نسمع كثيرًا أن الظروف لا تصنع الإنسان، بل استجابته لها هي ما تشكّله. لكن إلى أي مدى يمكن للإنسان أن يكون سعيدًا حتى في أصعب المواقف؟ هل حقًا يمكن تحقيق السلام الداخلي رغم القسوة والتحديات؟
قرأت مؤخرًا في كتاب "المحادثات" لإبكتيتوس عن مفهوم الحرية الحقيقية، حيث يرى أن الإنسان لا يصبح حرًا إلا حين يتحكم في مشاعره واستجاباته بدلًا من محاولة التحكم في العالم الخارجي. فهو لا ينكر أن الحياة قد تكون قاسية، لكنه يرى أن رد فعلنا تجاهها هو ما يحدد مدى معاناتنا أو سعادتنا. يذكرني هذا بما نراه اليوم: شخصان يمران بنفس المصاعب، أحدهما يتحطم، والآخر يخرج أقوى! الفرق؟ طريقة تعاملهما مع الأمر. البعض قد يرى هذا طرحًا مثالياً، فمن الصعب أن تبقى هادئًا أمام الظلم أو الخسارة أو الفقد. لكن في المقابل، أليس التخلي عن التحكم في المشاعر يجعلنا أسرى للظروف؟
برأيي، السلام الداخلي ليس في الهروب من الواقع أو تجاهل الألم، بل في اختيار الاستجابة التي تحمينا من الانهيار. لكن السؤال الذي أطرحه عليكم: هل تعتقدون أن السعادة والراحة النفسية قرار بيد الإنسان مهما كانت الظروف أم أن هناك حدودًا لا يمكن تجاوزها؟
الحقيقة أن الإنسان ليس آلة يمكنه برمجة نفسه على السعادة رغم كل شيء، لكنه أيضا ليس مجرد ورقة في مهب الريح. هناك مساحة بين الحدث ورد الفعل، وهي المساحة التي يتشكل فيها وعي الإنسان بنفسه وبالعالم. إبكتيتوس كان يرى الحرية في التحكم بالمشاعر، لكن هل التحكم يعني إنكارها أم إدارتها بوعي؟ الفرق جوهري!
لا يمكننا أن ننكر أن بعض الظروف قد تكون قاسية لدرجة تجعل اختيار السعادة أشبه بمطلب تعجيزي، كالفقد العميق أو الظلم الشديد. لكن في المقابل، الاستسلام الكامل لهذه الظروف يعني أن نمنحها سلطة مطلقة على أرواحنا. ربما الحل ليس في محاولة التحكم في المشاعر وكبتها، بل في السماح لها بالوجود دون أن تسيطر علينا بالكامل.
إذن، السعادة قد لا تكون قرارا مطلقا، لكنها بالتأكيد مهارة تكتسب. والحدود؟ ربما تكون أقل صلابة مما نظن، لأن التاريخ مليء بأشخاص تجاوزوا ما بدا مستحيلا، ليس لأنهم لم يشعروا بالألم، بل لأنهم تعلموا كيف يرقصون معه دون أن يسقطهم أرضا.
لأن التاريخ مليء بأشخاص تجاوزوا ما بدا مستحيلا، ليس لأنهم لم يشعروا بالألم، بل لأنهم تعلموا كيف يرقصون معه دون أن يسقطهم أرضا.
هذا التعبير جميل جدا، يذكرني بالآية القرآنية التي جزء منها يقول: "أما الزبد فيذهب جفاءا وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" فكل هذه الهموم والآلام مثل زبد البحر ننساها بمرور الأيام حتى ولو بقيت في زاوية بعيدة من الذاكرة لا نستحضرها إلا عندما نرغب في ذلك ولكنها لا تأتي على البال وحدها بدون سابق إنذار.
أتفق معك تمامًا على أن الإنسان ليس آلة يمكنه برمجة نفسه على السعادة، ولا مجرد ورقة في مهب الريح بلا إرادة. هناك بالفعل تلك المساحة بين الحدث ورد الفعل، والتي تحدد كيف نعيش تجاربنا ونتعامل مع مشاعرنا. فكرة إبكتيتوس عن التحكم بالمشاعر ليست بالضرورة إنكارًا لها، بل قد تكون محاولة لإدارتها بوعي، حتى لا تصبح قيودًا تشدنا إلى الأسفل.
لكن في نفس الوقت، لا يمكن إنكار أن بعض الظروف قد تجعل حتى مجرد التفكير في "إدارة المشاعر" ترفًا لا يمكن للجميع الوصول إليه بسهولة. الألم والفقد قد يطيحان بأقوى الناس، ورغم أن البعض يستطيعون تجاوز ذلك والتعامل معه بوعي، هناك آخرون قد لا يمتلكون الأدوات النفسية لذلك. لذا، ربما لا يكفي أن نقول إن السعادة مهارة تكتسب، بل علينا أن ندرك أيضًا أن امتلاك هذه المهارة قد يكون أصعب على البعض من غيرهم، وفقًا للظروف التي شكلت حياتهم.
التعليقات