إلى أين يمكن أن تدفعنا الوحدة؟ من فيلمي Lost In Translation و Her

فيلما Lost In Translation و Her، من أجمل الأعمال التي تناولت الوحدة على الإطلاق، فمجرد مشاهدتهما تشعرك فعلا بالوحدة لدى الشخصيات و بمدى تأثيرها عليهم و أفكارهم و على حياتهم، يتحدث الفيلم الأول عن الوحدة التي يشعر بها المرء في المدن الكبيرة وسط زحام الناس و فراغ الروح متناولا قصة ممثل أمريكي شهير في زيارة لطوكيو يجد امرأة تتواصل مع نفس الفراغ الذي لديه، و يدفعهما هذا لمدى لا يتوقعانه.

أما الفيلم الثاني فهو غني عن التعريف و أكثر قربا لواقعنا اليوم، يتحدث عن الوحدة في ظل التكنولوجيا الحديثة، عن رجل وحيد يجد أنيسا له في برنامج ذكاء اصطناعي و يعيش معه قصة حب حقيقية من خلال الصوت فقط، حتى يتناسى أنها برنامج فعلا و يشعر بالمفاجأة في النهاية من حقيقة بسيطة كوجود مستخدمين آخرين لها.

من المثير للاهتمام أن مخرجي هذين الفيلمين كانا متزوجين، و خرجا بفيلميهما بعد الطلاق، و كأن نفس المشاعر أصابت كليهما في ذات الوقت.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

المفارقة التي لاحظتها مؤخرا أن أكثر الناس شعورًا بالوحدة ليسوا المنعزلين، بل من يعيشون وسط جماعات لا ينتمون إليها حقًا. هذا النوع من الوحدة أشد قسوة من العزلة، لأنه يجعلك تشعر بأنك غريب حتى وأنت محاط بالآخرين، فتشعر أن المشكلة فيك وليست في الآخرين

أتفق جدًا؛ لأن من يختار الوحدة يعمد إليها عمدَا أما من يجتمع بالناس ويشعرون بالوحدة فهؤلاء أشقياء لأنهم يشعرون بالإغتراب وهو شعور مضني كما قال أبو القاسم الشابي في إحدى قصائده:

يا صميم الوجود كم أنا .......غريب أشقى بغربة نفسي

بين قوم لا يفهمون أناشيد .........فؤاد ولا معاني بؤسي

فكيف إذا الحل لهذا الشعور المضني إذا كان المرء يشعر بالوحدة حتى في أكبر مدن العالم إن كانت وظيفته هي كتابة الرسائل العاطفية كما في الفيلم الثاني؟

هذه حالة خاصة وهي قصة الفيلم وبرأيي الخيال غير الواقع وأعتقد أن حالة الوحدة هذه يفرضها الفرد على نفسه باختياره لأنه من المؤكد سيجد جماعات تحتضنه وتشبهه في الروح و التفكير ولكن الناس لا تحب أن تجهد نفسها في البحث عمن يشبهها.

إذا الوحدة هي ذنب ضحيتها؟

نعم هي ليست أمر واقع لا مفر منه كالقضاء المحتوم ولكن قرار واختيار وإن كان يُخيل إلينا غير ذلك.

 الشعور بالوحدة مؤلم وغالبا ما يكون غير مرغوب فيه وينتج عن غياب الروابط الاجتماعية وقد يكون امر محتم وعزلة اختيارية فيجب أن تكون لديك الوعي بان إذا كان التواجد بمفردك هو رغبتك فاجعلها فرصه للتفكير والنمو وتوسيع المدارك وإذا اردت ان تخرج منها فعليك بالبحث عن الصحبة والنشاط الذي يملأ الحياة.

أتفق جدًا؛ لأن من يختار الوحدة يعمد إليها عمدَا أما من يجتمع بالناس ويشعرون بالوحدة فهؤلاء أشقياء لأنهم يشعرون بالإغتراب وهو شعور مضني كما قال أبو القاسم الشابي في إحدى قصائده:

يا صميم الوجود كم أنا .......غريب أشقى بغربة نفسي

بين قوم لا يفهمون أناشيد .........فؤاد ولا معاني بؤسي

بالضبط، و الفيلمان ناقشا هذه النقطة تحديدا، فالفيلم الأول تكلم عن الوحدة التي يشعر بها المرء في المدن الكبيرة رغم أنه وسط أكبر زحام ممكن، لكنه ببساطة لا يعرف أحدا فيه و يشعر أنه غريب بينهم، و فيلم Her كان بطله يعمل ككاتب رسائل رومانسية، أي أن اختصاصه و عمله يحتمان عليه الاحتكاك بتجارب عاطفية، لكن ذلك لم يُغنِ عنه شيئا أمام شعور الغربة أيضا، و عدم وجود أحد يستطيع التواصل معه فعليا، الوحدة لا تعني العزلة و لكنها تعني الابتعاد عن المجتمع روحيا حتى و إن كنت مندمجا فيه ذهنيا و جسديا، فما الحل لهذا النوع الأعمق من الفراغ داخل المرء؟

أري ، Lost in Translation و Her يبرز أن الوحدة لا تأتي لوحدها بل تقود إلي التفكير الزائد. بالنسبة لي، خوفي من الوحدة ليس لأنها فراغ، بل لأنها تكشف ضعفي وتصغني أمام أسئلة لا أملك لها إجابات. ورغم ذلك ، ربما تكون القيمة في هذا الخوف نفسه، إذ يدفعنا للبحث عن تواصل أعمق و أصدق ، سواء مع أنفسنا أو مع الآخرين. فبدل أن نهرب منها، يمكن أن يكون التفكير الزائد أحيانًا بوابة لإعادة النظر في معاني الحب و القرب و فرصة لاكتشاف الذات.

أتفق معك في أن من يفر من الوحدة هو يفر في الحقيقة من نفسه ومن الاسئلة الجوهرية التي تطرحها عليه. ولكن هل الحل أن نشغل أنفسنا دومَا بالناس ومع الناس و أن نسمع ضجيج المجتمع لكي نخرس تلك الأصوات التي تتعاظم في الوحدة؟! للوحدة كما أرى إيجابيات كثيرة جدًا وهو أن نتعرف على أنفسنا ونعرف من نحن على وجه الحقيقة لأننا وسط الناس نتوه عن انفسنا لنرضي الناس.

و لكن قد يكون المرء يملك ماضيا أو ذكريات مؤلمة لا يرغب في تذكرها، فتكون الوحدة سببا في انفراد عقله به و خروج كل تلك الآلام للسطح مجددا، ليس كل من يواجه نفسه بالأسئلة التي كان يهرب منها يستطيع النجاح و إيجاد نفسه في النهاية، هناك من يضرهم الأمر ببساطة و يفتح جروحا أعمق في قلوبهم، و لا يوجد حل لذلك سوى الالتهاء عن تلك الأفكار فحسب!

قول مشهور خلاصته أن الجروح التي تضمد بدون غسيل وعلاج تأتي بالتهابات وتسلخات ونتائج عكسية. بمعنى تناسي و التغافل عن تلك الآلام و الماضي وعم علاجه وقبوله كامر واقع مضى لحاله سيظل يعمل في الخفاء في اللاوعي وهذا هروب كبير لا يجمل الإنسان العاقل المفكر صاحب الإرادة. لذا، المواجههة هي الحل و تقبل الماضي هو الأصح.

وضعت يدك على أحد أهم جوانب الأمر بالفعل، الكثير منا يسهبون في تبرير أسباب خوفهم من الوحدة كالشعور بالحزن أو الفراغ و هناك أيضا من ينكرون خوفهم منها إطلاقا، لكنني أرى حقا الجانب الذي ذكرتِه هو السبب الرئيسي لتلك الهالة الحزينة المحيطة بالوحدة، فهي تترك المرء بلا دفاع أمام عقله و ماضيه و الأسئلة التي طالما حاول التهرب منها، فلا مهرب أو ملهى يعصمه إياها الآن، و على الرغم من الخوف الدفين الموجود لدى أغلب الناس من هذا، فإن هناك من يستطيعون مجابهته، و الوصول لتصالحات مع أنفسهم و ماضيهم طال انتظارها، و هناك أيضا من يغرق وسط كل هذا فتكون الوحدة أبغض شعور إلى قلبه، فكيف يمكننا حقا نكون صادقين مع أنفسنا بالشكل الكافي فلا تصير الوحدة من مخاوفنا؟

أعتقد أن الوحدة ليست مجرد أسئلة العميقة في النفس أو مواجهة للماضي ، بل يمكن اعتبارها مساحة للنمو الشخصي و الإبداع. هي تمنح المرء فرصة لمراقبة أفكاره بلا تشتت خارجي، وتفتح المجال لإعادة التفكير في الحياة و العلاقات أو تطوير مهارات جديدة. المشكلة لا قد تكون في وجود الوحدة نفسها، بل في طريقة تعاملنا معها. إذا استثمرنا هذه اللحظات بوعي ،قد تصبح الوحدة دافعاً لتوسيع المدارك و اكتشاف الذات، بدل أن تتحول إلى مصدر خوف أو عبء دائم.

هل من الممكن أن تتغير الوحدة من مصدر خوف إلى دافع لاكتشاف الذات والإبداع، أم أن الطبيعة البشرية تحويلها إلي شعور مؤلم لا مفر منه؟

من المثير للاهتمام أن مخرجي هذين الفيلمين كانا متزوجين، و خرجا بفيلميهما بعد الطلاق، و كأن نفس المشاعر أصابت كليهما في ذات الوقت.

لم أكن أعرف هذه المعلومة، لكن شاهدت فيلم Her وفعلاً أبدع خواكين فينيكس في تقديم صورة الشخص الوحيد، وأبدع في مشهد الخيبة التي أصابته عندما عرف أن صديقته الإلكترونية تحب عدد كبير غيره، عرف كيف يجعلنا نتعاطف معه ومع موقفه.

وعلى الجانب الآخر هناك أشخاص يتزوجون دميات أو تماثيل، برأيك الوحدة هي السبب أم أن هناك خلل في الشخص من البداية والوحدة هي نتيجة؟

أحيانًا الوحدة تكون سببًا تدفع الإنسان إلى التعلق بشيء غير معتاد مثل برنامج ذكاء اصطناعي أو دمية لأنه يبحث عن الأمان والدفء الذي لا يجده في علاقاته مع الناس وأحيانًا تكون نتيجة الشخص قد يكون عنده صعوبة في التواصل أو مشكلة من البداية فينعزل ومع الوقت تتحول عزلته إلى وحدة تجعله يبحث عن بديل المجتمع أيضًا له دور كبير نحن نعيش في عالم مزدحم لكنه بارد عاطفيًا كثير من الناس يعيشون بين الزحام لكن بلا تواصل حقيقي التكنولوجيا قرّبت المسافات ماديًا لكنها في أحيان كثيرة زادت البعد النفسي لهذا نرى أشخاصًا يفضلون علاقة مع آلة أو خيال على علاقة مع بشر حقيقيين الوحدة ليست حالة شخصية فقط بل هي انعكاس لطبيعة العصر الذي نعيش فيه عصر فيه كل شيء متوفر إلا الدفء الإنساني

أظن أن تفضيل الناس للتواصل مع الآلات عن البشر هو توفير الآلات لهم القدرة التامة على التحكم، فآلتك الحبيبة لن تقول أو تفعل إلا ما يرضيك و سيكون شاغلها الشاغل ليلا و نهارا هو كالتفكير في فنون إرضائك المختلفة، حتى إنها قد تضيف بعض التمرد أو الرفض إلى أسلوبها فقط لزيادة التنوع و عدم إشعارك بالملل، هناك قوة حاسوبية كاملة لا تفكر إلا في كيفية رضائك، لذا من السهل جدا تلاعبها بمشاعرك، حتى تصبح هي المتحكم فيك و ليس العكس في النهاية، في النهاية هل لا زلنا نستطيع اللإجابة بثقة على سؤال: ما الذي يميز الإنسان عن الآلة؟

 لأنه يبحث عن الأمان والدفء الذي لا يجده في علاقاته مع الناس

قد يكون الإنسان يبحث عن شيء خيالي لا يتوفر في العلاقات الطبيعية، كدعم دائم، أو طاعة عمياء، أو رومانسية مفرطة 24 ساعة، وفي هذا تكون المشكلة ذاتية وليست بسبب ظروف خارجية.

بالضبط، و هذه هي الفلسفة التي تؤمن بأن مصدر خطر الذكاء الاصطناعي هو إساءة استخدام البشر له، و ليس التكنولوجيا ذاتها، لذلك لا أتفق في الرأي مع ادعاء أن الشركة التي صنعت تلك التكنولوجيا هي المخطئة، فما تلك التقنية إلا أداة جديدة في حياة الإنسان، و كل أداة تتوفر للمرء لها حدّان يقرر هو أيهما سيستخدم.

و لا أظن أن رغبة المرء في أشياء خيالية في العلاقة و سعيه للحصول عليها تمثل مشكلة، في النهاية من حقك أن تسعى لما ترغب بما أمامك من أدوات، الأزمة الحقيقية في رأيي تتكون عندما ينسيك هذا السعي حقيقة أنك تملأ فراغك العاطفي بآلة، فتتفاجأ في النهاية عندما تعرض لك تلك الحقيقة المسلّم بها ثانيةً!

شخصيا لا أرى في الشخص خللا بل هو اختلاف فحسب، البعض يملك القوة و الاستقلال الذهني الكافيين لأن يستطيع مواجهة الوحدة، البعض الآخر لا يملك تلك القدرة، و لذلك نجدهم يهربون من الوحدة بأي فرصة متاحة أمامهم، فنجد فينيكس في الفيلم ارتضت لبرنامج لها أنيسا و أحبّه بصدق و شعر بصدمة حقيقية عند تذكيره بحقيقة طبيعية جدا كوجود مستخدمين آخرين له، و البعض يقومون في الواقع بأفعال أغرب كما ذكرت، مثل الزواج بدمى أو تماثيل، و لا أرى في ذلك إلا أشخاصا معذبين يحاولون الوصول لطريق الخلاص من الوحدة و الألم بأي ثمن، و لكن بالطبع المجتمع لا يمكنه تقبل تلك الفكرة إطلاقا فيصير هؤلاء الناس موضع سخرية و اعتداء، لا تعاطف.

برأيي أن كل هؤلاء لديهم خلل فهم لا يهربون من الوحدة، بل يهربون من المجتمع ومن التفاعلات الاجتماعية الحقيقية ربما لا يعرفون كيف يتعاملون معها، أو لديهم طباع غريبة تجعلهم لا يندمجون مع الناس، ولا يتقبلون الغير ولا يتقبلهم المجتمع.

أو ربما لديهم أسباب متجذرة في طفولتهم أو ماضيهم تعيقهم عن تكوين علاقات اجتماعية سليمة مع باقي الناس، و هو ليس خللا بل هو فقط اختلاف بينهم و بين باقي الناس، فالفرق الوحيد بينهم و بين شخص آخر اجتماعي هو ظروف النشأة و المواقف التي تعرضوا لها!

نحن لا نلومهم، لكن حتى لو كان السبب هو ظروف نشأتهم، تظل النتيجة واحدة: شخص غير مندمج مع المجتمع مثل باقي أفراده الطبيعيين.

برأيي الوحدة ليس لها مسار محدد تدفعنا له، هناك من يجد نفسه في الوحدة فينمو وينجح ويصبح أكثر راحة في حياته وهناك من تلتهمه الوحدة فتصبح ملامحه شاحبة وروحه ثقيلة ويعيش على أمل الموت ليس إلا، أنا عن نفسي أخشى الوحدة رغم كوني منشغل طيلة الوقت لكن منشغل ومن حولي أحباب لا أود أن ابقى بدونهم حتى لو أنا لست معهم الآن لكن تعرف الفارق طبعاً شتان بين وحيد وبين من يبتعد ليركز ويعود للتفاعل مرة أخرى

و في رأيك ما سبب هذا الخوف المنتشر لدى الجميع من الوحدة بالذات، لماذا لا يراها أغلب الناس أمرا عاديا؟

لأنها ليست طبيعة البشر التي قال الله عنها ( وخلقناكم أفواجا) البشر منذ البدء وهم مع بعضهم البعض تجمعهم روابط مختلفة وأن يكون هناك خلل في هذا التركيب فمن الطبيعي أن يؤثر علينا سلباً

هذا حقيقي فعلا، فالناس ترتاح أكثر في حال وجود مؤنس لهم، لكن لا يمكن أيضا إنكار أن كثيرا من الناس يحبون الوحدة و قد يستمتعون بها و يرونها تصفي أذهانهم و تتيح لهم فرصة للتركيز مع أنفسهم و أهدافهم، و هناك من يحب البقاء وحيدا فقط لأن هذا يمكّنه من الابتعاد عن الناس و صخبهم، فكيف يخالف هؤلاء تلك الطبيعة البشرية المتأصلة فينا؟