12

الإتاحة… نعمة أم لعنة؟

نعيش في عصر لم يعرفه البشر من قبل، عصر "الإتاحة". كل شيء صار قريبًا إلى حدٍ يثير القلق: بضغطة زر تستطيع أن تبلغ أقصى العلم أو أقصى الفتنة. يمكنك أن تقرأ أعظم كتب التراث في دقائق، وبالسهولة نفسها يمكنك أن تغرق في وحل الرذيلة.

الإشكال هنا ليس في وجود الخير أو الشر، بل في كونهما صارَا متاحَين بالقدر ذاته، بلا حواجز ولا مشقة. فما الذي يحدث للشباب إذن؟ أي طريق سيختارون حين يُعرض عليهم كل شيء؟

لقد تغيّر ميزان الفتنة تمامًا. كان النظر قديمًا يحتاج إلى مشقة، أما اليوم فتكفي إشارة باليد. كان البحث عن شهوة محرمّة يكلّف تعبًا، أما اليوم فهو مجاني، عابر، وسريع. حتى صار الامتحان أشدَّ من أن يوصف.

قال الله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ} [الكهف:7]. أليست الإتاحة اليوم صورة من هذه الزينة التي تُبهر الأبصار وتستدرج النفوس؟

إننا أمام مشهدٍ عجيب: العلم والدين والفضيلة متاحون كما لم يكونوا من قبل، لكن الفجور واللهو والفساد متاحون كذلك. أليس هذا تناقضًا مربكًا؟

النبي ﷺ قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت» [رواه البخاري]. واليوم صار الاستحياء نفسه عملة نادرة، بعدما سهّلت الإتاحة سقوط الأقنعة.

فهل هذه الإتاحة رحمة لأننا نستطيع أن نبلغ الخير بيسر؟ أم نقمة لأنها جعلت الشر يدخل بيوتنا بلا استئذان؟

وهل المسؤولية تقع على الفرد وحده ليقاوم، أم أن المجتمع كله مسؤول عن ضبط هذه الإتاحة؟

وهل يمكن أصلًا أن نسمّي ما نعيشه "حرية"، أم أنه نوع جديد من الاستعباد للشهوة؟

الإتاحة إذن ليست مجرد واقع تقني، بل سؤال وجودي يلاحقنا جميعًا: هل صرنا أضعف لأن الشر صار قريبًا؟ أم صرنا أقوى لأن الخير كذلك صار في متناول اليد؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

برأيي وللأسف صرنا أضعف واسوء، فقبل هذه الإتاحة كان الشر والخير أيضا في الواقع على مقربة منا، ولكن تصعب خطوات السير نحو الصواب وتسهل وتلين عندما نرغب في السير في الاتجاه المعاكس، وأظن هذا طبع النفس أنها امارة بالسوء وهذا عنائها الذي وضحه الله تعالى بقوله ( ولقد خلقنا الإنسان في كبد).

أما عن الإتاحة فهي فقط جعلت الأمر مغري وقريب لنا أكثر من قرب ذراع المرء لكتفه، باتت الاختيارات كلها ملموسة يمكن لنا معاينتها واختيارها بسهولة ويمكن الوقوع في الخطأ دون أن يدري حتى من يجلس جوارنا

أتفق مع كل الاصدقاء @Eslam_salah1 @Thejasmine09 @Kareem_Magdy @BasmaNabil17 في كوننا أصبحنا أضعف ولكن هل نعامل معاملة الأجيال التي كانت تسبقنا حيث كان طريق الشر صعب غير ميسور وكان هناك أعوان يعينون على الخير؟! بالطبع لا، سنكافئ على المجاهدة وأذكر ان هناك حدث للنبي عليه السلام يقول ما معناه سيأتي بعدكم - يقصد جيل الصحابة - قوم لا يجدون على الخير اعوانا من يفعل عشر ما تفعلون نجى وأنتم لو تركتم عشر ما فرض عليكم هلك....أو كما قال عليه السلام.

ما طرحته يسلط الضوء على حقيقة معقدة جدًا في عصرنا: الإتاحة ليست محايدة فهي سلاح ذو حدين نعم الخير صار قريبًا والشر كذلك لكن الفرق يكمن في إرادة الإنسان وقدرته على الاختيار

فنحن اليوم نواجه امتحانًا أعمق من أي زمن سابق لأنه ليس فقط امتحانًا للقدرة على الصبر بل امتحانًا للاستقامة وسط كل ما هو متاح وسهل الوصول إليه وبالتالي المسؤولية مشتركة: الفرد مسؤول عن ضبط نفسه والمجتمع مسؤول عن توجيه وتربية بيئة تحفظ القيم وتقلل من الانجراف نحو الفساد

برأيي أصبحنا أضعف لأن الشر أصبح أقرب وأسهل والأكثر تفضيلًا لدى الأغلب، فإن وقفت وحيدًا في وسط دائرة مكونة من 5 أشخاص كلهم يؤمنون بالسوء ويفضلون الشر والشهوة عن الخير والحلال فماذا يفعل ذلك المسكين المتمسك بعاداته الدينية وبأخلاقه الحميدة؟

أصبح الآن القابض على دينه وخصاله الحميدة والمتحكم في شهواته كالقابض على الجمر

BasmaNabil17 أضف ردا

بالنسبة لي نعم صرنا أضعف بكل تأكيد، وكل شيء أصبح أصعب، سواء في طريق النجاح أو في التمسك بالدين والقيم والمبادئ، فالمنافسة اليوم لم تعد فقط على العمل والإنجاز، بل حتى على البقاء ثابتًا وسط هذا السيل من المغريات والتشويش.

حتى تربية الأطفال أصبحت تحديًا كبيرًا، فكل شيء متاح أمامهم، بضغطة زر، بينما كثير من الآباء لا يعرفون كيف يوجهون أبناءهم، لأنهم أنفسهم تائهون في هذا الزمان السريع والمكشوف.

الإتاحة ليست حيادية، هي تضعف من لا يملك وعيًا ومرجعية، وتحمل الفرد ما يفوق طاقته إذا تُرك وحده دون سند من أسرة ومجتمع.

أولا أحييك على هذا الوعي وهذا الإدراك لعمق الظاهرة بطرفيها الجيد والسيء.

أما جوابا عن سؤالك الوجودي: أظن أننا صرنا أضعف وصرنا أقوى في نفس الوقت لنفس السبب! فبين من انغمس في الشهوات واستسلم للريح "حيث مال يميل" فكان في قمة الضعف والهوان، وبين من وفقه الله فترفع وأخذ الخير وتمكن من اجتناب الشر (وقليل ما هم).

وهذه هي الفتن، وأظنها من الفتن التي قال عنها صلى الله عليه وسلم "لا تدع بيتا من العرب إلا دخلته"، ربما هي الأنترنت!

عصر الإتاحة غير كل شيء وأصبح كل شيء قريبًا وسهل الوصول إليه سواء كان خيرًا أو شرًا وهذا يضع الشباب أمام تحد كبير لأن الخيارات متاحة بشكل غير مسبوق لكن أرى أن تأثير التربية والوعي الذاتي في مواجهة هذه الإتاحة حاسم فالأشخاص الذين تربوا على قيم واضحة ويعرفون حدود أنفسهم يكونون أكثر قدرة على استثمار الموارد المتاحة للخير بدل الانجراف وراء الفتنة أيضًا المجتمع له دور كبير في ضبط الإتاحة عبر التوجيه والتعليم والرقابة الصحية على المحتوى فلا يكون الأمر مسؤولية الفرد وحده بل مسؤولية مشتركة بين الفرد والأسرة والمؤسسات التعليمية والثقافية والدينية في رأيي عصر الإتاحة اختبار حقيقي للإنسانية لأن الخير والشر صار أقرب مما كان عليه سابقًا وهذا يضعنا أمام فرصة عظيمة لقياس قوتنا الأخلاقية وحكمة استخدام ما وُهب لنا

صحيح، لكن في الوقت نفسه الله سبحانه وتعالى وهب لكل واحد منا عقل يميّز به بين ما ينبغي فعله وما ينبغي تركه. وهنا يظهر الامتحان الحقيقي: هل نستخدم هذه النعمة في ضبط أنفسنا وطاعة الله، أم نتركها تتبع الهوى؟ فحتى مع سهولة الحياة وتعدد المغريات، يبقى ميزان العقل والتقوى هو ما يحفظ الإنسان من الانزلاق.

كلامك رائع فيه السؤال والجواب، أنه إختبار وامتحان.