لم نستمع لهم. لم نستمع لأيّ منهم. كنا ركبنا القطار بأحمالنا ذات الألوان و كان غالبا عليها اللون الأحمر. تاركين ورائنا سهولا من السنابل الصفراء الذهبيّة تحت شمس دافئة. و تحت ظلال باردة لأشجار وارفة. لم نستمع لهم، لم نستمع لأيّ منهم. لم نستمع لأحد. في محطة القطار وقفنا مجموعة واحدة و إنتظرنا بعض إنتظار ثمّ فتح أبوابه و ركبنا، لا نعرف إلى أين. لا نعرف أله وجهة. أو أله مستقرّ. و هذا كلّ ما كان. بل لم يكن غيره.
كنّا الثلاثة
كنا الثلاثة هنالك عند الدرج في تلك الليلة. إثنان جالسان منهما أنا. و الثالث كان قد أقبل الآن. قبل قدومه لم أكن منتبها لنفسي و لا للحالة التي أنا عليها و لا الوضعية التي جالس عليها و واجم بها في الفراغ. كنت أبيض البشرة جميل جدّا بوجه ليس فيه هزال، بنظرة صافية رغم أنها تنم عن الحيرة. عن حيرة عميقة جدا. كنت جميلا، كنت جميل الهيئة و يسرّ كل ناظر إلى جسدي و متأمّل فيه. كنت حقا جميلا. و كنت
إسائات سلبية
الإسائات السلبيّة التي تأتينا من الحياة تجعلنا نكوّن رأيا حول الحياة(تكوين رأي هو الإنتقام الأول تجاه إسائة خارجيّة) و أيضا تثير غيضنا. الإسائات السلبية هي إسائات باردة صامتة. كأن يحتاج الطفل إلى عناية و حنان فلا يتوفران له. فالطفل جراء ذلك يتضايق و يعاني دون أن يعلم سبب معاناته لأنّ سبب معاناته هو غياب شيئ لا يعلم حتى بإمكانيّة وجوده(عِلما صوريا متعينا أو غير متعين). فيكوّن رأيا حول الحياة و سيكون رأيه ذاك راسخا جدّا و عميقا جدّا و ليس
السرديّة
الإنسان من خلال عمليّة نفسية جبريّة يحاول أن يحدّد مكانه الزماني، أي مكانه من خيط الزمن. السرديات الدينيّة نفسها هي عبارة عن قصة يحدد من خلالها الإنسان مكانه من خط الزمن. و على أساس تلك القصّة الزمانيّة (التي لا تعدو عن كونها تخمينا مهما بلغت قوتها حتى لو كانت علميّة في صدد التغير و الزيادة كنظرية التطور أو دينيّة كسفر التكوين)، على أساس تلك القصّة و بعض المعطيات الصورية للإنسان عن نفسه و عن محيطه و لاحقا عن علاقته بمن
يوجد و يوجد
يوجد شرّ لم يخطر على بالنا و يوجد شرّ إنتصرنا عليه و يوجد شرّ نحن في صدد محاربته و نكاد نهزمه و يوجد شرّ نحن في صدد محاربته و يكاد يهزمنا و يوجد شرّ نحن خاضعون إليه إلى حين و يوجد شرّ نحن خاضعون إليه بدون أمل في هزيمته. و هذا الشرّ الأخير ليس سوى القناعات الراسخة التي أصلها طريقة تفكير لا نملك خيرا منها بعد تقع على صور داخلية أو خارجية و تكون منها تلك القناعات الراسخة المتجذرة القوية
أوتيَ بكل شيئ
أوتي بكل شيئ. كنا قعدنا، دائرة واحدة لنا نحن الرجال و دائرة صغيرة للأطفال و كانوا ثلاثة و في الخارج جروهم يخرجون إليه تارة على تارة. و كان لطفل منهم عصفور رماديّ اللون يحتفض به في قفص صغير. النسوة كن في خيمة أخرى هي الخيمة المقابلة و كانت أكبر الخيام كلّها. داخلها كن قد طهون و كن قد قضين اليوم كلّه. لقد أوتي بكلّ شيئ و وُضع لنا بين أيدينا، الشاي و الخبز و حلويات شهيّة. و كنا في الدائرة
وجهة بعيدة
كانت محطّة القطار على شاكلة تلك النوعيّة التي تُشيّد تحت الأرض. كان يوما كغيره من الأيّام. ذهبت إلى الدراسة، عُمري ستة عشرة سنة، أدرس في ثانويّة السّوق. أمّا المميز حول هذا اليوم هو كوني قد منحت لنفسي فيه بعض إمتيازات، مزيدا من الحريّة و شيئا من الإستخفاف. لقد كان يوما عاديا كغيره من الأيام و كان ذلك في أول الشتاء، و أنا من جعلته يوما مميّزا. عند الساعة الرابعة بعد الزوال غادرت المعهد لوحدي، رغم أنّ فصلنا لا يزال أمامه
الحماية
تحاولون حماية المعاقين و المشوهين و المختلفين من التنمّر و العنصريّة؟ و لكن هل أنتم قادرون أن تحموا هؤلاء المعاقين أنفسهم من أنفسهم؟ ماذا ستفعلون لمعاق ينعت نفسه بأقبح النعوت و يبكي و يتعذب جراء ذلك؟ ستزجون به في السجن؟
في التحدد
الذي يتحمس بخطاب قوة الإرادة إنما يتحدد إدراكيا. و لا علاقة لقوة الإرادة في تصوره بقوة إرادته الحقيقية. قوة الإرادة بالنسبة له لا يعدو عن كونه تحددا سلوكيا. و حتى الحماسة التي تنتابه بذلك التحدد حماسة مُفتعلة. فهي سلوك و تشكّل صوري أكثر من كونها حماسة حقيقية. أو هي لا تعدو عن كونها إستثارة للجسد من خلال عرض أمامه صورة خيالية مشرقة تثير الحماس. فهي بالتالي حماسة خياليّة. .... الكائن مُريد على أيّ حال، أما قوة إرادته من ضعفها ففي
حب العمى حب البصر
حبّ العمى هو حين يكون الإنسان في علاقة لا يبصر فيها الشريك شريكه فقط يرى فيه ما يريد أن يراه. أمّا حبّ البصر فهو حيث يرى كلّ من الشريك شريكه. و الحياة على بصيرة ليست كالحياة في عمى. إنّ الحبّ أيامنا هو حب هروب و جزع و خوف من نازلة النعت بالوِحدة. بينما الوحدة التي نفر منها كفرار قطعان الوعول البرية من بليّة مفترس إلى شفى الهاوية هي في الحقيقة خير عند صاحب البصر من هذه الدوامة من الحب المزيف.
فرض التفاهة
تُفرض على اليتيم(الإنسان الذي لا أب له) التفاهة و يحاط بها من كل جانب بحيث يصبح لا مناص له في تجنبها إلا الإنخراط فيها بل و الإستغراق فيها. لأنّ اليتيم جبان لأنه لا أب ورائه. و هكذا يصبح أمرا مستحيلا ضهور إنسان غير تافه و قديما مؤكد كونه قد وجدت شعوب بأسرها لم تعرف التفاهة لحظة واحدة. أما اليوم فألا يكون الإنسان منخرطا في التفاهة و ألا يعيش بواسطها كل لحظة في حياته فهذا شيئ يكاد يكون مستحيلا. بل إن
التعبير
من خلال سلوكه يعبّر الإنسان عمّا يؤمن به. فالذي يؤمن بالأنانية يعبّر عن أنانيّته من خلال كلامه و تصرّفاته ويكأنّه جاهل بأنّ تعبيره عنها صدق مناقض لمبادئ الأنانية. و سلوك "الإنسان الوحيدُ في العالم" في وحدته و خيالاته الشاذة و تصرفاته الشاذة ليس يفعلها لأنّه وحيد أو لأنّ الإنسان عندما يكون وحيدا يكون حرّا و الكائن الحرّ هو الكائن الذي أخيرا بإستطاعته أن يسمح لرغباته الدفينة و إرادته المقموعة أن تضهر فلا أحد يراه أو يراقبه. بل سلوك "الإنسان الوحيدُ
الكبرياء و إدراك مواطن النقص و الضعف و الشيطان و العجز الإدراكي
العادة(الإستمناء): المنطق التافه للعادة: لا وجود لشريك؟: إذن سأفعلها بنفسي. العادة منطقها عن كبرياء. و كلما زادت كبرياء الإنسان (مع وحدته) كان إتجاهه إلى العادة أكثر. و العادة منطقها تافه و بسيط و لكن الإنسان عندما يتخذ شيئا موضوعا لتحقيقه ينزع إلى عدم أخذ التفسيرات البسيطة على محمل الجدّ. منطقه بدوره يقول: لا يمكن أن يكون الموضوع بهذه البساطة. كالذكي يفسد ورقة إمتحان سهلة توجسا منه من فخّ. .... الكبرياء و إدراك مواطن النقص و الضعف و الشيطان و العجز
سلّم داخلي لقياس دنوّ و سموّ الإنسان
تُقاس طبيعة الإنسان من حيث درجتها في سلم دنوها و سموّها من خلال درجة الشرّ التي يعيش بها. فالمجنون الذي شرّه قريب أي ذلك الذي لا يستطيع أن يكبح أدنى مستوى من الشرّ لدى الإنسان ألا و هو تجاوز الحدّ تجاه إنسان لا يعرفه أي ممارسة أول شرّ يخطر على بال الإنسان تجاه الإنسان ألا و هو مضايقته من دون أي سبب و غزو مساحته الخاصة من دون أي سبب، هذا المجنون هو إنسان و ليس غير إنسان و لكنه
الحضارة الغربية
ما يميّز الحضارة الغربية أنّ الغربيّ مُهدّد من قبل نفسه بالموت في كلّ لحظة إذا هو لم يلتزم بشكل و مضهر محددين. و السبب هو كون الغربيّ يؤمن إيمانا عميقا و مُتجذرا بحقارته الأصلية و الأولية. أي يؤمن إيمانا عميقا بكونه في الأصل بلا قيمة و لا يستحقّ الإحترام و لا التقدير و كون إختفائه عن وجه الأرض خير للعالم و الحياة من بقائه فيها. و إنّ رأيه هذا ليس موجّها نحو نفسه خصيصا و إنّما هو حكم عام على