نحن نلتهم الكتب لنبدو أذكياء في المجالس، لكننا ننسى أن الثقافة الحقيقية ليست في كمية ما خزّنت في عقلك، بل في كمية ما غيّرت في سلوكك.
سؤالي لكم:
متى كانت آخر مرة غيّر فيها كتابٌ قرأته (فعلاً) نظرتك للحياة، وليس فقط صورتك أمام المرآة؟"
عن نفسي اكتشفت إن أغلب الكتب اللتي قرأتها طوال العشر سنوات السابقة لم تحدث أي تأثير على حياتي أو نظرتي للحياة أو لنفسي، فقط قصص شيقة وأقدرها لكن نسيتها بهد شهر او اثنين، وللأسف لم ألمس تلك الحقيقة الا حين قرأت كتاب "ممتليء بالفراغ"
وما أحدثه هذا الكتاب فيّ من تغيير حقيقي لا يمكن مقارنته أبدا بأي كتاب آخر وجعلني أتحسر على ما فاتني طوال تلك السنوات
لا اعلم لماذا نميل للتشدد في ربط القراءة بتغيير السلوك، وكأن الكتاب لا قيمة له إن لم يحولنا إلى أشخاص مثاليين، وهو توقع مرهق، أحياناً نقرأ لمجرد الفضول أو الرغبة في اكتساب لغة قوية، وهذا ليس عيباً. الوعي يتسلل إلى عقولنا بهدوء عبر سنوات طويلة، وليس بالضرورة أن تظهر نتائجه فور إغلاق الغلاف الأخير، ومن حق القارئ أن يستمتع بالمعرفة حتى لو لم يقرر تغيير مسار حياته بالكامل في اليوم التالي.
بخصوص سؤالك، كتاب المغالطات المنطقية لعادل مصطفي كان له أثر عليّ؛ جعلني أتعامل مع النقاشات اليومية بهدوء أكبر بدلاً من الانفعال، حيث صرت ألاحظ أخطاء الاستدلال في كلام الآخرين دون الحاجة للدخول في صراع. ومع ذلك، لا زلت أرى أن القراءة من أجل بناء صورة مثقفة أو حتى للمتعة العابرة هي أسباب مشروعة تماماً، فالمهم في النهاية أننا نقرأ ونفتح آفاقاً جديدة، حتى لو ظلت تلك الآفاق مجرد أفكار في رؤوسنا لا تترجم فوراً إلى أفعال.
اختزال سبب القراءة في الرغبة بأن نبدو أذكياء في المجالس فيه شيء من القسوة وعدم الإنصاف .. نعم، هناك من يقرأ ليجمع الزينة المعرفية، لكن هذا ليس الدافع الوحيد ولا حتى الأعمق.
الكتب ـ في جوهرها ـ ليست مجرد أدوات استعراض، بل هي غذاء للروح، وملجأ للقلق، ومرآة للأسئلة الوجودية، ومساحة آمنة لمن لا يجد صوته في الواقع. نقرأ أحيانًا لنفهم أنفسنا، وأحيانًا لنحتمل العالم، وأحيانًا فقط لأن كلمة صادقة أنقذتنا من شعور بالوحدة.
صحيح أن الثقافة التي لا تنعكس سلوكًا تبقى ناقصة، لكن هذا لا يلغي أن التغيير الداخلي بطيء، تراكمي، وصامت، ولا يُقاس دائمًا بسلوك فوري. بعض الكتب لا تغيّر أفعالنا مباشرة، لكنها تغيّر زاوية الرؤية… ومن يغيّر نظرته، سيتغيّر فعله عاجلًا أم آجلًا.
بالنسبة لي اري القراءة على انها مجموعة اهداف نضعها ونحددها قبل القراءة ثم نبدأ بالقراءة لتحقيقها هذا الاهداف ستفيد في امرين الاول انها تحدد نوع الكتب او المقالات التي نقرا والثاني انها تحدد اسباب وطريقة القراءة ومن ذلك فالترفيه هدف مشروع لقراءة وتحسين السلوك كذلك هدف وتطوير المهارات النقدية ايضا هدف ولكن هناك اهداف مذمومة في ذاتها كان يقرأ المر لاجل الثقافة المجردة وكذلك هناك نتائج مذمومة كان يظن المرء ان كل نص قراءه هو نص مقدس غير قابل لنقد او التحض.
اما عن اكثر كتاب غير في حياتي فلو كان هذا السؤال وجه لي قبل ثلاثة اعوام من الان لكنت اجبت بقائمة عريضة من العادات السبع لناس الاكثر فاعلية والعادات الذرية والاب الغني والاب الفقير وغير ذلك ولكن فعلا اكثر كتاب ما زال اثره ملموس على حتى الان هو كتاب الداء والدواء لعلامة ابن القيم.
يحتوى الكتاب رغم انه منشور منذ اكثر من ٧٠٠ عام على ما اظن على الكثير من المفاهيم التي تتغني بها الكتب الحديثة في الكثير من المجالات افكار مثل المدخلات والمخرجات وفهم الصراع النفسي بين نقطتين البصيرة والإرادة هي احد اكثر الاشياء التي مازلت المس اثارها حتى الان.
أن المعرفة وحدها لا تكفي إلى حدوث أي تغيير ، لأنها قد تصطدم بحدود القدرة العملية التي تتيح لها التحقق في الواقع .
إن الفعل الإنساني يتحدد عند نقطة التقاء ثلاث قوى : المعرفة التي تكشف الإمكان .. والإرادة التي تحفز على الفعل .. والقدرة التي تجعل الإمكان فعلاً .
كما إن الوعي لا يُقاس بكمية المعرفة المخزونة ، بل بمدى تحوّل تلك المعرفة ، عبر الإرادة والقدرة ، إلى طاقة خلاقة تُعيد تشكيل الذات .