كانت محطّة القطار على شاكلة تلك النوعيّة التي تُشيّد تحت الأرض.
كان يوما كغيره من الأيّام. ذهبت إلى الدراسة، عُمري ستة عشرة سنة، أدرس في ثانويّة السّوق. أمّا المميز حول هذا اليوم هو كوني قد منحت لنفسي فيه بعض إمتيازات، مزيدا من الحريّة و شيئا من الإستخفاف. لقد كان يوما عاديا كغيره من الأيام و كان ذلك في أول الشتاء، و أنا من جعلته يوما مميّزا.
عند الساعة الرابعة بعد الزوال غادرت المعهد لوحدي، رغم أنّ فصلنا لا يزال أمامه ساعتين أخريين من الرابعة إلى السادسة. تركتهم أمام القسم و داخله و مضيت لوحدي عائدا إلى الدار. وقفت على الشارع و رفعت إصبعي من أجل توصيلة و حصلت على واحدة مع إبن للحيّ المجاور على دراجته النارية، حتى أنه أوصلني إلى باب المنزل.
سمحت لي بذلك فقد كانت لديّ خطّة لهذه الليلة، فالليلة سأذهب إلى مكان بعيد جداً مميز جدا و سأفعل ذلك على متن قطار يمرّ بالمحطة مع منتصف الليل تماما.
عند الساعة التاسعة تملكني التوتّر و الملل، أحضرت السكين الذي شحذته جيدا منذ يومين و خبّئته بحرص في درج المطبخ، و فعلت ذلك بسرية و حرص كبيرين، وضعته تحت ثيابي و مررت بغرفة المائدة حيث كان والداي و أخواي الصغريين مجتمعِين على كعكة طبختها والدتي من أجل عيد ميلاد واحد منهم. و أذكر أيضا أنها أمي قد قامت بمناداتي غير أنّ صوتها ضاع في زخم الأفكار التي كحفل للجان ملئت كل شبر في الغرفة.
بدت الكعكة شهية، لا أشهى من كعكة عيد ميلاد تحضّر في المنزل على بساطتها و لا أشهى بخاصة من الشوكولاطة المذابة و رائحتها.
أغلقت باب الغرفة ورائي، فكرت في الصدر ثم بدت فكرة شريان المعصم أفضل، خفت و تألمت و شعور حاد كأنّ أحدهم صب كيس سكر في دمي أصابني فجأة قبل حتى أن أنفذ جرح الشريان. فكرت في رقبتي فخفت أيضا. ثمّ أخيرا تركت السكين و إرتميت على الفراش أبكي. "لا بد لي من الرحيل، لا بد لي من الرحيل هذه الليلة!"
نمت و أنا أبكي و أثناء نومي على بطني و وجهي شعرت بإختناق و شعرت كوني أحتضر، خفت و قاومت بل و أصابني رعب شديد فوجتني و قد بدأت أتلوا الشهادة مرارا و تكرارا و أرجوا الله أن يسامحني و ينجيني.
أفقت من ذلك الكابوس، خائفا متعرقا، ثم نعست و هذه المرة متّ.
عند الساعة الحادية عشر ليلا أفقت مرة أخرى و قد هدئت نفسي بعض الشيء و لكن هذه المرة أفقت روحا و شهدت جسدي نائما ملقى تحت الأفرشة. حزمت أمتعتي بسرعة و كانت أمتعة روحية.. كيف؟ إليكم كيف:
مددت يدي إلى حقيبة السفر فخرجت منها روح حقيبة سفر و كلما مددت يدي إلى قطعة ثياب بقيت القطعة في مكانها و لكن خرجت روحها منها.
حزمت أمتعتي الروحية و قفزت من النافذة العالية و سقطت على أقدامي بدون عناء و لا ألم لكأنني قطة.
جريت صوب محطة القطار و عندما وصلت كانت الساعة الحادية عشرة و النّصف.
جلست على مقعد. كنت وحيدا تماما و كانت الأجواء أجواء شتاء بارد و كانت أجواءا موحشة. إنتظرت و إنتظرت حتى تجاوزت عقرب الساعة منتصف الليل و إنتظرت مدة ساعة و اثنتين حتى غلبني النعاس و نمت. و عندما إستفقت على شعاع شمس الصباح و بعض الحركة و الضجّة كنت حائرا من أمري. هل فاتني القطار؟
عدت أدراجي إلى البيت و قفزت بوثبة واحدة إلى نافذة الغرفة، و هنالك كانت جثتي لا تزال قابعة تحت الأفرشة. جلست على كرسي المكتب أراقب الجثّة إلى نحو نصف ساعة تقريبا. ثم بعد ذلك فتح الباب. دخلت شقيقتي الصغرى، ضربتني على ضهري و هي تقول أفق أفق تأخر الوقت، ثم عندما لم أتزحزح جرت إلى والدتي فجائت و نفضت عني الفراش، هزّت جسدي، لم أقوى على مواصلة المشاهدة، قفزت من الشبّاك و إتجهت بخطوات متثاقلة إلى محطة القطار. كانت زحمة كزحمة كل المحطّات، جلست لوحدي بعيدا، شاب إقترب مني و نفض عليّ سيجارته ثم رجع إلى شلته: شاب آخر و فتاة، كانوا من طلاب الجامعة.
عند الساعة السادسة مساءا فرغت المحطّة إلا من هذا و ذاك. إقترب مني حارس المحطة أو شيئ من هذا القبيل و سألني:"ماذا تفعل هنا أيها الصغير؟" لقد كان هو أيضا روحا مثلي. تمتمت ثم أخبرته بتمتمة كوني أنتظر قطار منتصف الليل فأخبرني كونه حارس للمحطة منذ زمن طويل جدا و لم يسمع يوما بأمر هذا القطار. "لقد عملت هنا أكثر من عشرين سنة عندما كنت حيا و مت تحت عجلات قطار و أعمل هنا كروح منذ مت منذ مئة سنة تقريبا و لم أسمع يوما بخبر مثل هذا القطار." ثم أخبرني كوني أستطيع البقاء في المحطة كما يشيئ لي البقاء.
هل فاتني القطار؟ إلى أين أذهب الآن؟ إلى المنزل؟ لعلّهم يقيمون لي جنازة و يشيعون جثتي في هذه اللحظة. آآآخ! يال الحزن! يال الضياع! يال الخيبة!
عندما أفقت من النوم في بداية ذلك اليوم كما أتذكر ليس جراء شعاع الشمس و الصخب فقط. و إنما نفس حارس المحطة ذاك كان قد مد يده إلى كتفي و هزني قليلا ثم مضى، ثم لاحقا في مساء ذلك اليوم مع الساعة السادسة كان قد أقبل صوبي و أخبرني كون موضوع القطار لا وجود حقيقيّ له. حتى أنه قد إستغرب و إبتسم عندما استمع لكلامي.
اليوم أنا مقيم في منزل والداي في غرفتي تحديدا في خزانة الملابس في قطعة ثياب قديمة لي لم تغسل فهي دافئة لكونها لم تُغسل. من وراء باب الخزانة و من وراء باب الغرفة أسمع أحيانا أصواتهم و هم يتكلمون. غرفتي قد جعلت منذ ذلك اليوم مخزنا للأغراض التي لم يعودوا في حاجة لها أو لم يجدوا كيف يتخلصون منها أو لم يهن عليهم أن يتخلّصوا منها. أحيانا تدخل شقيقتي الصغيرة إلى الغرفة المكدسة فيها الأغراض خائفة وجلة بغية أخذ غرض ما. لقد شهدت نموّ شقيقاي من خلال أصواتهم. لقد شهدت زواج كليهما من خلال الأصوات فقط. و في كل حفل أو مناسبة خاصة كانت تخصص الغرفة لتخزين الحلويات و العصير و قناني المياه و نحو ذلك. لقد شهدت زفاف شقيقي و شهدت زفاف شقيقتي. لقد كانت سعيدة مشرقة و رأيت وجه زوجها و قد كان وسيما لطيفا ظريف الطّبع كملاك. ثمّ شهدت تقدّم العمر بوالداي و إثّقال جلدة وجوههما بالتجاعيد الكثيرة.
في مناسبة ما، يبدو عيد ميلاد، دخلت إلى غرفة المخزن إمرأة جميلة جدا، كانت صديقة شقيقتي. كانت جميلة جدا، لطيفة جدا، لقد وقعت في حبّها. دخلت شقيقتي الغرفة ورائها و أغلقت ورائهما الباب و جلستا في ذلك الحيّز الضيّق. تمازحتا مزاحا غريبا ثمّ ضحكتا و ذكرت شقيقتي لها ذكراي و ذكرى وفاتي. قالت:"لست أتذكر شيئا و لكن قيل لي أنني أول من إكتشف الواقعة حينها."
ذكرت لها إسمي و قالت لها قد كان لطيفا و كونها لا تزال تتذكرني و تحبني. عندما ذكرت لها إسمي إلتفتت صديقتها إلى الخزانة في إتجاهي ثمّ وضعت يدها على عنقها و هي تشعر بعدم الراحة و قالت لشقيقتي أن هيا نسرع بالخروج فغادرتا و شقيقتي على محياها شيئ من الإستغراب.
مرّت السنون و تزوج كلا شقيقاي كما سبق و ذكرت أما لاحقا أي بعد الفترة الطويلة التي قضيتها في الخزانة في ذلك الثوب لست أعلم على وجه التحديد إلى أين تم نقلي. و لكن سواء نقلت أم بقيت هناك فسيان لأنني إستغرقت في نومة عميقة.
***
بعد سنين طويلة، طويلة جدّا، دعيت بإسمي فإنتفضت إلى الخارج أجري. كانت السماء صفراء إلى حمرة و بها بعض الغيوم و كان الشارع و كل الشوارع على ما يبدو فارغة خاوية و خلا الجو من أي نسمة بل خلا من الهواء نفسه. الأشجار كلها سوداء متيبسة و البيوت كلها خاوية خربانة فسد لون جدرانها و تقشّرت. في وسط الطريق إلتقينا، أنا و شقيقاي و والداي ثم إنضمّ إلينا أجدادي الأربع، ثمّ بقية أقاربي و إمتلئ الشارع بالأقارب و ضهر فيه أشخاص لا أعرفهم و صار الجميع يعانقون بعضهم و يسلمون على بعضهم بل و حتى يتعرفون على بعضهم، و إمتلئ الشارع و كل الشوارع. هل تصدقون كوني قد تعرفت إلى جدّ جدّ جدّي؟ كان مرحا غريب أطوار قليلا و كان يلقي علي النكاة و يضحك وحده عليها و كنت أنا أنظر مشدوها مستغربا. و في لحظة ما إقترب مني طفل صغير، شدني من سروالي و قال:"بابا"، ثم لحقت به والدته و قالت له:"ليس بابا"، كانت نفسها هي صديقة شقيقتي و عرفتني شقيقتي بها و قالت:"أتشرف بمعرفتك." ثمّ جائني يجري طفل صغير آخر و قال:"بابا" فنهرته والدته هو الآخر و قالت له:"ليس بابا إنه قريبك ... يكون بالتحديد شقيق والد جدّ جدّك.
إمتلئت الأرض بالناس ثمّ علا فوق الرؤوس على ربوة رجل و قال و هو يمسك ميكروفونا:"هيا الآن، نحو هذا الإتجاه، بنظام و دون تدافع، إلى جهنم!" ثمّ أردف قائلا:"أمزح معكم أمزح معكم، إنه ما من جحيم كما يعلم الجميع إلا ذاك الجحيم الأول غير أنه لم يكن بذلك السوء أفلم نتعارف فيه و وُلدنا و وَلدنا فيه؟ كان لا بدّ منه كان المرحلة الأولى التي لا بدّ منها."
"هيا إنزل أيها المهرّج" هكذا صاح فيه صوت من الجموع و أضاف آخر:"نحن نعلم هذا أيها الغبيّ!" و تعالت الضحكات عليه و كان هو أيضا يضحك ملئ روحه و يقول و يردد:"سامحوني سامحوني لم أستطع كبح نفسي، أنا مولع بالتمثيل، التمثيل موهبة لي، لقد كنت موهوبا.."
و لم يكن هذا الرجل إلا نفسه ذاك حارس المحطّة و في نزوله لمحني و ألقى عليّ التحية بيده مبتسما.
***
بين نحن كذلك وقعت مشاهد مضحكة شديدة الظرافة. لقد دوهمنا بمجموعة من الشبان يحملون أسلحة قفزوا علينا فجأة و هم يقولون:"أيها الكفرة اليوم يوم موتكم، إرفعوا أيديكم أو كلا سنقوم بقتلكم!"
واحد من الجموع قال لهم:"هيا توقفوا عن هذا فإن كانت مزحة جيدة عند بعضنا فإنها عند آخرين غير مفهومة البتة. خذ مثلا هذا الشيخ الغريب.. يا عمي الشيخ، هل أنت غبيّ، لماذا بعثت على هيئة عجوز، هل أنت أحمق؟ يا شيخ ألست تسمع، بماذا تتمتم؟"
أجابه الشيخ:"أنا سعيد هكذا، هو أمر يخصني."
"و هل تعرف من هؤلاء؟"
"نعم أعرفهم."
"أيها الشيخ الغبي و من يكونون إذن؟"
"إنهم المجاهدون أيها الغبي"
"ليسوا مجاهدين إنهم إرهابيون."
بتمتمة و صوت خشن مبحاح و نبرة سريعة مضحكة دوما:"كلا بل مجاهدون، أنا بالكاد أسمع، و أنت أعمى."
فضحك أولئك الشبان ملئ الأشداق و ظلوا يسخرون من ذلك الرجل مدة من الزمن و هو يقول لهم:"إبتعدوا عني، المزحة لم تعد مضحكة، هيا تجاوزوها."
ثمّ ضهر من سطح بناية رجل له هيئة حاخام أو يهودي متدين و قال:"ماذا تفعلون هنا، إن هذا الشارع ملكي." لم يضحك أحد و أحدهم رماه بعلبة طماطم فارغة صدئة على رأسه. فنزل حين علم كون مزحته ليست مضحكة.
كان جوّا يملئه المرح و الحبور و اللطف و كنا وقوفا ننتظر أمرَ السماء.
كان حينا على حين يرفع أحدنا عينيه إلى السماء و كان يتم نهيه عن فعل ذلك أحيانا كأن يقول له أحدهم:"لا تفعل ذلك أيها الغبيّ، إذا إسمريت على فعل ذلك لن يحدث شيء، ستعطّل حدوثه."
***
بعد مدة تعارف فيها الجميع و تحادثنا و تمازحنا و ضحكنا. حتى بل جلست رفقة صديقة شقيقتي التي سبق و كنت واقعا في حبها مع زوجها و إبنها حول نار واحدة. و إلتقت عائلتنا بجميع أولئك الأقارب الذين كنا في مشاكل دائمة معهم و تباغض و تحاسد و مُلام. إلتقينا معهم و كانوا مشرقي المحيا مبتسمين فرحين بنا و فرحين بهم لكأنه لم يحدث أي شيئ على الإطلاق و لم تكن لنا معهم أي مشاكل أو دنائات. لقد كانت لمة، لمة حقيقية. و كانت سخرية لطيفة مضمرة في عيون كل واحد منا حول كل تلك الغبائات التي إقترفوها في بعضهم البعض. و ذلك الكره الذي اليوم لم يعد له أيّ مبرر و صار يبدو مضحكا سخيفا. هناك بل العدوّ يصبح الصديق الصدوق لعدوّه لا لشيئ إلا لإمتلاكهما شيئا يتحدثان حوله ضاحكين ساخرين من أنفسهما: أقصد تلك العداوة نفسها. و ربّ العمل الظالم بالعامل بالمظلوم و العكس بالعكس و نحوه. و الغرباء الذين كنا نحمل حولهم آراءا و لم يتسنى التعرف عليهم، كنت تلتقي بهم و كأنه لم يحدث شيئ أن تجاهلت وجودهم يوما بإبتسامات ضريفة و بلطف عظيم جدا.
....
شيئ واحد كان الكدر في الحياة الثانية ألا و هو السماء نفسها. السماء كانت غريبة شديدة الغرابة لكأنها غاضبة.
في العالم الأول كانت علاقتي بالسماء.. بل لم تكن لديّ أيّ علاقة معها. لقد كنت أتجاهلها بإستمرار. و أقول لكم الحقّ يا إخوتي و لا أتجنّى: أنا نادم ندما شديدا.
إنّ العلاقة الوحيدة التي لا تصفى في العالم الثاني هي علاقة الإنسان بالسماء أو بالإله تحديدا.
"يا الله، يا سماء، يا ربّ السماء، يا كامل القوّة الجبار أطلب منك العفو و الرّحمة ساجدا آسفا نادما متحسّرا. و الحقّ يا رب أنه لا تبرير لما فعلت، لا تبرير على الإطلاق أنا لطالما آمنت بك في أعماقي و لكن تجاهلت ذلك الإيمان. عن ماذا؟ عن طمع يا إلهي، عن طمع و ليس غير الطمع."
إنّ علاقة البشر ببعضهم تصطلح في عالم الموت بعد كل العداء. و لكن علاقة الإنسان بالسماء و ربّ السماء يجب أن تكون صالحة في الحياة نفسها و في العالم الأوّل. من أجل أن تُعطى الرحمة و السلام في العالم الثاني.
صادقا يا ربي إغفر لي و إرحمني و علّمني أن أؤمن بك و أسلّم إليك.
إنّ في عالم الحياة حياة الإنسان من دون الله حياة من الإنحطاط المستمر. و التوتر المستمرّ. الحياة من دون الله تتضخّم فيها المشاكل. في الحياة من دون الله يتمكن منك الآخرون. في الحياة من دون الله أنت نفسك تتمكن من نفسك.. لأنّ من ينظر إلى الربّ فائز أبدا منتصر أبدا. و من لا ينظر إلى الله الحياة تصبح ثقيلة عليه، و المشكلة يتضاعف وزنها مئة مرة و ألف مرّة. من لا ينظر إلى الله في العالم الأوّل يتمكن شيطانه من جعله بائسا أبدا و تتمكن منه أيضا شياطين الآخرين. إنّ الله هو عزاء الإنسان. و مصالحة السماء لا تتأجّل. لأنك إن أجلتها إلى عالم الموت ستجد السماء غاضبة منك. لأنّ مصالحة السماء أولوية و لا يجب أن تجعل في مرتبة ثانية. أوّل و أهمّ شيئ هو أن تصالح السماء و تصادقها. و من على وفاق مع السماء و صديق لها يكون وليا و لا ينهزم أبدا في الحياة.
لقد أُعيد بي إلى العالم الأوّل حين شعرت مني السماء كوني قد ندمت ندما شديدا. لقد أفقت من النوم و كنت مستلق على بطني أغمر وجهي في الوسادة بين كفاي. كانت دموع في عيناي قد جفت و أخرى جديدة لا تزال تترقرق. أشرقت شمس الربّ أخيرا جميلة بهيجة شديدة الجمال. و سابقا كنت أكره مشاهد الشروق و أفضل الغيوم و أجواء القتوم. لأنّ مشهد أشعة الصباح و صياح الديك و زقزقة العصافير مع أول شعاع كانت سابقا لطالما أثارت فيّ مشاعر الكدر و الحُزن. ففي الصيف كانت تعني بالنسبة لي أن أفز و أتجه إلى السوق مع والدي مُجبرا على مساعدته في العمل. و في بقية العام كانت تعني الفزوز إلى السجون أقصد إلى المدرسة و الإعدادية و المعهد و لم تكن إن تمعنا إلا سجونا حقيقية ذات أسماء منمقة. أمّا اليوم و قد مررت بتجربة أصبحت أشعر بعدها بكونيَ حرّا نظيف البال صار مشهد الشروق في عيني بهيجا شديد الجمال. و قبلت شقيقتي من ورائي تجري و إرتمت عليّ توقضني فنهضت من دون إبطاء. و توجهت إلى المطبخ: قطعتي من الكعكة كانت تنتظرني: بديعة الجمال، أجمل كعكة و ألذ كعكة.