لجزء الثالث والأخير:

مرت ثلاث ايام على الحادث وخرج عماد من المستشفى وعاد إلى بيته معصوب الرأس وعينه اليسرى كذلك لأن السقوط سبب تضرر عصب عينه ، وساقه اليمنى مكسورة ومنعه الطبيب من المدرسة عدة أيام كي يستعيد عافيته بسرعة ،ولكن الحادث كان له وقع صعب وشديد على نفسية ، فليس باستطاعته الآن الحركة ولا حتى الرؤية مثل ذي قبل ، فقد أصبح يحس بعجز كبير مما جعل الحزن يتسرب الى روحه ، ويغلف قلبه الأسى فأهمل دراسته واصبح يفضل الانعزال عن الآخرين حتى امه لم يعد يجالسها كثيرا مثل سابق الايام ، كانت رجله تتعافى لكن روحه تزداد بؤسا على بؤس ، وكان ألم وحزن والديه أكثر على حاله البائسة ، وكذالك اصدقائه قلقوا عليه كثيرا وكانوا يسألون عنه ويتمنون عودته إلى حاله الطبيعية التي عهدوه عليها . 

وصل موعد الامتحان الجهوي ولم يكن برغبة عماد اجتيازه ابدا لولا محاولات أمه وأبيه العديدة فرضخ لرغبيتهما وحضر في الموعد وهو لم يحضر له شيئا ولم يعد يبالي بالأمر، فصحيح أن صحة عماد بخير الان وساقه تعافت بشكل كامل وعصب عينيه يعود إلى وظيفته الطبيعية يوما بعد اخر لكن مازال مكسور الروح واثر الحادث مازال قائم داخله مما يؤثر على حياته كلها، ظل هكذا حتى دخول العام الباكالوريا ولم يستطع أن يفيق من غفلته ويعود إلى وعيه ويهتم بدروسه ، إنه منتصف العام الدراسي ولا يفعل شيئ سوى الانعزال في غرفته و اللعب على هاتفه ومشاهدة الافلام والنوم والعيش على ذكرى الحادثة التي لم تكن تفارق عقله ، لم يكن عماد يحب حالته بل يكرهها لكن كان هناك شيئ يمنعه من التحرر والخروج منها ولم يتسنى له ذلك إلا بعد اليوم الذي حصل وتذكر أخر شيء كان يفكر به قبل الحادثة المشؤومة ، وكيف كان يسعى للحصول على البكالوريا فأصابته هيستيريا ضحك شديدة ، ضحك حزنا على أحلامه التي قتلت قبل أن ترى النور ،وألما على ما وصل إليه من حالة مزرية ومثيرة للشفقة، وعجزا على أن يكون مثله مثل زملائه الان الذي يراهم يحضرون ويدرسون لتحقيق احلامهم

سمعت أمه ضحكه الجنوني وإستفسرته وقال انه ضيع كل شيئ من يديه ولم يتبقى سوى أشهر قليلة على الامتحان وهو لم يحضر ولم يدرس وأن هذا ليس ما كان يطمح له وقد ضاع الحلم وفات قطاره .

فابتسمت أمه وقالت بنبرة حنونة بأنه لم يفت الاوان وبامكانه تحصيل ما فاته من دروس فقط عليه أن يعمل ولا ييأس ، فإن لم يحقق الكثير حقق القليل وعليه ان يخرج من حاله البائسة ويستمتع بحياته ، فالدنيا هكذا يوم لك وايام عليك ما على المرء سوى الصبر والكفاح للوصول إلى مبتغاه . 

إجتاز عماد الامتحان الوطني ولم يحصل على النقطة التي حلم بها ولم تكن مدرسة المهندسين مصيره ، لكنه نجح في العيش وتمكن من التحرر من البؤس الذي سجنه لأيام طوال ، وكانت كلمات أمه ذلك اليوم حبلا ينتشله من بئر يأس عميقة وذكرته بصبره ومثابرته في كل أيام الدراسة الماضية ، وكانت البنزين الذي حفزه للسير مرة أخرى بخطى حثيثة نحو القمة ، وعلم أن الخير فيما اختاره الله لنا ، وتعلم ان يعيش كل لحظة في حياته بكل فرح ولا يسمح لاي شيئ ان ينغص عليه واختار الابتسامة بدل الدموع . 

وهكذا نرى الجزء الغير الامع فينا ودور الحياة في جعلنا نلمع مثل الجواهر . 

                 النهاية 

#مروة

اليكم رابط الجزء الثاني