أوتي بكل شيئ. كنا قعدنا، دائرة واحدة لنا نحن الرجال و دائرة صغيرة للأطفال و كانوا ثلاثة و في الخارج جروهم يخرجون إليه تارة على تارة. و كان لطفل منهم عصفور رماديّ اللون يحتفض به في قفص صغير.

النسوة كن في خيمة أخرى هي الخيمة المقابلة و كانت أكبر الخيام كلّها. داخلها كن قد طهون و كن قد قضين اليوم كلّه.

لقد أوتي بكلّ شيئ و وُضع لنا بين أيدينا، الشاي و الخبز و حلويات شهيّة.

و كنا في الدائرة قريبين جدّ متدانين إلى بعضنا بعضا. حتى ليبلغَ أحدنا أنفاس صاحبه الحيّة الدافئة برائحة بواخ الشاي قبل أن يصل إلى أذنيه الكلام الذي رام إليه أن يدنّيه إلى مُخاطبه.

في الخارج عاصفة خفيفة ستشتدّ عما قريب، قريبا جدا. و النياق قد بدأت تتململ عن جذوع النخل المربوطة إليها. إنّ الجمل ذو معرفة و هو يعرف جيّدا حاجته إلى حبل يربطه. و إن كان له لسان كلساننا ينطق كمقيل الإنسان لأسمع صاحبه مرارا جملة واحدة مفادها: إياك أن تنسى رباطي إلى جذع نخلة قريب منك فأنا أحتاج إلى ذلك حاجة لئيم القوم إلى الزجر التهديد مرة على مرة.

الرياح ستشتدّ إلى عاصفة هوجاء نادر في هذه السنين قيامها، غير أن إفزازنا إلى إتخاذ التدابير و التنظيمات ليس عاجلا.

سنستمتع بهذه الأمسية أولا، و ما أجملها من أمسية تلك التي تسبق بلحظة حدثا مهيبا لا رد له من نوع ما.

القمر شاهدة، و النجوم شاهدة و الكواكب شاهدة على سطح الأرض و ما يدور فيها و يجري عليها.

كلها شاهدة على الجرائم التي ترتكب.

كلها شاهدة على الدم الذي يسفك، دنائة و خسة تارة و علوا و إقداما و تشرفا و نخوة و شجاعة و إباءا تارة أخرى.

و هي شاهدة أيضا على ما هو أفرق للفؤاد السليم من الحمريّ الذي يسال هنا و هنالك.

الجبال الشامخات النائيات تكاد تتقيئ أحيانا من بعض ما ترى فلذلك تجدها نائية رافعة عن الأرض ذقونها إلى السماء.

الجبال تواقة إلى السماء ليس حبا في السماء و إنما نكرانا للسطح الرخيص الذي أنجبها و يحملها على ضهره، أي هذه الأرض و ليس غيرها.

مياه الجوف في الأجواف مختبئة تنتظر أيان تستدعى فتهب إلى الإنجاد و المساعدة، تنتظر أيان يُحتاج إليها فتبلّ جوف كائن قد سخن و إحترق و جفّ جوفه فتجذبه إلى الحياة الرحبة ثانية من بين براثن المنية و تستبقيه فيها ذاك الذي أبدا متشبث إليها.

إنقضت الأمسية سريعا غير أنني وا عجباه شعرت كوني قد عشت بها دهورا طويلة في لحظة واحدة كبارق خاطف من بوارق السماء العجيبة. فلهذا السبب أينعت سعيدا و خرجت من الشمل سعيدا و ودعتهم برحابة حفيّة و ناديت زوجي فوجدتها قريبة و أضحيت و إياها على الطريق في ندامة ظريفة لطيفة و لم تمسك أن تقص عليّ تفاصيل ما رأته من يومها في تلك الخيمة الرحيبة و كم كان إنتباهها بخاصة منصبّ على الأطفال.

وصلنا إلى الدار و بدأت العاصفة تلقي إلى أبناء الأرض الرحيبة آخر تحاذيرها. فكانت بغشاشها تضرب بلور النوافذ مخشخشة بإصرار.

و كنا نسمع صفيرها و عويلها أيان كنا قريبين من الدار.

كان بيتنا أبيض ناصع صغيرا. دخلناه و هذا هو كل ما كان.

أمّا اليوم ففي دار أخرى قطننا هي الدار التي ليس بعدها دار.

دار النهاية و دار القرار.

الدار التي ليس بعدها دار.

إنقضت تلك الحياة الأولى.

زرنا اللحود بل و جلست أرواحنا على لبناتها تتأمل حولها و تنظر كل ما كان من تلك الحياة.

حينها كنا قد فهمنا قبل أن تُدعى الأرواح كلها إلى النفير و الإفزاع. إلى حيث إلتقينا جميعا و كل الأجيال. إلى حيث إلتقينا بأوّلينا و بمن من بعدنا قد تلى.

ثمّ أرسلنا إلى أرض أخرى ليست كأرض الضياع. و أُكرم كلّ كائن بمنزل و قطعة أرض كبيرة و كان إسمهما معا بيت القرار الأخير و الأوّل، بيت القرار النهائيّ و الذي لم يكن قبله مسكن أو قرار.