هل أصبحنا مدللين؟

يدخل سيارته ويدير المفتاح ليشغل المحرك ويرفع حرارته ويضع قدمه على الدواسات ويده على المقود بينما يمسك هاتفه بيده الأخرى وذهنه غائب عن كل ما سبق.

هذه هي حالة الاعتياد، حالة يدرك فيها الدماغ بأنه لم يعد في حاجة لطلب إذنك قبل الدخول في حالة الفعل، لأنك كررت نفس القرار مرارا بنفس الطريقة وبنفس التفاصيل،فحفظ دماغك النمط وبدأ يطبقه بشكل تلقائي دون أي جهد ذهني منك.

ولذلك يعتبر الاعتياد والتأقلم من اقوى وأفضل مهارات البقاء لدى الانسان، لأنك تجد الناس يعيشون في بيئات عصيبة جدا فوق الجبال وبين الثلوج وفي أقاصي الصحراء وتجدهم متعايشين مع هذه الظروف بشكل غريب بل ويعلم كل فرد منهم كيف ينجوا بنفسه وبمن حوله من تلك المصاعب وأحيانا بطرق بدائية بسيطة لا تخطر على بال.

وهذا ما يجعلنا نسأل كيف يتأقلم هؤلاء على تلك للمعيشة المستحيلة بالنسبة إلينا ولا نتمكن نحن من الاعتياد على حياة إذا ما قورنت بحياتهم لكانت ضربا من اللهو واللعب، ولكن برغم ذلك فإنا نجد فيها من الصعوبة ما يجعلنا نفقد الأمل في الحياة ونؤثر الانسحاب منها.

فهل كانت حياتنا أكثر رفاهية من اللازم أم أن التهديدات النفسية زادت بعد زوال تهديدات البقاء في البرية؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

الحياة لم تكن يومًا رفاهية، وإنما هي الاحتياجات ما تفرق بين عصر وآخر فتجعله يحتل مكانًا على مقياس البساطة والتعقيد. بالأمس كانت احتياجات الإنسان تتوقف على الأساسيات، مأكل ومشرب وملبس، بينما حاليًا وبعد الثورة الصناعية، خلقنا احتياجات وألزمنا أنفسنا بها، فصرنا نعقّد بل نخنق حياتنا بها. دائمًا ما أقول إننا خلقنا الاحتياج وركضنا وراءه، وحولنا الرغبات إلى احتياجات وبالغنا في تقديسها، وهذا ما خلق المفارقة.

وإنما هي الاحتياجات ما تفرق بين عصر وآخر.

فضلا على أن نمط الحياة الذي يعيش عليه الفرد ومستواه هو ما يحدد بالنسبة له ما هي الأساسيات وما هي الرفاهيات، وهو ما لا يجب أن يُلام عليه الشخص، فمثلا طبيعي أن من ولد في قصر ينظر للسفر عدة مرات كل عام على أنه اساسيات لانه تربى على ذلك، ومن ولد في منزل متواضع يكون السفر له مرة واحدة هو رفاهية يمكن تأمينها ويمكن لا.

لا أعتقد أن الحياة مبنية على الرفاهية، فمعادلتها بسيطة وبدون فلسفة زائدة، فالحياة هي عبارة عن تحديات وتجارب، وسعي واجتهاد ولا أعتقد أن الحياة يمكن أن تبتسم للأفراد الذين يتكاسلون عن أداء مهامهم، فالتحول من الاحتياجات الأساسية إلى الاحتياجات الأكثر تعقيدًا تعكس تطور الثقافة والاقتصاد. يمكن للتقديرات حول هذا التطور أن تتغير باختلاف القيم والأولويات الفردية ويظهر هذا التوازن المعقد بين التطور التكنولوجي والحاجات الأساسية في تحديات مستمرة تواجه المجتمعات المعاصرة.

لا أرى أن الرفاهية هنا -أياً كان تعريفها لديك- هي عامل قد يشلّ هذه الطبيعة الفطرية لدى الإنسان، أي التأقلم، والدليل على ذلك هو كيفية تأقلم بعض الأشخاص على تقلبات الحياة، مثلاً أن ترى شخصاً تحول من الغنى الفاحش (باعتباره شكل للرفاهية) إلى الفقر المدقع وتغير كل أسلوب حياته بناءً على ذلك واعتاد فيما بعد.. لذا برأيي أن الإنسان يعتاد مهما كانت الظروف.. لديه القدرة على الإعتياد، ولكن استمراره باقناع نفسه بعجزه ويأسه هو ما يقوّض هذه العملية الطبيعية فيه، الأمر يتطلب فقط إيمان بالفكرة، ولكن الإنسان -أو أغلب الناس- لديهم مقاومة مضادة للصبر في الكثير من الأحيان في هذا الزمن بالتحديد .. مثلاً يظن أنه لا يستطيع البقاء دون هاتفه، ولكن إذا ما أجبر على ذلك قد يعتاد .. لن يقتل نفسه غالباً بل سيتعايش.

ولكن الإنسان -أو أغلب الناس- لديهم مقاومة مضادة للصبر في الكثير من الأحيان في هذا الزمن بالتحديد .. مثلاً يظن أنه لا يستطيع البقاء دون هاتفه، ولكن إذا ما أجبر على ذلك قد يعتاد .. لن يقتل نفسه غالباً بل سيتعايش.

هذا كلام واقعي جداً وعايشته من فترة. كنت في أجواء ومكان لا تتوفر فيها المنبهات كالشاي و القهوة. كنت مضطر ألا أتناول أي منهما. كنت قبل تلك الظروف أظن نفسي لاأستطيع أن استغني عنهما غير أني استغنيت فعلاً! هنا أتذكر قول عمر ابن الخطاب رضي الله عنه حينما قال لأحدهم ممن كان يبتاع كثيراً: أكلما اشتهيتم اشتريتم؟!! الإنسان منا لديه القدرة على الاستغناء عن كل ما لا يلزم حقيقة غير أننا لا نكتشف تلك القدرة إلا حينما نضطر إليها اضطراراً. ولكن فيما يخص الهواتف مثلاً أرى أنني يمكنني الاستغناي عنها بكل سهولة ولكن نظراً لأن طبيعة العصر وكل الناس يحملونها وهي تشارك في إنجاز الأعمال فهي أصبحت ضرورة لا محيد عنها إن كنت أريد ألا يسبقني غيري مثلاً. يمكنني ألا أحمل أي هاتف ولكن بشرط أن يعود بنا الزمان إلى حيث لا هواتف فتتساوى الفرص بين الناس بدون هواتف.

نعم، اعتقد أن الظروف المحيطة بعملية الإستغناء نفسها والتأقلم عليه هي ما تجعل الأمر يبدو صعباً ومستحيلاً بالنسبة لنا، مثلاً هناك أمور كثيرة كوننا دخلنا في مرحلة إدمانها وأصبحت جزء من روتيننا قد يؤدي التخلي عنها إلى بعض الأعراض الإنسحابية والمزعجة وأحياناً يستسلم المرء للعودة حسب شدة الأعراض وقدرته على التحمل، مثلاً التدخين، إدمان مشروبات الكافيين وغيرها قد يعاني الشخص بعد قرار التخلي عنها وستبدو الحياة مستحيلة بدونها ولكن في هذا العالم يوجد فعلاً من أقلع وتوقف عن استهلاك هذه الأمور وعانى ولكنه في نهاية الأمر تغلب.

وأرى أن الإضطرار يكون الأمر أسهل حيث لا خيار آخر، ولكن يزيد صعوبة عندما يكون خيار العودة أسهل من من الإستمرار في الإستغناء، أي أن تحاول التخلي عن الهاتف وهو حولك وإلى جانبك، أو أن تحاول الإستغناء عن القهوة وكلما دخلت المطبخ رأيتها.

الحقيقة الموضوع يعتمد على الاعتقاد النفسي، كل بيئة ينشأ بها الإنسان تشكل داخله شيئاً معيناً، يتكيف به بقية حياته، أنا أؤمن بأن للبيئة أثر، فمثلاً من ولد وترعرع بين الجبال لن تهويه حياة المدن المرفهة والعكس صحيح. التهديدات النفسية موجودة بكل مكان ولكن كلما ابتعدت عن صخب المدينة كلما زاد هدوءك، لايوجد مسببات العصبية والمزاج السىء بكثرة، أنت والطبيعة فقط، وكما تعلم نحن والطبيعة من بعضنا البعض، أنت وهي سبب استمرار وبقاء لبعضكم البعض.

الأمر بالنهاية يعتمد على أفكارك، إن رأيت أنك الضحية فتسبقي بهذا الدور، الحياة تلعب بكل من يتقنون هذا الدور

أما إن آمنت أن الحياة رمادي، خليط الأبيض والأسود، لاحال يدوم بها، ستتعلم كيف تتعامل مع المصاعب والضغوطات وستتعلم أهم نقطة وهي عدم مقارنة نفسك غير بنفسك القديمة.

الحياة لاتهدي فرصتها لمن ينظر حوله بل لمن ينظر أمامه فقط.

كلمة السر هي الاعتياد والتأقلم. شخصيًا كنت أتعجب كيف كان السابقون يعيشون بلا كهرباء وكيف يستطيعون الاستحمام في الشتاء دون وجود القازان وكيف يطهون طعامهم دون أفران وكيف يقضون حياتهم ودون ثلاجات وغسالات!! إلى أن شاءت الأقدار وعشت كل تلك الحالات نتيجة ظرف ما والحمد لله استطعت التأقلم بسرعة ونجحت في قضاء احتياجاتي لكن تعلمت درسًا بعدها أن أحمد الله دومًا على ما نعيشه من نعم ورفاهية في حياتنا قد تعودنا عليها ولم نعد نشعر بوجودها.

لا لم نصبح مدللين وإنما كما ذكرت أنت في الأخير زالت التهديدات الخطيرة فتكاسلنا ولم نشحذ أذهاننا لأننا لمنصبح في حاجة إليها. يقولون عن الأعضاء وعن الملكات الإنسانية عموماً ( الاستخدام أو الفقد Use it or Lose it) فلأن عامل الخوف قد زال فلم نعد بحاجة إلى التوفز و التحفز وصرنا كسالى جداً لأن طبيعة العصر أرغمتنا على ذلك.

الحياة الحديثة تحمل الكثير من الرفاهية في الحاضر خاصة بالنسبة للماضي ابذي افتقرت فيه الناس لللرفاهية.وأمّ مرد ذلك فهو التقدم التكنولوجي وتطور المجتمعات. ورغم ذلك، فإن زيادة الرفاهية لا يعني بالضرورة أن الحياة أصبحت أسهل أو أكثر تلائمًا مع المستوى النفسي.

في الماضي، كان التحدي الرئيسي للبقاء يتمثل في الحصول على الغذاء والمأوى والحماية من التهديدات الطبيعية. وقد كان الإنسان في سعيه لإشباع هذه الحاجة لتعرض للكثير من المخاطر. وأما اليوم ومع تقدم المجتمعات وتوفر وسائل الراحة، صارت التحديات تحديات نفسية واجتماعية.فالناس اليوم بشعرون بضغوط عمل كبيرة كما أنّهم قد يكونا غير قدرين على التكيف مع كل تحديثات الحقبة الحالية.

من ناحية أخرى، يمكن أن تؤثر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية للأفراد. فقد يواجه هؤلاء ضغوطا اجتماعية كبيرة عند مقارنة أنفسهم بالآخرين والشعور بعدم الكفاية، وهذا يمكن أن يؤدي إلى زيادة القلق والاكتئاب.

لذلك، من الضروري أن نسعى كأفراد للبحث عن توازن في الحياة اليومية والعثور على طرق للتأقلم والتحسين النفسي.

نعم، بالتأكيد، أعتقد أن حياتنا أصبحت أكثر رفاهية من اللازم، وهذا ما يجعلنا غير قادرين على التكيف مع ضغوط الحياة الحديثة، في الماضي، كان الناس يواجهون تهديدات خارجية كثيرة، مثل الخطر من الحيوانات المفترسة والأمراض والفيضانات والجفاف. كان عليهم أن يكونوا مستعدين دائمًا للقتال من أجل البقاء، ولكن في العصر الحديث، اختفت معظم هذه التهديدات الخارجية. أصبحنا نعيش في بيئة آمنة نسبيًا، حيث لا نواجه خطرًا مباشرًا على حياتنا، في المقابل، ظهرت تهديدات نفسية جديدة، مثل القلق والتوتر والاكتئاب. هذه التهديدات ناتجة عن مجموعة من العوامل، مثل الضغط المستمر في العمل والحياة الأسرية، وزيادة المنافسة الاجتماعية، وسهولة الوصول إلى المعلومات السلبية، ولأننا لم نعد نواجه تهديدات خارجية جسدية، فقد فقدنا قدرتنا على التكيف مع ضغوط الحياة الحديثة. أصبحنا أكثر حساسية للتهديدات النفسية، وأصبحنا أكثر عرضة للإصابة بالأمراض العقلية، وهذا ما يفسر لماذا نجد صعوبة في التأقلم على حياة رفاهية، والتي قد تبدو للوهلة الأولى سهلة وبسيطة.

ليس الأمر في الرفاهية بل في الاعتياد، يعتاد الإنسان ما يعايشه، ومع الوقت تتشكل وتتبلور مشاكله حسب بيئته وظروفه.

الشخص الذي يعيش في حالة حرب، يحاول عقله إنقاذه فقط، ولكنه لا يعيش حياة طبيعية، بالتي لا يجب أن نلوم على من يعيشون الحياة الطبيعية مشاكلهم، بحجة أن هناك من يعيشون في حالة حرب، لأنه لا يوجد روابط بين الأمرين.

لكن لا أنكر أن الأمر يصل أحيانًا إلى درجة كبيرة من الرفاهية ،فهناك شكاوى لا يفهم عقلنا كيف يشتكي صاحبها منها، بل يمكن أن تكون شكوته نعمةً لنا. وهذا يؤكد لنا اختلافنا الكبير ربما علينا أن نتقبل أنفسنا كما نحن، وإن لم نفهم الآخر فلا نقلل من مشاكله، فالبعض يرغب في خبز وسرير، والبعض يرغب في أمه، وثالث في وظيفة، ورابع في سيارة جديدة، وعلى الرغم من عدم استساغتنا للمشاكل فعقلنا البشري يوهمنا أحيانًا بمدى عظمها.