فيلم "The Wolf of Wallstreet":"لا يوجد نبل في الفقر"

مع أن هذا النوع من الأفلام ليس المفضل لدي، إلا أنني شاهدته كون الممثل ليوناردو دي كابريو هو البطل، ولم يخب ظني. يتناول الفيلم قصة نجاح رجل أعمال سابق يدعى "جوردن بلفورت"، وهو في الأصل مستوحى من مذكراته. انتقل جوردن من كونه رجل فقير إلى ملياردير، حتى عاد وسقط سقوطا مدويا بعد أن انخرطت شركته في قضية احتيال كبيرة عرضته للمحاكمة والسجن بتهم فساد وغسيل أموال. 

ترد على لسان بلفورت مقولات عدة حول أهمية المال في الحياة ويتضح بسهولة كم أنه شخصية مادية، لأنه يعرف ما معنى أن يكون الشخص فقيرا، فيقول في أحد المشاهد " لا يوجد نبل في الفقر، فقد جربت الاثنين، وسأختار أن أكون غنيا دائما"، ويقول في مشهد آخر:"أريدك أن تحل جميع مشاكلك بالثراء". فحبكة الفيلم تعكس كمية الرفاهية والراحة التي توفرها الأموال، حتى يفقد بلفورت كل ثروته في نهاية المطاف بسبب الطريق الذي سلكه حبا في زيادة ثروته وتوسيع مشاريعه، فالإنسان فعلا لا يكتفي. فلذلك لابد أن يعيد المشاهد النظر في قناعته حول المال والثروة، وقد يسأل نفسه، هل المال نعمة أم نقمة؟

فنحن دائما ما اعتدنا، ولو بشكل غير واعي، على ربط الثراء بالفساد والانحلال الأخلاقي، وربط الفقر بالبساطة والصدق، فنسمع عبارات مثل "اللهم أعطنا خبزنا كفاف يومنا" أو "الفقير عوضه في الآخرة بينما الغني متعته على الأرض". وقد يكون للمال جانب سلبي لا يمكن نكرانه، فعندما تصبح غنيا، قد يعميك الجشع بالمزيد وتتاح أمامك خيارات لا أخلاقية أكبر وأكثر إغراء. فما الذي يتيح أمامنا ملذات الحياة التي تغرقنا أكثر من المال؟ بينما الفقير، فهو مشغول بفقره وتأمين أبسط حقوقه الحياتية، ويجد في الإيمان عزاء يقويه على معاناته، فيقنع نفسه بالصبر على الدنيا لأن الآخرة هي عوضه، ويعزي نفسه بأن المال ليس كل شيئ.

والمال فعلا ليس كل شيئ، ولكنه يؤثر في كل ما هو مهم. فهو يقرر نمط حياتنا، قدرتنا على العناية بنفسنا وبمن نحب، وحتى يساهم بشكل كبير في تحديد مستوانا التعليمي والثقافي، كما يفتح لنا أبواب كثيرة في الحياة ويتيح لنا الفرصة والوقت لنكتشف أمور لا يتسنى للشخص الفقير اكتشافها. والمال كأي شيئ آخر في الحياة، له الوجه السلبي والوجه الإيجابي، فما ذنب المال إن استعمله البعض بشكل خاطئ؟ أفلا يوجد كثر كرسوا ثروتهم لخدمة المجتمع واستفاد منهم مئات من الناس؟ فالمال فقط يتيح مغريات لا يضعف أمامها إلا من هو فاسد في الأعماق، وعباراة "المال ليس مهما" هي مجرد كذبة نكذبها لنعزي أنفسنا. 

فهل الثراء والمال فعلا يفسدان الإنسان؟ وهل عبارة "المال لا يهم" مجرد كذبة اختلقها الفقراء؟ وهل برأيكم قناعاتنا السلبية عن المال هي سبب يعرقل تحقيقنا للثراء أو الوفرة المادية؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أجد دائمًا أن قناعات الإنسان هي التي تفسده يا نورا. في ضوء هذا الأمر، لا أرى أي داعٍ لفكرة تناول المال كنوع من أنواع الفساد الأخلاقي. إنه أداة، مثله كمثل أي طريقٍ أو سبيلٍ نحو العيش، بيد أنه يمثّل القيمة الأكبر في الحياة. لذلك فإن إنكارنا لأهميته لا يشير إلى أي شيء سوى خداع النفس، في سياق نظام إنساني تورّطنا فيه جميعًا، يحكمه المال ولا شيء غيره.

أشار كارل ماركس إلى هذا المنطلق فيما يخص الاقتصاد العالمي، وعرّف الاقتصاد بأنه السياق المتحكّم في الإنسان في المقام الأول، وبالتالي لا يمكنني التعامل معه كفرع هامشي، أو التعامل مع فكرة المال كفكرة كمصطلح مهمّش في سبيل أفكار أخرى. لأن النظرة الواقعية تمثّل العكس.

أمّا بالنسبة للمنظور الخارجي، فأنا أجد المال سببًا، مثله كمثل أي سبب آخر، يمكن من خلاله تحقيق هذا أو ذاك، تدمير هذا أو ذاك.. إلخ. ولا تمثّل فكرة إلقاء اللوم على مفهوم الثروة فيما يخص شرور العالم إلّا تهرّبًا غير واضح من الحقيقة نفسها، أن الإنسان هو أصل هذه الأفعال، لا أدواته، فالقاتل هو الرجل، لا السكّين.

وهل تظن أن سلطة المال باتت أقوى في ظل النظام الحالي الذي نعيش فيه الآن؟ أم المال كان دائما الأهم منذ الأزل؟ ففي بعض الأحيان أعتقد أن عبارة المال ليس مهما كانت أكثر منطقية في الماضي قبل أن تصبح كماليات الحياة مثلها مثل الأساسيات. ففي الماضي، كانت الحياة بسيطة وأقل تكلفة وكان الإنسان أقل استهلاكا من ما هو اليوم. أي هل يمكن أن نعتبر أن أهمية المال في ازدياد؟

فهل الثراء والمال فعلا يفسدان الإنسان؟ 

بحكم عملي بالمحاماة لسنوات أستطيع القول وضميري مرتاح تماماً أن الفقر هو المفسدة وليس المال، الفقر يجعل المرء يسرق في البداية؛ من أجل قوت يومه و بعد ذلك من اجل رفاهيته، الفقر يجعل الانسان شاعر بالقهر والضغط وسهل التأثير عليه للقيام بأي جريمة غالبية الإرهابيين فقراء، غالبية اللصوص فقراء، مدمني المخدرات، العصابات، العملاء..... لولا الفقر لما زادت هذه الجرائم وبالتالي مفسدة الغنى تكون أقل وطأة.

كلما زادت الرفاهية وقلت الضغوطات النفسية يكون الانسان سوي واختياراته سوية

الفقر يجعل الإنسان يسرق لسداد حاجياته، ولكن الغني الذي أعماه حي المال والطبع يسرق مبالغ أكبر بكثير أو يصبح مستعدا لجني المال حتى وإن تسبب بالضرر للناس، فلذلك نجد السياسيين الذين يسرقون وأصحاب الشركات الكبيرة الذين يبيعون منتجات مضرة. فأليس من الأصح القول أن الشخص السوي أخلاقيا هو الذي تكون اختياراته سوية بغض النظر عن وضعه المالي؟

ك نجد السياسيين الذين يسرقون وأصحاب الشركات الكبيرة الذين يبيعون منتجات مضرة. فأليس من الأصح القول أن الشخص السوي أخلاقيا 

صحيح أن السوي اخلاقيًا من يبتعد عن الفساد ، ولكن هؤلاء السياسيين وأصحاب الشركات عدد لا يذكر منهم الذي كان غنيًا طوال عمره وفسد أما البقية فهم محدثو نعم وينهلون من الحرام حتى لا يعودون لمشنقة الفقر، لديهم ذكريات وخيمة تدفعهم للفساد مقابل النجاة من الفقر.

وبالتالي يمكن أن نقول أن الفقر يساهم بالفساد مثله مثل المال، فمن يتذوق الفقر، سيفعل المستحيل كي لا يعود إليه إن لم يكن يتمتع بضابط أخلاقي.

أرى أن الثراء والمال ليسوا العاملان المحركين للفساد في الذات الانسانية، وإنما النفس الجشعة والأنانية هي من تفعل ذلك، وحتمية القول أن المال يفسد، هو إستنتاح نسبي، لكن هل المال يصنع السعادة؟ الإجابة كذلك نسبية بين نعم و لا، كما يفسد المال، قادر على أن يسعد الأشخاص، فالمال سمة دائمة في حياتنا اليومية. إنه يمنح حياتنا إيقاعًا خاصًا ، و سحرًا خاصًا ، وتصورًا خاصًا للعالم ومكاننا فيه.

كتب الفلاسفة ورجال الدولة والكتّاب وحتى الشعراء عن المال. تم الثناء عليه ولعنه. أكان خيرا أم شرا، المال قادر على استدعاء مجموعة كاملة من المشاعر. إذا كان بإمكان المرء أن يجمع كل ما كُتب عن المال في أوقات مختلفة ومن قبل دول مختلفة ، فسيكون لديه لوحة عملاقة متعددة الألوان من الأفكار والمشاعر البشرية ، والتي ستتناوب عليها النغمات الساطعة والداكنة.

إذن بإمكاننا القول بأن المال ليس بالإيجابي أو السلبي، أو أنه خليط من الاثنين، ويعتمد ظهور كل جانب منه على الشخص. أما من حيث السعادة، فأنا أجد أن المال لا يسعدنا، ولكنه نقص المال يسبب الكآبة نظرا للقلق والتوتر والصعوبات الحياتية التي تنشأ عنه. فنحن لا نسعد بالثراء، ولكن نحص على راحة بال للتلفت إلى ما يسعد حقا. فإن ذهب رجلان إلى مكان طبيعي رائع، أحدهما مكتفي ماليا وغير قلق، والثاني رأسه مشغول بمشاكله المالية، سنجد بكل تأكيد أن الأول استمتع بجمال الطبيعة أكثر بكثير، بينما الثاني اعتبر المشوار عاديا ولم يلتفت إلى الكثير من جماليات المشهد.

فهل الثراء والمال فعلا يفسدان الإنسان؟ وهل عبارة "المال لا يهم" مجرد كذبة اختلقها الفقراء؟ 

الأخلاق الحسنة والفاسدة ليس لها علاقة بالمال نهائيا، فكم من سيئ الأخلاق كان غنيا وكم من غني حسن الأخلاق، المخادع مخادع والسارق سارق مهما كان مستواه المعيشي غني أو فقير.

الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام نهانا عل الفقر وفي الغالب الفقر يكون هو بؤرة مختلف الكوارث المجتمعية والأخلاق السيئة ليس لشي فقط لأن الفقير يكون في حاجة والمجتمع أو المحيط يستغل هذه الحاجة ليخرج أسوأ ما في الشخص والشخص يكون سهل قيادته.

الثراء أو الاستقلال المادي يحقق استقلال نفسي ومادي وتكون لديك الحرية في الاختيارات المختلفة.

أشرت إلى نقطة مهمة جدا، وهي علاقة المال بالحرية الفكرية، وكونه سببا في التبعية، ولا يمكن أن ننكر أن الفقير قد يضطر إلى تبني أفكار أو القيام بأفعال لا تروق له إن كان سيحصل على مقابل مادي، فلو كان مستقل ماديا، لكان تبنى قناعات أخرى. فعلى سبيل المثال، تشيع في بعض الدول العربية مسألة شراء الأصوات في الانتخابات والتأثير على قرار البعض من خلال المساعدات المالية وتقديم الخدمات. ولكن من جهة أخرى، أنا أجد أن موضوع الحرية الفكرية والاستقلال النفسي يعتمد على الشخص، فيوجد أيضا أغنياء ومستقلين ماديا هم أكثر من يمتلكون عقلية التبعية للجهات التي توفر المال لهم، فالغني والفقير على حد سواء يسعى للمال، والطمع للحصول على المزيد هو دافع مثله مثل الفقر للتبعية.

ولا يمكن أن ننسى من جهة أخرى أن البعض سيتبع القطيع وما تربى عليه بغض النظر عن استقلاله المادي، فلذلك من الأصح أن نقول أن الرضا والاكتفاء هو الذي يجعل الشخص حر في اختياره، فيوجد أغنياء غير راضيين ويوجد فقراء راضيين، ما رأيك؟

الحرية الفكرية

الحرية الفكرية حقيقة لا علاقة لها بالمال لكن المال يلعب دور كبير فيها، الحرية النفسية للشخص هي ما تساهم في جعله حر فكريا، حتى الرضا والاكتفاء لا يمكنهما جعل الشخص حر في تفكيره، أفضل طريق لحرية الاختيار هي الحرية النفسية والتي تنبنى هذه الحرية من الصغر وتكتسب من التربية التي تربى عليها الفرد.

فهل الثراء والمال فعلا يفسدان الإنسان

أقيمت دراسة جامعية على هذا الأمر كانت نتيجتها بحث طويل وخلاصة قصيرة عبر حلقة في مؤتمر ted العالمي، واستخلصوا من هذا التعب الأكاديمي كلّه بأنّ الإنسان يجب أن يكون غنياً لا ثرياً والفرق واضح طبعاً ولكن على ذلك سأشرحه أكثر، الغني هو القادر على الاستغناء أو من لديه الكفاية من الأمور ليستغني وأحياناً الكفاية القناعة والمبادئ، لذلك يُمكننا أن نجد فقيراً غنياً، لكن ليس ثريّاً، فالثراء من المال الكثير، من الثروات، وهذا الثريّ يحتاج الكثير من المال للحفاظ على هذا الأمر.

هل حددوا خطوطاً للسعادة؟

نعم، 50 ألف دولار في السنة هو خطّ الغنى العالمي، الذي يجعلك مُستغني عن كل شيء آخر، أكثر من 50% من الكرة الأرضية صارت رواتبهم قريبة من ذلك، ما عدا بعض البلدان العربية والأفريقية وهذا لأمور كثيرة.

يدّعي العلماء أنّ كُل من يتخطّى هذا الحد يدخل في الثراء، وصار أكثر من غني، وأنّ هذا الغنى، انعدامه تعاسه وتحقيقه سعادة.

إذن مفاد هذه الدراسة هي أن "المال الأكثر من اللازم" هو الذي يفسد والمال على قدر الحاجة هو الذي يسعد. ونحن بذلك، نشهد أن كمية المال هي التي تتحكم بالحياة، ونكون نسينا أن لإنسان القرار الأكبر بذلك. فكما قلت، أغلبية الناس حول العالم هم ضمن الراتب الذي يحقق الاكتفاء، ولكن هل هم سعداء؟ وهل الأثرياء تعساء؟ لذلك كل هذه الفرضيات غير دقيقة أو لا تمت إلى الصحة بصلة، فأصلا، لا يمكن تحديد معدل دخل سنوي يحقق الاكتفاء لجميع الناس، فمن يحقق 50 ألف دولار في بعض البلدان يعتبر أكثر من ثري.

لا أستطيع تقبّل الامر على الطريقة التي ترين الحياة بها، لا بُد برأيي أن تكون للموارد الخارجية تدخّلاً مباشراً على حالة البشر وسعادتهم لإنّها المقياس الأساسي لمدى راحتهم وللراحة مؤشّر مهم على مستوى سعادة الإنسان، لا أعتقد أنّنا قد نجد فقيراً سعيداً بذات سعادة ميسوري الحال، لا بُدّ وأنّ الفقر يسبب لهُ معاناة في طرف من أطراف حياته، هذا الشقاء هو الذي يتحكّم بالحياة، لا المال، إنّما المال ياتي فقط ليرخي تلك القبضة أو يزيلها أحياناً بحسب كم تدفع.

الفقر والغنى وصفين غير كافين لتحديد سعادة الشخص، فأولا لدينا تعامل الشخص مع كمية المال المتوفرة لديه وهذا يؤثر كثيرا في مدى رضاه، فهل هو فقير مقتنع بالحياة البسيطة أم تراوده أحلام عيش الحياة الفاخرة؟ ومن جهة أخرى، ما هي الظروف الحياتية، هل هو فقير لديه مشاكل صحية أم لا؟ فما هي الظروف التي لا علاقة لها بالمال والتي تحيط بالشخص؟ ضف على ذلك مكان السكن، فالفقير الذي يعيش محاطا بطيقة فقيرة ليس مثل الفقير المحاط بالأغنياء، والغني الذي يشعر براحة بال سواء لإيمان معين أو غيره ليس مثل الغني الذي يشعر بفراغ معين في حياته. فلذلك نعم يمكن أن نجد شخصا بسيطا بسعادة تفوق أثرى الأثرياء، وهذه نجده عند كثير من الكهنة أو الشخصيات الروحية في بلاد الشرق الأقصى التي تترك نمط حياة فاخر كي تجد سعادة حقيقية.

وهذه نجده عند كثير من الكهنة أو الشخصيات الروحية في بلاد الشرق الأقصى التي تترك نمط حياة فاخر كي تجد سعادة حقيقية.

كُل شخص مضطر لأن يستعرض بضاعته ومن خلالها يقول للعالم أنا سعيد، نُراقب يومياً مثلاً ألاف الشبّان الضائعة التي لا تعرف نهائياً لماذا هي على الأرض لا على المستوى المادي ولا الروحاني ومع ذلك يستعرضون بضاعاتهم على انستغرام مثلاً ونراهم كأنّهم سعداء فعلاً، يخدعون أنفسهم أحياناً بهذا الاستعراض، فما بالنا بأشخاص مهمّتهم التبشير الروحي والكلام الروحاني، في كلامي هذا لا أحاول أن أختلف معك، لكني لا أرى أنني أتفق مع طروحاتك بالمساهمة على ذلك.

أحترم وجهة نظرك المختلفة، ولا أدعي بأن كل من يقول بأنه زاهد ولا تعنيه الحياة المادية هو فعلا سعيد، ولكن يوجد فئة غير قليلة منهم هم فعلا سعداء، ولكننا نميل إلى عدم تصديقهم لأننا نجد حياتهم خالية من كل الأشياء المتعارف عليها ليكون الشخص سعيدا. وهنا يجب أن نتذكر أن مفهوم السعادة يختلف اختلافا كبيرا بين الشخص والآخر، ولا يمكن أبدا معرفة من هو سعيد بحق ومن يمثل، فلذلك شكل حياتنا الخارجية وما نملكه من المال ليس معيارا كافيا للحكم على كمية السعادة التي ننعم بها.

حسناً الأمر يحتاج لتحليل جيلين مختلفين تماماً جيل الثمانينات وماقبله والجيل الحالى .

أما جيل الثمانينات وما قبله فقد كان الأمر بسيطاً بالنسبة للفقراء فعلاً حياة بدون ضغوط ،  فلقمة عيش تكفى وتجد منهم الشريف والذي يرضي بقسمة الله  ،  حينها لم تكن الحياة مادية بحتة وكان الفقير غير مجبراً أن يرفع رأسه ليزاحم بها الغنى والذى لا يشترط أن يكون فاسداً فهذه معتقدات فقط .

وعن جيلنا الحالى فإن الفقير أصبحت الضغوط عليه كثيرة مطلوب منه أن يركب جوداً سريعاً ليسابق الناس والزمان ليحقق مادية سريعة بدون جهد ليصبح غنياً بضغطة زر كما يقولون وفى سبيل ذلك يفعل أى شئ  وهذا مفسدة له , والغنى صار أمامه متع منقطعة النظير وهذه مفسدة لأنها تسلب إنسانيته وشعوره بالغير ولكن إن حافظ على إتزانه وانسانيته فما الضرر أن يكون غنياً .

ولكن في هذا الزمان ومع ذكر النقطتين المتطرفتين الفقر والغنى ،  أفضل الوسطية للحفاظ على الشخصية السوية للإنسان .

من المنطقي إذا اعتبار تأثير المال يختلف باختلاف الزمن، ولكن بقولنا أن الوسطية في الوضع المادي تحافظ على سوية الإنسان، نحن نقول بطريقة غير مباشرة أن المال يفسد. فقد ذكرت أن الشخص يجب أن يحاقظ على اتزانه عندما يصل إلى الغنى، وهذا دليل آخر على أن للمال القدرة على الإفساد. ولكن أليس الفقر أيضا مفسد؟ فكما أن المال يتيح متع، الفقر يجعل السرقة مبررة، فأليس الأصل أن نتطرق إلى قابلية الإنسان للفساد؟

ليس المال هو الذي يفسد الإنسان بقدر ما يفسد الإنسان استعمال المال، إذا لم يكن محصنا أخلاقيا ويجعله وسيلة لاستجلاب وتكوين ثروة ضخمة على حساب جيش عرمرم من الفقراء، يفتح شهيته للثراء الهائل والجشع القاتل دونما مراعاة الضمير الإنساني. .أما عن مقولة "المال لايهم " فهي بالفعل كذبة، لكن لم يختلقها الفقراء، وإنما الأثرياء هم من أوجدوها وبثوها في المعدمين، لكيلا يتطلعون إلى معيشتهم وألا يحاولون منافستهم، والأهم ألا يتساءلون من أنى لهم بهذه الأموال وكيف تكدست في أيدي هذه قلة القليلة. المال مهم ومهم جدا في الحياة، به نحيى حياة كريمة مستقرة طامحين لتجويد معيشتنا وتعايشنا. إذ كيف نطلب من فقير معدم ينوء تحت وطأة الجوع والحرمان والجهل أن يتخلق. حقيقة لا يوجد نبل في الفقر، لأنه ينزع عن الفرد كرامته وإنسانيته ويدفعه لارتكاب أي فعل منافيا للأخلاق أبسطه التسول ناهيك عن الاختلاس والتدليس والتزوير والزور وكثير موبيقات اخرى.....وقد قال عنه عمر بن الخطاب (ض) "كاد الفقر ان يكون كفرا".

ولا أعمم هنا فليس كل الفقراء منحرفين ولا كل الأثرياء فاسدين ومن كلا الفريقين يوجد نزهاء فضلاء.

أتذكر اقتباس من فيلم لليوناردو دي كابريو يقول فيه بما معناه:"أنت تقولين بأن المال غير مهم لأنك تملكينه"، فألا يمكن أن نقول أن هذا قول من اختلاق من امتلك المال واكتشف أنه ليس مرادفا للسعادة كما كان يظن عندما كان فقيرا؟ فالفقير يرى المال أمرا ضخما، بينما الغني غير الجشع لا يراه بتلك الأهمية لأنه امتلكه بالفعل. ففي هذا الصدد، فهل يمكن أن نعتبر أن الحصول على المال هو طريقة للزهد فيه وعدم التمسك بالمادة؟

 هل المال نعمة أم نقمة؟

المال نعمة ونقمة في نفس الوقت، ما يحدد ذلك هو طبيعة استخدام الإنسان له، هل يستخدم المال في أمور محرمة وأعمال غير شرعية وكان المال وسيلة لفساد الأخلاق وضياع المبادئ والقيم ؟ أم هل المال لم يؤثر أخلاقيًا في الشخص وكان وسيلة لأن يكون أفضل في كل شيء ؟

فهل الثراء والمال فعلا يفسدان الإنسان؟ وهل عبارة "المال لا يهم" مجرد كذبة اختلقها الفقراء؟ وهل برأيكم قناعاتنا السلبية عن المال هي سبب يعرقل تحقيقنا للثراء أو الوفرة المادية؟

شهوة المال نفسها هي شهوة فاسدة، وإن كنت أرى أن السعى للمال يكون تجنبًا للفقر ولحل المشاكل التي ستكون مرتبطة بالماديات وليس من أجل أن أكون أغنى شخص في العالم أو ليكون المال وسيلة للوصول إلى المحرمات وتيسيرها، والمال لا يهم هي كذبة يجب أن نكف الحديث عنها ونشرها بين الناس، المال يحل الكثير من المشاكل، المال يسدد الديون، المال يمنح الشخص تعليمًا أفضل وبيئة أرقى ووسيلة لفعل الكثير من الخيرات والطاعات. في نفس الوقت تعوذ النبي - صلى الله عليه وسلم - من الفقر ، وقرن بينه وبين الكفر، لأن الفقر إذا انتشر ... زاد معدل الجرائم وشاع الشر بين الناس ، والقناعات السلبية تجعل الناس يظنون أن الفقر هو الزهد، بل إن الزهد ومفهومه الصحيح بعيد كل البعد عن الفقر وعواقبه .

من منظور آخر ، أرى أن الشعار يجب أن يكون " الفقر شر " بدلًا من " المال لا يهم " !

ذكرني تعليقك بمقولة "لو كان الفقر رجلا لقتلته" للإمام علي، فالبغض الذي أظهره شخص بهذه الحمة للفقر كافي لنستدل على أهمية المال. ولكن كيف يمكن أن نقول أن المال مهم ولكن اشتهاؤه هو شهوة فاسدة؟ وكيف يمكن أن نسعى رواء شيئ دون أن نشتهيه؟ أو ربما هنا علينا تعريف المقصود بالشهوة، فالشهوة بالمال كرغبة هو أمر طبيعي، لأن الرغبة هي التي ستحركنا لامتلاكه بغض النظر عما إن كنا نريده رغبة بتأمين احتياجات أو للحصول على ملذات ضارة. شهوة المال تصبح فاسدة عندما تصل إلى درجة الطمع وربط قيمتنا كبشر به أو حتى الشعور بالحسد تجاه من يملكه.

أما بخصوص الشعار، فلا أجد أنه من الصائب نشر شعار الفقر شر، فيوجد كثر يعيشون في فقر ولا يستطيعون الخروج منه، وربما أن الله قدر لهم تلك التجربة لتعلم درس معين، وبالتالي يجب أن يتقبلوا ذلك الحال ولا يشعروا أنهم يعيشون في "شر".

شهوة المال المختصة والمعتنية بالرغبة في زيادته دون داع هي الفساد بعينه ، الشعار المقصد منه بالتوعية بضرورة وقوف المجتمع ككتلة واحدة من أجل الخروج من قوقعة الفقر والتخلص منه، فيسعى الشباب إلى العمل الشريف ونتعلم في المدارس الطرق الصحيحة للتعامل مع المال وكيف ننفق بذكاء من أجل زيادة الوعي والحكمة في مجتمعاتنا.

وكيف نحدد الحد الكافي للمال، أي الحد الذي لا يجب من بعده السعي لزيادة المال وإلا تكون الشهوة هنا فاسدة؟ مثلا يمكن أن يكون شخص ما غني جدا، ولكنه يسعى لكسب المزيد من المال لفتح مشاريع خيرية وهكذا، فلذلك أليس الحكم على شهوة السعي وراء زيادة المال مرتبط بالنية لا بكمية المال المتوفر أصلا؟

لا أعتقد أن هنالك حدًا كافيًا من المال يجعل السعي بعده لا أهمية له، لأن متطلبات الحياة تتغير كذلك تحدث تغييرات كثيرة في حياتنا الاقتصادية. لكن الأمر كله يعتمد على النية، حتى أنني أرى العديد من الأغنياء حول العالم من لا يجدون سعادتهم في كسب المزيد من المال بل في المشاريع الخيرية والحد من معاناة الأخرين .

على الصعيد الآخر نجد الكثير من الأثرياء الذين يتمتعون بخلق حسن ويستخدمون أموالهم في خدمة أوطناهم والفقراء وكل من هو حاجة للعون. كصاحب شركة العربي بمصر على سبيل المثال. وغيره الكثيرين.

المال ما هو إلى وسيلة كالسيارة، والسلاح، كالنار، وأي شيء آخر يمكن استخدامه كسلاح فساد، أو كأدة لنشر الخير بين الناس، أما البشر فهم ما يفعلون ما تمليه عليهم ضمائرهم باستخدامه فقط، فيجلعون منها أداة خير أو أداة حرب

لا يا نور، الفقر هو الشر نفسه، عندما لايسطيع الفرد أن يؤمن قوت يومه ولا قوت أسرته، ولايقدر على شراء أدوية لأمراض مزمنة تنخر جسده أو جسد أحدا من عياله. فماذا يفعل؟ وكيف يتصرف؟ وكيف يدبر أمره؟ أيلجأ إلى التسول؟ أم إلى السرقة باعتراض سبيل المارة شاهرا سيفه عليهم؟ أم إلى الاتجار في الممنوعات؟ أم ماذا؟؟؟

أما أن نقول للفقراء إرضوا على أوضاعكم وعيشوا حياتكم كما قدر لكم. وكفى الله المؤمنين شر القتال. فهذا غير معقول، لأن الله لا يريد بنا السوء بل العكس هو الصحيح. انه كرم بني الإنسان وميزه عن جميع المخلوقات بالعقل ليستعمله ويحارب من أجل تحسين أوضاعه ويسعى دائما للأفضل .

وإلا سنكون كمن يتهرب من الإشارة الصريحة إلى الأسباب الحقيقية وراء وضعيته ولانريد إلقاء المسؤولية على أصحابها .

فالفقير مسؤول عن وضعيته بنسبة معينة، وعليه أن يكد ويجتهد ليحي كريما ولا يبقى متواكلا، لأن السماء لا تمطر فضة ولا ذهبا. كما قال الفاروق عمر بن الخطاب (ض) وكذلك الثري مسؤول عن حال الفقراء، لذلك أقر الله الزكاة حتى لا تتكدس الأموال في أيادي القلة من الناس. وحض على التضامن والتكافل.ما يعني ضرورة التوزيع العادل للثروات.

لا أنكر صعوبة الموضوع، ولكن أجد أن كلمة شر غير مناسبة لوصف ذلك الحال، بل قد نستعمل عبارات مثل المشقة. وعندما نقول لشخص إرضى بوضعك، نحن لا نعني أنه لا يجب أن يسعى لتغييره، ولكن لأنه يجب الرضى بأي ما يقابلنا كونه قدر من الله، فيوجد من يسعى لتغيير حال وهو شاعر بالرضى، ويوجد من يمتلأ قلبه بالسخط على الحياة ويرى أن الله فضل غيره عليه.

مسؤولية الشخص عن فقره تختلف من شخص إلى آخر، فيوجد أشخاص يمتلكون الكثيرين من القدرات ولكنهم لا يستغلونها لجني المال بسبب الكسل وقلة العزيمة، وهؤلاء الأشخاص بنظري أفضل أن لا يستفيدوا من الصدقة، بينما يوجد أشخاص لا يملكون أي ذنب في وضعهم المادي مثل العجائز الذين يتخلى عنهم أبناؤهم أو من يعاني من أوضاع صحية معينة.