عندما كنا أطفالًا وفي سن المراهقة .. كنت أرى والدي رحمه الله لا يشاهد المسلسلات ولا البرامج .. وكان يفضل أن يجلس وحده في هدوء. كنت أستغرب كثيرًا .. وأظن أن الأمر نوع من العزلة أو الملل .. فكيف يمكن لشخص أن يترك كل هذا الترفيه ويختار الصمت؟

لكن عندما كبرت قليلًا بدأت أفهم.

في الحياة أشياء مدهشة حقًا .. أعمق بكثير من أي مشهد يُعرض على شاشة. لا أذكر متى كانت آخر مرة تابعت فيها مسلسلًا أو برنامجًا كاملًا .. فقد أصبحت أفضل التنزه حول حديقة .. أو الجلوس مع أفكاري .. على البقاء ساعات أمام شاشة لا تضيف شيئًا حقيقيًا إلى الداخل.

لاحظت أن التأمل يمنحك الكثير لتشاركه مع الآخرين .. بينما الإفراط في متابعة المسلسلات يجعلك ممتلئًا بالقصص الفارغة .. لكنك من الداخل خاوي. تستهلك مشاعر جاهزة بدل أن تعيش مشاعرك أنت.

ربما لهذا لم أعد أستغرب والدي.

لا أنسى لحظة فراقه لهذه الدنيا. رغم أنه قضى أيامه الأخيرة غير قادر على الجلوس دون مساعدة .. إلا أنه في لحظته الأخيرة جلس وحده .. ونظر إلى الفراغ بنظرة طمأنينة غريبة .. وكان يردد بحفاوة:

"يا مرحبا… يا مرحبا".

حينها فقط أدركت أن الإنسان قد يرى ما لا نراه .. وأن هناك لحظات تتجاوز الزمان والمكان.

طوبى لمن ملأ حياته بالإيمان .. ولم يحصر نظره فيما يُعرض أمامه .. بل فيما ينتظره وراء الأفق.