أعتقد أن السبب الأساسي وراء هذا السلوك يعود إلى طريقة التنشئة نفسها التي نشأ عليها الأب والأم. كثير من الأهالي الذين يعبرون عن حبهم بالقسوة أو التوبيخ هم في الأصل تربوا على نفس الأسلوب، حيث كان الحب مرتبطًا بالإنجاز والطاعة وليس بالاحتواء والقبول غير المشروط. هم ينقلون ما تعلموه على أنه الطريقة “الصحيحة” للتربية، معتقدين أنهم بذلك يحمون أبنائهم ويجهزونهم للحياة، بينما في الواقع تصل الرسالة عكسية أحيانًا وتشعر الابن بأنه غير محبوب لذاته.
وبمعنى آخر، هذه الطريقة ليست بالضرورة نتيجة قلة حب، بل نتيجة نمط تربوي متوارث لم يعرف الأهالي من خلاله كيف يعبرون عن الحب بلغة الحنان والقبول. لذلك، تغيير هذا الأسلوب يحتاج أولاً وعي الأهل بأن الحب الحقيقي لا يختصر في التوبيخ أو الذكر المستمر للمعاناة الماضية، بل في دعم الأبناء وإعطائهم شعور الأمان والقبول مهما كانت أخطاؤهم.
السبب الذي يجعل الناس يقومون بتخريب نجاحهم بأيديهم في رأيي هو الخوف من المجهول. النجاح ليس مجرد وصول لهدف، بل يفرض على الإنسان مسؤوليات جديدة وتحديات أكبر، وهذا ما يجعل البعض يشعرون بأنهم غير مستعدين لمواجهة المرحلة التالية. الخوف من الفشل فيما بعد، أو من التزامات إضافية لم يكونوا مستعدين لها، يدفعهم أحيانًا للتراجع أو حتى لتخريب ما أنجزوه، حفاظًا على شعورهم بالأمان الحالي رغم أنه أقل فائدة على المدى الطويل.
نفس الشيء حدث مع صديقتي، حيث كان خطيبها يرى علاقتهما ناجحة جدًا، ويثني عليها الجميع، لكنه شعر فجأة بأن حجم المسؤولية كبير جدًا وأنه يحتاج إلى استعدادات لم يكن يعمل لها أي اعتبار. لذلك اختار الانسحاب، ليس لأنه لا يقدر العلاقة، بل لأنه خاف من الأعباء المستقبلية التي شعر بأنه غير جاهز لها.