لم نستمع لهم. لم نستمع لأيّ منهم. كنا ركبنا القطار بأحمالنا ذات الألوان و كان غالبا عليها اللون الأحمر. تاركين ورائنا سهولا من السنابل الصفراء الذهبيّة تحت شمس دافئة. و تحت ظلال باردة لأشجار وارفة. لم نستمع لهم، لم نستمع لأيّ منهم. لم نستمع لأحد. في محطة القطار وقفنا مجموعة واحدة و إنتظرنا بعض إنتظار ثمّ فتح أبوابه و ركبنا، لا نعرف إلى أين. لا نعرف أله وجهة. أو أله مستقرّ. و هذا كلّ ما كان. بل لم يكن غيره.
....
في القطار تعلّمنا أن نعيش كيف ما إتفق، كلّ في مقطورة، و كلها مرتبطة ببعضها، بجسر صغير. خارج القطار أحيانا ريح و عواصف و أحيانا أخرى ثلوج. كان عندنا ألحفة و بطانيات، و كانت فُرش كراسي القطار قد بلت عن أول يوم نزولنا فيه، كانت بالية و قاسية و كانت كأنها مجرد طبقة نسيج تغطّي تلك الكراسي و الدكات الخشبية. و كنّا نُرى، من فوق السبع الطباق كنّا نُرى و لم نغب عن رَ الإله يوما. و البطانيات و الملاحف كانت كافية. أمّا في الصيف، في الحرّ الشديد فكانت الأجواء لا تُطاق. غير أنّنا وِي تعلّمنا أن نُطيقها و أن نُصابر عليها. و كانت حرارة الشمس تتضاعف حرارتها بسبب أنّ نوافذ القطار الكبيرة من زجاج. كنا نعمد على تغطيتها بألحفة سوداء و غامقة. و كان لذلك مساوئه أيضا و كانت الحرارة على أيّ حال لا تُطاق.
و الله من فوق يرانا و يُبصرنا و الحمد لله أننا لم نسقط يوما من عين الإله. و حتى إذ نحن إذ فقدنا الأمل من أنفسنا و من كلّ ما كان و مما من الممكن أن تؤول إليه الأمور. فإنّ عين الله لم تقطع فينا الرجاء يوما. تدعونا أن نعود إلى النور فورا، إلى النور فورا و من دون إبطاء. صوت القطار ما أقبح ردف عجلاته و صريرها، على سكته. إنّه ما أقبح ذلك القطار. غير أنّه يأخذنا إلى تلك الوِجهة. أو حين أفكّر في كلّ هذه السنين المنصرمة الطويلة، أله حقّا من منتهى و قرار؟ بل ليس له من منتهى و قرار. و أستطيع من مكاني من هنا أن أتخيّل سقوطه من شفى هاوية إلى مهاوي النسيان و الظلمات.