الأعمال الآن ما قام به مشروع جداً، ولكن هل أساء ذلك لشعره أو لشخصه كشاعر ؟

هنا تذكرت قول العرب قديماً لمن أدركه الفقر بأنه "أدركته حُرْفَةُ الأدب"، إشارة إلى أن ارتباط الأدباء والشعراء بالفقر والعوز دائماً.