في أول وظيفة لي في المطاعم كنت لم أكمل ال16 من عمري بعد، وكان عملي في مطعم راقي جداً في أرقى أحياء الإسكندرية، وفي يوم ذهبت لشراء بعض الأشياء ودخلت من شوارع جانبية فدخلت شوارع يسكنها طبقة من أدنى الطبقات المادية في المجتمع! فأندهشت ووقفت منبهراً كمن خرج من يوتوبيا عن طريق الخطأ ووجد نفسه في ممر الفئران، كيف هذه الناس هنا تعيش بجانب هذا البذخ في هذه المنطقة الحيوية جداً؟
ثم زاد إندهاشي عندما عرفت أسعار الشقق والأراضي في المنطقة، يمكن لهؤلاء الناس أن يبيعوا منازلهم ويستبدلوا الشقة الواحدة ب6 شقق ربما أكبر منها في المساحة! لكن في مناطق أخرى تناسب طبقتهم، لكنهم لا يفعلون ذلك ويختارون الإستمرار في فقرهم بدلاً من بيع منازلهم التي يستطيعون بسعرها أن يستبدلوا حياتهم تماماً، عندما وصفت هذا الإندهاش لزملائي في المطعم بعد العودة ضحكوا وقالوا ببساطة أن هذه منازلهم ومنازل أجدادهم فلماذا يتركونها من أجل رخاء العيش؟ قالوا هذا المبرر بثقة وكأنه منطقي!
لا أرى هذا المبرر منطقي أبداً فلماذا يختار البعض التمسك بمنزل عائلته رغم أنه بمجرد إستبداله سيعيش في مستوى مادي أعلى ويحسن من جودة حياة أولاده وتعليمهم؟ للتمسك ببعض الذكريات؟ الذكريات في كل الأحوال ستبقى في عقولنا ولن تعاد من جديد إن تمسكنا بالجدران التي كانت فيها