12

أحيانًا يكون الهروب أصدق من المواجهة

أنا الآن في مرحلة لا تُحتمل، بين نار الهروب ونار المواجهة. وُلدتُ في الريف، في مجتمعٍ ضيق وصعب، مجتمعٍ لا يُشبهني رغم أنني أنتمي إليه شكلاً، لكنّ فكري وقلبـي كانا دومًا في مكان آخر. لم أفهم يومًا لماذا أنا مختلفة، ولماذا كل ما يفرحهم يؤذيني، وكل ما يسعدهم يجرحني. كنتُ أرى أقراني يسيرون في طريقٍ عادي، بينما كنتُ أنا أحمل في داخلي فكرًا آخر وروحًا أخرى.

أذاني هذا المكان منذ اللحظة الأولى التي خرجتُ فيها إلى الدنيا. أذَتني العائلة التي كان يفترض أن تكون سندًا، لكنها كانت وما زالت مصدرًا للخذلان. يكادون يفرحون حين نقع في المصائب، ويتهلّلون إذا أصابنا الأذى، وكأنّ سعادتهم الوحيدة أن نُهان أو ننكسر. لم أعرف يومًا كيف يبدو يومٌ عادي، بلا مشاكل ولا وجع، بل عرفتُ منذ طفولتي أنّ نصيبي هو أن أُصارع وأحارب لأتنفّس.

وحاليًا أبي يواجه مشكلة كبيرة في عمله، ولم يكتفِ الناس بالتفرّج، بل أظهروا الشماتة في عيونهم بلا خجل. حينها أدركت أنّ القلوب من حولنا أقسى من الحجر. شعرتُ أنني لم أعد أحتمل. أرهقتني المواجهة، استنزفتني المعارك اليومية مع الناس ومع نفسي. تعبت من أن أظلّ واقفة في وسط هذا المستنقع الذي يبتلعني كل يوم أكثر.

قد يظنّ البعض أنني أبالغ، أنني مراهقة لا تفهم الحياة بعد، وأنني سأندم يومًا ما على ما أقوله الآن. لكنهم لا يعرفون أنني نادمة بالفعل، نادمة لأني استسلمتُ طويلًا للبقاء في مكان يزرع داخلي كل القبح ويُخرج مني أسوأ ما فيّ.

والآن لم يتبقَّ سوى أسبوعين وأدخل الجامعة. أمنيتي أن تكون بعيدة، أن أتنفّس هواءً جديدًا لا يشبه هواء القرية الثقيلة. أعرف أن أهلي سيعترضون، لكن قلبي يتمسّك بالبعد كأنه طوق نجاة. أحيانًا أكتب هذا الكلام كل يوم ثم أمسحه، وأحيانًا أتركه يخرج كما هو، مبعثرًا ومختلطًا، لكنه صادق.

أنا لا أطلب حلولًا، ولا أبحث عن أعذار. أريد فقط أن أقول إنني أريد أن أمشي. أريد أن أبدأ حياةً جديدة، حتى لو كانت أصعب من القديمة، لكنها على الأقل لن تُوجعني بنفس الطريقة. لن تضربني كل لحظة بوجهٍ مألوف يذكّرني بكل ما تحمّلته.

لقد تعبت… تعبت من أن أشرح، تعبت من أن أواجه، وتعبت من أن أعيش محاطةً بوجوه لا تفهمني ولا تريد أن تفهم. ربما الهروب في هذه المرة ليس ضعفًا… ربما يكون الهروب هو عين الشجاعة.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

Thejasmine09 أضف ردا

وكأنكِ تتحدثين عني… عن قلبي أنا أيضًا. كل كلمة كتبتِها لامست جرحًا أعرفه جيدًا، وكأننا نتشارك ذات الوجع رغم بُعد المسافات. نعم، أوافقك الرأي تمامًا؛ أحيانًا لا يكون الهروب ضعفًا، بل خلاصًا وفسحة نجاة، كطائرٍ يفتح جناحيه ليبحث عن سماءٍ أوسع من القفص الذي وُلد فيه. ما أشد قسوة أن يعيش الإنسان بين وجوهٍ مألوفة لكنها لا تمنحه سوى الغربة! لعل الجامعة تكون بدايةً مختلفة، بابًا يفتح لكِ طريقًا جديدًا، فيه ما تستحقين من هواء نقي وقلوب صافية. إنكِ لم تتعبي وحدكِ… كثيرون من يحملون ذات الشعور، لكن الشجاعة أن نقولها بصوتٍ عالٍ: أريد أن أمشي، أريد أن أعيش.

البيئة التي تحيطنا دائما ما تفرض نفسها علينا، مهما حاولنا تجاهلها وعزل أنفسنا عنها، ستفرض نفسها علينا، وبالتالي فالهروب من تلك البيئة السامة قد يتيح لكي فرصة بداية جديدة، في بيئة أفضل، مع أشخاص يشبهونك، وعموما الجامعة أفضل فرصة لتقومي بذلك، واتمنى لكي التوفيق وأن يكون مستقبلك أفضل من الماضي

هكذا هو الريف يا عزيزتي، كل شخص يضع أنفه حيث لا يجب، ويظن أن حياته ناقصة إن لم يتدخل في شؤون غيره! الكل خبير والكل قاضي، الكل "ولي أمر المجتمع"، وكأنهم أوصياء على سلوك الناس ومشاعرهم وحتى طريقة تنفسهم. لا تستغربي الشماتة فهي عند بعضهم هواية موسمية، يمارسونها كلما شعروا بالملل من حياتهم الفارغة. نعم الريف جميل بطبيعته، لكنه للأسف ما زال يعيش في زمن "الناس قالوا"، أما أنتِ، فلا تظني أن المشكلة فيكِ، أنتِ فقط وُلدتِ بعين ترى أكثر مما يحتمله المكان.

نصيحتي لكِ أن تجعلي الجامعة بداية خط واضح بين ما كان وما سيكون. رتبي أولوياتك، وابدئي من الآن في وضع خطة خروج حقيقية مش بس نفسية بل مادية وتنظيمية كمان. ابحثي عن سكن جامعي، عن منح، عن أي فرصة تبعدك خطوة عن الجو الخانق، فالابتعاد أحيانًا مش هروب، بل إعادة تمركز لتعودي يومًا أقوى، وتعيشي كما تستحقين.

نعم هكذا هي طبيعة الريف يا بسمة وهناك مقولة منسوبة للشافعي يقول: لا تذهب إلى الريف فيضيع علمك فإن الحسد في الأرياف ميراث!

ولكن وعن تجربة - وأنا صغير - برغم كل ما ذكرت من مساوئ الريف فإن له حلاوة ومذاق خاص! حيث الطبيعة وحيث الخضرة و الماء الرائق وحيث الطعام النظيف وحيث لا عادم سيارات ولا كلاكسات ولا ضوضاء! نعم الناس قد تحشر أنوفها قليلاً أو كثيرًا ولكن ما بالنا نفكر في الناس وننسى أنفسنا؟! هم فقط يتكلمون فلندعهم يتكلمون فنحن لن نمسك ألسنة الناس واولى بنا هنا أن نضع قطنة ونتجاهل نمضى في سبيلنا نستمتع بخيرات الريف ونتغاضى عن مثالبه. بل إن عامل الأمان في الريف أكبر منه في المدينة لان الناس تعرف بعضها بعضاً على عكس المدينة التي يسكنها من الناس أخلاط من هنا ومن هناك وفيها عنصر الغش و الخديعة وحلاوة الناس التي تخفي تحتها ثعبان.

الموضوع ليس بسيط خالد الانتقاد وكلام الناس له تأثير حقيقي أحيانًا لأنه يزرع الشك أو القلق حتى لو حاولنا نتجاهله بعض الانتقادات تكون جارحة أو ظالمة وتؤثر على مزاجنا وأنا أعيش في قرية وأعرف تمامًا ما تقوله شهد كلام الناس يثقل على القلب أحيانًا ويجعلنا نشعر بالمراقبة لذلك يجب أن نحاول أن نعرف ما نستمع له وما نتأثر به رغم أن الوصول لهذا الوعي ليس سهلاً دائمًا أحيانًا يكون من الصعب التمييز بين الكلام المفيد والانتقاد الجارح لكن كل محاولة تساعدنا على التركيز في حياتنا بدل إضاعة الوقت في أحكام الآخرين

لأنه يزرع الشك أو القلق حتى لو حاولنا نتجاهله بعض الانتقادات تكون جارحة أو ظالمة وتؤثر على مزاجنا وأنا أعيش في قرية 

والله يا مي الناس تحب من لا يأبه لكلامهم ويسير كما يهوى وهو مقتنع ولكن ليس سيرًا خطأ او غير أخلاقي بالطبع. يعني مثلاً نقول ان الناس في الأرياف تتكلم على المطلقة ولكن بعضهن لا يعيرون الناس أدنى اعتبار ويعملون خارج بيتهم وعاملين ودن من طين وأخرى من عجين كما يقول المثل! الناس تحترم القوي الذي لا يعير قولهمأدنى اهتمام؛ هذه طبيعة الناس فهي تزيد وتتكلم أكثر لو وجدتنا نصغي لهم ونتأثر بكلامهم ونلزم بيوتنا. هم يحترمون من لا يحترم كلامهم ويصدر لهم قدمه في وجوههم.

أرى أن ما نكسبه من نقاء الهواء وصفاء الطبيعة في الريف، نخسره في راحة البال من فرط التطفل وكثرة الألسنة التي لا تهدأ! نعم لا عادم سيارات هناك، ولكن عادم الكلام لا ينقطع! والناس التي تعرف بعضها بعضًا أحيانًا تعرف أكثر مما ينبغي، حتى لتسمع عن نفسك ما لم تعشه بعد! فبين خُضرة الأرض وحدة الألسن، ليست المعادلة دائمًا في صالح السكينة والهدوء.

في البداية أنا آسف على ما تمرين به وأتمنى أن تصبح أمورك أفضل في الأيام المقبلة، بالنسبة للحل أنا لا اقتنع بفكرة أن البيئة تفرض نفسها ولا اقتنع بحلول الصبر والتأقلم، كل ما أعرفه أن الحياة مزعجة وثقيلة ولو لم نخفف حملها عم أنفسنا فلن يخففه أحد، لذلك أنا مع فكرة البحث عن حلول للخروج من القرية كأن تكون الدراسة الجامعية بمدينة أخرى ولك سكن وهكذا.

بالنسبة لرفض الأب والأم أنا ألوم عليهم فهم يخافون على الأبناء خصوصاً لو فتاة لم تغترب من قبل وتختبر فكرة المسؤولية والانعزال عنهم، لذا حاولي قدر الإمكان وإن شاء الله تنالي ما تريدين

يبدوا لي انك تعيشي حياتك بطريقة صحيحة، المتاعب تلاحق الناجحين، والهم رفيق أهل الهمم، اعملي على التغيير، واصنعي الفرق، التغيير مهمة المثقفين.

صبر،وعبادة تقربك من الله يجعل النجاح أكثر إشراقا وروعة.

غريبٌ كيف يستطيع النص أن يضع يده على الجرح نفسه… كأنكِ تحدّثتِ بلساني. أنا أيضًا أعيش بين طبقة تكاد لا تملك شيئًا، وضغوطٍ لا تنتهي من المجتمع، ومن الأقارب، بل ومن أقرب الناس إليّ. الجامعة التي أدرس فيها لم تُخفّف وطأة ذلك، بل جعلتني أواجه الصراع يوميًا بوجهٍ آخر. ما كتبته ليس مبالغة، بل حقيقة يعرفها كل من ذاق ثِقَل الحياة وهو ما يزال في بداياتها

رُبما انا لا اشعر بمشاعرك لكنني سأشاركك إقتباس احبه كثيرًا لعله يضيء لكِ بصيصًا من الأمل أو يرسم البسمة علي وجهكِ المُتعب.

" أجمل النجاحات تأتي بعد أشق العثرات... فهؤلاء الواقفين علي قمة الجبل لم يسقطوا من السماء هُناك "

وتذكري أن تلك الصعوبات ليست النهاية إنما هي بداية طريق جميل بإذن اللّه ويوجد الكثير من الناجحين -إن لم يكن جميعهم- لديهم ماضي مؤلم وصعب وأهم هذه السير هي سيرة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام... فولد يتيم الأب وفي عمر الخامسة توفت الأم أيضًا... وهذا غير المُعاناة من قريش وتعذيبهم للرسول والمؤمنين أثناء الدعوة... ونحن أيضًا لم نحسب كم السوء في مكة والمدينة قبل اكثر من 1400 عام فكان ظلام الجاهلية والعبيد مُنتشر آنذاك.

تجربتي بالحياة ان في كل مكان هناك مشاكل وتحديات

لا تعتقدي انك ستهربين! الا وستجدين نفسك وقتِ في نوع اخر من المشاكل

فكري، فكري في حل نفسي قبل عملي. خير الناس من حولوا مشاكلهم الى نجاحات ومحاسن.

اعتزلت الناس لان اكثر ما ياتي منهم هي المشاكل! بالطبع فرق بين الاعتزال والقطيعة.

رُبما انتِ محقة... فلا أحد منا عاش تجربتكِ... لكنني أريد أن أضيف تعليق بسيط ويُمكنك تجاهله فقط إذا أردتي ذلك.

هل تعرفين احمد أبوزيد صاحب قناة دروس اونلاين؟

انه من اكبر صُناع المحتوي العرب... ورغم شُهرته ونجاحه هو لم ينجح في المدينة... لم ينجح في السعودية أو الإمارات... لم ينجح في أميركا وأوروبا... بل نجح في قرية ريفية مصرية في طنطا داخل محافظة الغربية... وهذا موقعه الشخصي حكي فيه قصته من البداية انصحك بالاطلاع عليه إذا كان لديكِ وقت:

وكلمة أخيرة... انا أيضًا سأدخل الجامعة إن شاء اللّه يوم 20/9 :)