سِمَان وكسالى، لعنة الاستحواذ على الصدارة

أكادُ أجزم أن أغلبنا لا ينكر أن أعظمَ الإنجازاتِ التي خلدها التاريخ لم تولد تحت ظلالٍ من الراحة، بل خرجت من رحم سؤال: "من الفائز؟"؛ من شرارة الإرادات واشتباك الطموحات. أينما وُجد ندٌّ قويّ شُحذت الهمم، واستُنفرت الطاقات الكامنة، ودُفع الإنسان إلى أقصى حدوده ليبلغ ذروة الإنجاز.

حتى ولو افترضنا وجود تعاون بين عددٍ معتبرٍ توحّد من أجل إيجاد حلٍّ لمعضلة ما، فإن هذه الوضعية لا تلغي احتمالية وجود منافسة داخلية تُجيب عن سؤال: "من وصل أولًا؟"

وإذا واجه أحدهم منافسًا، فهذا لا يعطيه الحق في توجيه الاتهامات؛ فلم يسرق أحدٌ وصفتك السرية، بل قد يكون شخصًا سلك المنهج نفسه، وربما عبر سبلٍ أفضل. فالصدارة ليست ملكية مسجَّلة باسم أحد؛ هي طريقٌ مفتوح لمن يستحق. والسخرية ليست في تقليدك، بل في أن يتم تجاوزك عبر الطريق الذي بدأته أنت أولًا.

بدون منافسة غالبًا ما يسقط معظمُنا في الفخ الذي يلي مرحلة الترف، فتكون النهاية مؤسفة. وبالنظر إلى ما دُوّن عن الحضارات القديمة منذ نشأتها ونموّها إلى انهيارها، يتشكل خطٌّ زمني يرسم في أذهاننا فكرة استحالة تفرّد أحدٍ بالسلطة والتحكم في مجرى الأحداث إلى الأبد؛ فقد سقطت كثيرٌ من الحضارات حين تغاضت عن روح الكفاح، وجنحت عن هدفها الأسمى، واكتفت بثمار الماضي بدل زرعٍ جديد. في ظلّ غياب منافسٍ واعتياد النجاح، يتحول صاحبنا تدريجيًا إلى كائنٍ خامدٍ في سباتٍ طويل داخل كهفٍ يسهل صيده.

إن الندّ في هذه الحالة ليس المعتدي الذي يتفوق بتدمير إنجاز غيره، بل هو المنافس الذي يسعى إلى الهدف ذاته. فوجود خصمٍ أو ندٍّ ليس دومًا لعنة، بل قد يكون نعمة تُعرّي أوهامنا عن ذواتنا وتُرينا حجمنا الحقيقي. ولعل ما قاله الكاتب دارين هاردي يختصر الصورة القاسية بصدق:

"من دون وجود دافعٍ للقتال يمكن أن نكون سِمَانًا وكُسالى، وأن نفقد قوتنا وهدفنا."
يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

demane أضف ردا

استشهاد موفق من الأخت ياسمين سليمان: تجربة السمك والمفترس الطبيعي.

وقد ختمت قولها بـ:

"وجود مُنافس قوي يجعلنا دائمًا نتحمس لننتج أكثر ونتسابق لإثبات جدارتنا" @Mina2712

فالشعور بالتهديد يحفز لدينا غريزة البقاء. والخمول قد يحتاج دفعة قوية، بل قد يكون هو الخيار الوحيد، كما أشار إليه صديقنا رفيق بنية بقوله:

بل لا يكون لديك خيار أصلا سوى التعامل مع الوضع ولو كان أقوى منك.. فعلا كسمكة صغيرة مع قرش.. @Rafik_bn

الإحساس بالخطر أحد العوامل التي تدفعنا إلى حالةٍ من التأهّب تُخرجنا من دائرة الخمول، وهذا قول الأخت ياسمين سليمان في ذلك:

لذلك عليه دائماً خوض بعض التحديات @Mina2712

لكن هل هذا يعني ضرورة وجود منافس لكي نتقدم ،في هاته الحالة قد يتعارض هذا التوجه مع فكرة تبادل المعارف والخبرات، عكس البيئة التعاونية التي تؤيد هذا السلوك وتخلق نوعا بيئة من الدعم الذي قد لا يكون حاضرا في بيئة أساسها من يصل أولا، بالتركيز على التفوق الذي قد يشوش على إتجاه البوصلة ، كما أكدت عليه الأخت مي عيسى بقولها:

التركيز فقط على التفوق قد يبعدنا عن الهدف الحقيقي @Mai_Easa22

وختاما،أضاف الأخ حسان علي نقطة مهمة بقوله:

منافسة بشرف ومرؤة. @Design_Writer

فاحترام قواعد اللعبة هو الذي يضعنا في بيئةٍ آمنة للمنافسة، وبوصلةٍ لا تحيد عن وجهتها.

تذكرت الآن تجربة وضع أسماك قرش صغيرة وسط مزارع الأسماك الضخمة حتى لا تُصاب الأسماك بالخمول، فوجود مفترس يجعلهم دائماً في حالة حركة وبالتالي يجعل طعم الأسماك أطيب فيما بعد، نفس الشيء ينطبق علينا نحنُ البشر فوجود مُنافس قوي يجعلنا دائمًا نتحمس لننتج أكثر ونتسابق لإثبات جدارتنا.

المنافسة الصحيّّة بلا شك دافع قوي لإخراج أقصى ما لدينا، خاصة إن كان لدينا الاهتمام والشغف الكافيين

لكني لا أود ان اكون مكان الاسماك الصغيرة بصراحة اهههه لكن مثالك يضعنا أمام نقطة مهمة بالفعل، أعتقد أنه حتى المنافسة الصحية لا تخرج كل ما لدينا كما يخرجه وضع الخطر! حينما لا بتعلق الامر بالاهتمام او الشغف، بل لا يكون لديك خيار أصلا سوى التعامل مع الوضع ولو كان أقوى منك.. فعلا كسمكة صغيرة مع قرش..

بالضبط فالخطر دافع قوي للتقدم، لأنه يضع الشخص في حالة تأهب دائم حتى يعود فيما بعد إلى منطقة الراحة التي إعتادها، لذلك عليه دائماً خوض بعض التحديات حتى لا يُصاب بالكسل او الخمول.

المنافسة تحفزنا لكنها ليست كل شيء. أرى التعاون ومشاركة الأفكار بيننا يعطي نتائج أفضل. عندما نتعلم من بعضنا ونتبادل الخبرات ننجز أكثر وأسرع من مجرد محاولة التفوق على الغير. التركيز فقط على التفوق قد يبعدنا عن الهدف الحقيقي لأن كثير من الإنجازات جاءت من حب الاكتشاف أو الرغبة في حل مشكلة مهمة وليس فقط لإثبات من الأفضل. أيضًا البيئة المحيطة بنا مهمة لأن وجود أشخاص يشجعوننا ويلهموننا يساعدنا على تحقيق الكثير.

demane أضف ردا

أشرنا في الطرح إلى المنافسة الودية التي تحركنا إلى الأمام، وحتى لو عمدنا إلى إلغائها عبر ترسيخ فكر التعاون فسنجد من يتبنى قول: "من سيقدّم أفضل؟" أو "هناك من يقوم بالأمر بدلًا عني".

لنضرب مثالًا ، وهذا مجاز بالفعل:

تجربة على فريقين: الأول يتحدد مستواه بالنتيجة، والآخر عبر الأداء الفردي.

مبدئيًا قد نتوقع حدوث تعاون بين أفراد الفريق الأول، بافتراض أن الوصول إلى النتيجة المرجوّة يحتاج إلى التعاون لتخفيف عبء الفريق.

أما بالنسبة للفريق الثاني فنتنبأ بأن الضغط المتولّد بسبب التنافس سيعمل على تحفيز أفراده من أجل تقديم أفضل ما لديهم.

لكن الواقع يجيب بطريقة مختلفة؛ فإذا طبّقنا المبدأين بحذافيرهما سنلاحظ، بعد مدة، غياب روح المبادرة وتفاوت الجهد المبذول نتيجة غياب التقدير الفردي، ويمكننا ملاحظة ذلك في الدوائر الحكومية، خاصة غير الربحية.

أما بالنسبة للفريق الثاني فقد يؤدي التنافس المستمر إلى هدم روح العمل الجماعي، بل قد تصل بدل بناء قصرك إلى هدم بيوت الآخرين.

بعيد كل البعد عما أشار إليه@Design_Writer بقوله:

منافسة بشرف ومرؤة

لذا وجب الاستعانة بالدراسات واستخدام البيانات للتوصل إلى معادلة نحافظ من خلالها على روح العمل الجماعي ونشجع روح المنافسة الودية.

أما من الناحية الشخصية، فمعرفة قيمتك الذاتية لا تستلزم استحداث منافس، ولا تتطلب بالضرورة الانتماء إلى مجموعة ما رغم رغبتك. يلزم فقط أن تحدد أهدافك وكيفية تحقيقها مع الأخذ بعين الاعتبار إمكاناتك وظروفك المحيطة، والبقية تأتي تباعًا.

أن التنافس المقصود هو التنافس القائم على التعاون لا التناحر، بمعنى فرد مع فرد أو فريق مع فريق مع روابط أخلاقية أو بديل قانوني.

والسخرية ليست في تقليدك، بل في أن يتم تجاوزك عبر الطريق الذي بدأته أنت أولًا.
فقد سقطت كثيرٌ من الحضارات حين تغاضت عن روح الكفاح
فوجود خصمٍ أو ندٍّ ليس دومًا لعنة، بل قد يكون نعمة تُعرّي أوهامنا عن ذواتنا وتُرينا حجمنا الحقيقي.

بمعنى منافسة بشرف ومرؤة.