الذي يتحمس بخطاب قوة الإرادة إنما يتحدد إدراكيا. و لا علاقة لقوة الإرادة في تصوره بقوة إرادته الحقيقية.

قوة الإرادة بالنسبة له لا يعدو عن كونه تحددا سلوكيا. و حتى الحماسة التي تنتابه بذلك التحدد حماسة مُفتعلة. فهي سلوك و تشكّل صوري أكثر من كونها حماسة حقيقية. أو هي لا تعدو عن كونها إستثارة للجسد من خلال عرض أمامه صورة خيالية مشرقة تثير الحماس. فهي بالتالي حماسة خياليّة.

....

الكائن مُريد على أيّ حال، أما قوة إرادته من ضعفها ففي الأصل ليس موضوعا حقيقيا لأنه بلا أية أهمية، لأنك إن كنت تريد شيئا فلا يعود مهما بعد ذلك قوة إرادتك في طلبه من ضعفها، أي أقصد مدى تفائلك في الحصول عليه و ما أنت مُستعدّ لبذله في سبيل الحصول عليه.

....

التحدد إدراكيا يتمّ من خلال عملية نفسية عنيدة. فحتى برصدك لها لن تسطع عليها.

....

أن تكون ناقما على الإنسان الذي أنت إيّاه. أن تكون حول نفسك رأيا أو آراءا. أن تجعل للإنسان تحديدا أو تحديدات مُختلفة. أن تكون عالقا في دائرة من الإتهام و الدفاع عن النفس.

من التصور و إلغاء التصور، من تكوين رأي و نقضه، من وضع تحديد و الخروج عنه. إلى متى لعبة الكر و الفرّ هذه؟ إلى متى أكون إثنان يتصارعان و ليس حتى صراعا مشرفا بل صراعا خسيسا من القذع و النميمة و خسة لا تقل عنها خسة هي النزول إلى مستوى الإجابة عنها و الدفاع ضدّها و الكلام بما ينفيها.

أإلى هذه الدرجة أنا صاحب صوت شرير مُقنع، أإلى هذه الدرجة صوتي الشرير شديد الإقناع؟ أو أإلى هذه الدرجة أنا إبليس الأبالسة و سيد الملائكة معا!

....

التحديدات العصيّ الخروج من دائرتها هي التحديدات التي أصلها مُسلمات و معتقدات و قناعات ليس متاحا بعد نقدها.

و ما هو المحروق نقده فورا في أيامنا هذه؟: ليس سوى "الحقائق العلميّة".

إنّ في جهازنا النفسي إتخذ العلم مكانة المُقدّس. فالعلم أيامنا هذه مُقدّس. لأنك ليس بإمكانك أن تقول عنه خاطئا.

لدينا مثالان يبدوان مختلفين جدا و لا علاقة بينهما هما:

سماع رأي صلب كونه إنسان ما حولك.

سماع حقيقة عِلميّة حول الإنسان.

كلاهما لا يُمكن نقضه و لكن في نفس الوقت كلاهما يضعانك في دائرة تحديدية يُلزمانك بعدم الخروج عنها.

الرأي الصلب و الحقيقة العلمية كلاهما مُعبر عنهما بِجمل تسطيحية و بخطاب لا يخلو في منبته من نيّة سيئة. فها هي ذي النيّة السيئة الشريرة وجدت لها ما تحتمي ورائه بحيث تتمكن من النفاذ إليك و القضاء عليك. تحتمي وراء وجاهة رأي و وراء كلام لا يمكن أن تنقضه من دون أن تبدو متخلّفا و واهما و منكرا لحقيقة الأمور و حتى مجرما مذنبا تُجاه شيئ لا يمكن بالبتة أن يكون خاطئا.

أنت نفسك مقتنع بكون كلام العلم حقيقة الأشياء و كونه ليس بإمكانك إنكار ذلك.

أنت نفسك تعتمد العلم مصدرا موثوقا.

و أنت نفسك تُكون الآراء بنفس الطريقة التي كون رأي حولك. فماذا تفعل هنا. أتست

أصل أجزاءا ثابتة منك؟