أكادُ أجزم أن أغلبنا لا ينكر أن أعظمَ الإنجازاتِ التي خلدها التاريخ لم تولد تحت ظلالٍ من الراحة، بل خرجت من رحم سؤال: "من الفائز؟"؛ من شرارة الإرادات واشتباك الطموحات. أينما وُجد ندٌّ قويّ شُحذت الهمم، واستُنفرت الطاقات الكامنة، ودُفع الإنسان إلى أقصى حدوده ليبلغ ذروة الإنجاز.
حتى ولو افترضنا وجود تعاون بين عددٍ معتبرٍ توحّد من أجل إيجاد حلٍّ لمعضلة ما، فإن هذه الوضعية لا تلغي احتمالية وجود منافسة داخلية تُجيب عن سؤال: "من وصل أولًا؟"
وإذا واجه أحدهم منافسًا، فهذا لا يعطيه الحق في توجيه الاتهامات؛ فلم يسرق أحدٌ وصفتك السرية، بل قد يكون شخصًا سلك المنهج نفسه، وربما عبر سبلٍ أفضل. فالصدارة ليست ملكية مسجَّلة باسم أحد؛ هي طريقٌ مفتوح لمن يستحق. والسخرية ليست في تقليدك، بل في أن يتم تجاوزك عبر الطريق الذي بدأته أنت أولًا.
بدون منافسة غالبًا ما يسقط معظمُنا في الفخ الذي يلي مرحلة الترف، فتكون النهاية مؤسفة. وبالنظر إلى ما دُوّن عن الحضارات القديمة منذ نشأتها ونموّها إلى انهيارها، يتشكل خطٌّ زمني يرسم في أذهاننا فكرة استحالة تفرّد أحدٍ بالسلطة والتحكم في مجرى الأحداث إلى الأبد؛ فقد سقطت كثيرٌ من الحضارات حين تغاضت عن روح الكفاح، وجنحت عن هدفها الأسمى، واكتفت بثمار الماضي بدل زرعٍ جديد. في ظلّ غياب منافسٍ واعتياد النجاح، يتحول صاحبنا تدريجيًا إلى كائنٍ خامدٍ في سباتٍ طويل داخل كهفٍ يسهل صيده.
إن الندّ في هذه الحالة ليس المعتدي الذي يتفوق بتدمير إنجاز غيره، بل هو المنافس الذي يسعى إلى الهدف ذاته. فوجود خصمٍ أو ندٍّ ليس دومًا لعنة، بل قد يكون نعمة تُعرّي أوهامنا عن ذواتنا وتُرينا حجمنا الحقيقي. ولعل ما قاله الكاتب دارين هاردي يختصر الصورة القاسية بصدق:
"من دون وجود دافعٍ للقتال يمكن أن نكون سِمَانًا وكُسالى، وأن نفقد قوتنا وهدفنا."