احتار في الغالب عندما أرى عطف بعض البشر على الحيوانات ثم أبحث عن عطفهم على الإنسان فلا أجده.
شاهدت مؤخراً منشورات سيدة مجتمع راقية، تعطف على مجموعة من الحيوانات الضالة، وتضع لهم يومياً Dry Food عبارة عن حبوب تنثرها لهم على الأرض، كما تضع لهم الحليب وقطع الخبز داخل أطباق ويبعثرها صغار الحيوانات أثناء أكلهم هنا وهناك.
يحدث ذلك في الطرقات بين حدائق إحدى المؤسسات، فلابد أن هناك عامل نظافة مسؤول عن نظافة تلك الطرقات، ولابد أنه يعاني في تنظيف السوائل وباقي الفضلات المتناثرة من أطباق أكل الحيوانات.
قد يرى البعض أن الإشفاق على الحيوان عمل خيري جميل، لكن من الأولويات الإشفاق على الإنسان أولاً، فإذا ساعدنا الحيوان أو أحضرنا له طعام فاخر تم إعداده جيداً يجب أن نتأكد أولاً أنه لا يوجد إنسان جائع، وقبل أن نتسامح مع سلوك الحيوان يجب أن نكون أكثر عطفاً على الإنسان.
برأيك ما سبب الخلل الإدراكي والشعوري الذي يجعل البعض يعطف على الحيوان وينسى أن يعطف على أخيه الإنسان؟
التعليقات
أرى أن لا يوجد خلل إدراكي أو شعوري بقدر ما هو انعكاس لتجارب متراكمة جعلتنا نميل إلى من لا يؤذينا. نحن في زمن أصبح فيه الإنسان يُرهق الإنسان، بالخيانة أو الجحود أو استغلال الطيبة، بينما الحيوان يرد العطف بوفاء خالص لا يُنتظر منه مقابل. لذا نُعطف على الحيوان لأننا ببساطة أصبحنا نرى فيه ما افتقدناه في بعض البشر: الصدق، والوفاء، والراحة النفسية. فالعطف لا يُوجَّه دومًا بناءً على من هو أولى، بل أحيانًا بناءً على من هو أصدق.
لا أعتقد أن هذا تفكير من يعطف على الحيوانات دون الإنسان، فالعطف الحقيقي لا يُجزأ، ولا يعني أن نحسن إلى الحيوان لأن الإنسان خذلنا، كما أن الرحمة لا تكون بدافع الهروب أو كرد فعل، بل تنبع من اتزان داخلي يجعلنا نُحسن للجميع دون شروط، فمن يعطف على الحيوانات بصدق، لا يمكن أن يحمل في داخله هذا القدر من الإحباط تجاه البشر، لأن الرحمة حين تكون حقيقية، تشمل كل الكائنات دون الحاجة لمقارنات أو موازنات عاطفية.
فمن يعطف على الحيوانات بصدق، لا يمكن أن يحمل في داخله هذا القدر من الإحباط تجاه البشر،
لا أعتقد أن ذلك حقيقي فعلاً، فعطف الإنسان على الحيوان ليس دليلاً على أن هذا الإنسان عطوف بوجه عام، فأذكر أن هتلر كان محباً للكلاب ويعطف عليها وكثير من الطغاة كانوا كذلك، كما كان العطف على الحيوان مشهوراً في البلاط الفرنسي على ما أتذكر حين كان الشعب يعاني من مجاعات طاحنة.
الحيوان لا يحاكمنا، لا يسأل عن ماضينا، لا يطالبنا بالمساواة. إنه يأكل ويرحل، تاركاً لنا شعوراً زائفاً بالخير دون أن يكلفنا شيئاً من كرامتنا.
أما الإنسان الجائع فهو مرآة مؤلمة. عندما نراه، نرى الظلم الاجتماعي الذي قد نكون جزءاً منه، نرى أسئلة أخلاقية معقدة عن العدالة والمسؤولية. الحيوان لا يسأل: "لماذا أنت في القصر وأنا في الشارع؟" بينما نظرة الإنسان المحتاج تحمل هذا السؤال كله بلا رحمة.
أعتقد أنك محق أن الإنسان قد يعطف على الحيوان لأنه يعطيه إحساس بعطفه وحنو مشاعره دون أن يكلفه ذلك عمل خيري حقيقي، فلو قرر أن لا يطعم الحيوان غداً لن يشعر بكثير من تأنيب الضمير. أعتقد أن العطف على الحيوان هو إرضاء زائف للمشاعر.
لكن حتى مع ذلك يمكن أن نراعي الإنسان، فلا نضع للكلاب مثلاً أكل على الأرض وتتسخ الأرض، ونترك لعامل النظافة مهمة تنظيف ذلك تحت حرارة الشمس المؤذية.
العطف على الإنسان وعلى الحيوان معاً هوا أمر محمود فى كل الأديان وعند معظم من لهم قلب ورحمة.
لكن أظن أن مقصودك هوا ترفيه الحيوان على حساب الإنسان أن نأتى بأرقى أفضل الطعام للحيوان وألا نفعل للإنسان الذي يعمل لدينا وهوا أحق بالألاف التى قد تكون يتم دفعها للحيوان رأيت هذا رجل لديه عصافير كناريا وببغاوت وكلب ويصرف عليهم أكثر من أضعاف راتب العامل الذى يعمل لديهم.
لا أدرى هناك خلل كبير لدى الأثرياء فى هذا الأمر ولكن قد يكون هذا بسبب قلة أو سوء إدراك عندهم لأنك لو ناقشت أحد فى هذا الأمر لن يكون أمر مقصوداً أو متعمداً أنت حينما تعين لديك أحد للتنظيف أو للخدمة تسأل عن متوسط التكلفة أو أعلى قليلاً وتدفع له، وحينما تشترى أو تربى حيوانات تضطر إضطرارا على شراء الطعام أياً كان سعره.
أنا أرى ذلك خللاً بصراحة، فإنفاق الأثرياء آلاف الجنيهات أو الدولارات على حيوان في حين أنه قد يكون هناك فقراء أو جوعى في نفس البلد هو في رأيي فعل غير عقلاني وينم عن خلل، أن الإنسان يعتبر نفسه مسؤولاً عن الحيوان ولا يرى نفسه مسؤولاً عن بني جلدته.
اﻹنسان يرى أنه متفوق على الحيوان ويعطف عليه لإرضاء شيء في نفسه، ولكنه لا يعطف على كل الحيوانات، وإنما تلك التي يحبها وتلك الخاضعة له التي يراها أضعف منه ولكنه لا يعطف على اﻷقوى منه إلا إذا رآها في حالة ضعف، فيتدخل العطوف لينقذها من بؤسها.
و في المقابل يرى الآخر ندا له. يلومه على حالة، يتجاهل معاناته. في نظره ذلك الآخر هو سبب بؤسه. إذا أصابه الفقر إتهمه بالكسل و إذا أصابه المرض إتهمه بالإهمال في صحته. إذا عطف على ذلك الآخر عطف عليه من موضع قوة وليس طيب نفس.
يعيش هذا الوهم المريح "موضعي هذا جاء من إجتهادي وعملي" غير عابئ بكل العوامل الأخري ومنها أننا كلنا ضحية تلك الآلة الإقتصادية التي تنزع البشر آدميتهم و وقودها من لحوم الفقراء و الأقل حظا.
الإنسان لا يرى الآخر إنسان أو حيوان حتى.
هذا حقيقي ولذلك أشرت إليه بـ"الخلل" الإنسان يرى الإنسان الآخر غريب عنه كأنه من جنس آخر، ولا يرى أن عليه مسؤولية تجاه هذا الإنسان، لذلك أرى أنه شيء غير طبيعي أن نضع طعاماً للحيوانات ونبعثرها في كل مكان ولا نشفق على عامل النظافة الذي سيأتي وينظف كل تلك البقايا.
أنا أقول أنه من الجيد العطف على الحيوان، لكن يجب أن يكون الإنسان أولوية.
أظن أن الإشفاق على الحيوان أكثر من الشفقة على الحيوان هي ثقافة غربية تعلمها المجتمع العربي من الأفلام والمسلسلات...
على الإنسان أن يحرص على نفع أخيه الإنسان أكثر، لأن الإنسان له مشاعر وأحاسيس عميقة وله أحلام وطموحات... وقد يصاب باكتئاب أو حزن إذا وصل لمستوى متدني جدا من الحاجة والفقر! على عكس الحيوان.
لكن مع ذلك قد لا ينتبه الإنسان لأن "يبحث" عن الإنسان الذي يحتاج مساعدة، ويكتفي بإطعام "الحيوانات" الجائعة التي تدور حول بيته ويلاحظها كل يوم! لا أرى أن هذا يعتبر عيبا (وفي كل كبد رطبة أجر)، ولا أرى أنه علينا لوم "سيدة المجتمع الراقية" التي تعطف على الحيوانات الظالة، لأنها ربما تطعم سرا أناسا حقيقيين! ليس عليها (بل من الأفضل أن لا) تظهر للناس أنها تساعد المحتاجين لأن ذلك فيه إذلال للمحتاجين وإشعارهم بفقرهم...
أما عن عامل النظافة المسؤول عن تنظيف الطرقات، فهذا داخل في الثقافة وحسب، كان بإمكان الناس الذين يريدون إطعام الحيوانات وضع الطعام في أماكن معزولة أو حتى إعطائهم الطعام في علب أو فوق أكياس أو غير ذلك.
أما عن عامل النظافة المسؤول عن تنظيف الطرقات، فهذا داخل في الثقافة وحسب
لم أفهم هذه الجملة، لكن أقول لو تحلى شخص ما بالعطف والحنو ودفعه ذلك أن يشفق على الحيوانات الجائعة، فكان بالأحرى عليه أن يشفق على عامل النظافة (الذي قد يكون جائعاً أيضاً)، ولا نثقل عليه أن نبعثر طعام الحيوانات، ونتركه له لكي ينظفه، فهذا يضاد مفهوم العطف، أو يشير لخلل في الإدراك إذا كان الحيوان في بؤرة اهتمامنا والإنسان منفي عنها.
أنا لا أدافع عن من يفعل ذلك عمدا، أي أنه يعلم مثلا أنه سيتعب عامل النظافة بعده لكنه يتجاهل الأمر ويفعله عنوة.
لكنني أقول أن كثيرا من الناس غير مدرك أنه سيتعب عامل نظافة بعده، فهذا شخص نيته حسنة ونحتاج فقط لتعليمه أن يفكر في عامل النظافة، وليس أن نعلمه أن لا يطعم الحيوانات في الأماكن العامة!
أرى أن العطف على الحيوانات لا يتعارض مع العطف على الإنسان بل قد يكون امتدادًا له فالشخص الذي يملك قلبًا رحيمًا تجاه كائن ضعيف قد يكون في داخله استعداد للعطاء والرحمة للجميع لكن المشكلة الحقيقية ليست في اختيار من نرحم بل في غياب التوازن فمن الواجب أن يكون العطف على الإنسان أولًا لأن حاجته ومعاناته أعظم وأشد وقدرته على الشعور بالألم النفسي والجسدي أكبر لهذا أعتقد أن الحل ليس في لوم من يساعد الحيوانات بل في نشر ثقافة الرحمة الشاملة التي تضع الإنسان في مقدمة الاهتمام دون إقصاء لأي طرف
ربما لأننا ننظر للحيوانات كمخلوقات ضعيفة، وهم لا يستطيعون العمل لجني المال وشراء طعام، بينما يستطيع الإنسان فعل ذلك!
هذه نظرة خاطئة فآلاف الأطفال الفقراء لا يستطيعون العمل، وآلاف الحرفيين قد يعانون الفاقة بسبب عدم وجود فرصة عمل، فهذا تحيز تجاه الحيوان على حساب الإنسان.
ليس تحيزًا ولكن قد يكون من يساعد الحيوان يساعد الإنسان بالفعل لكنك لا تراه يفعل ذلك، كما أن فاعل الخير لا يجب أن يحمل هموم الكون كله ويكون واجب عليه تغيرها بنفسه، يكفي أن يشارك في فعل جزء ويشارك غيره بجزء آخر، فمثلًا الأطفال الفقراء هم مسؤولية ذويهم بالمقام الأول ثم الدولة، وكذلك الحرفيين والعمال مسؤولية الدولة قبل الأفراد العاديين.
الأستاذ جورج تحية طيبة واحتراما لرؤيتك العميقة وتساؤلك الإنساني الرفيع ما ذكرته حقيقة مؤلمة في مجتمعاتنا اليوم حيث تتغير أولويات العطف والرحمة أحيانا بطريقة تثير التأمل
برأيي المتواضع قد يكون السبب أن البعض يجد في العطف على الحيوان ملاذا هادئا من خيباتهم مع البشر فالحيوان لا يؤذي ولا يخون ولا يعق المعروف في حين أن بعض التجارب مع البشر قد تترك في النفس جروحا تجعل البعض يحتمي في عالم أبسط حيث العطاء لا يقابله خذلان
لكن يبقى المعيار الحقيقي للرحمة هو اتساع القلب لكل مخلوق وأولى الناس بعطفنا هو الإنسان الذي يحمل أعباء الحياة ومعاناتها الرحمة لا تتجزأ ومن يرحم قلبه لا يستطيع أن يغض الطرف عن ألم إنسان جائع أو مريض أو منكسر
شكرا لك على هذا الطرح الذي يفتح بابا للتفكر في أولوياتنا الإنسانية
اعتقد وهوا راي شخصي وليس تقييم ان العطف على الحيوان هوا من اصل الشخص لاننا نتعامل مع الحيوان بفطريه العقل بينما مع الاشخاص جبلنا على تحليل كل تصرف ونتيجته وكيف يفسر وهنا نجد ان بعض الاشخاص وجدو الصدق مع الحيوان لانه مجرد من التصرف واما عن ما تقول نعم الافضل ان نعطي بقدر ما عندنا من العطاء دون حساب للنتائج عندها نرى انفسنا نعطي لان العطاء اصبح مكنون اساسي للشخص نفسه دون تمييز
ربما أحياناً…
حين نُخذل من البشر كثيراً،
حين نعطي قلوبنا ولا نجد من يصونها،
حين نتكلم ولا نجد من يُنصت بصدق،
نعود إلى من يحبنا بصمته، ويشعر بنا دون أن ينطق… كالحيوان.ولكن…
هناك من البشر من قلوبهم نور،
من إذا أحبّوا لا يخذلون،
وإذا رحِموا لم يطالبوا بالمقابل.ولأن في قلوبنا بذرة من رحمة زرعها الله،
رحمة لا تميز بين مخلوق ناطق أو صامت…
فنُطعم الحيوان لأنه لا يؤذينا، لا يخدعنا، لا يكسر قلوبنا،
نحبه لأنه يكتفي بنظرة، بلمسة، ولا يُقايضنا على عاطفتنا.
الرحمة الحقيقية
هي أن نُطعم من لا يطلب،
ونُحب من لا ينتظر،
ونرحم حتى من لا يشبهنا.