احيانا قد يشرط المرء على نفسه عهدا مفاده ان يتوقف عن عادة مثلا *التدخين،العادة او غيرها* لكن تنشأ عنده دائما رغبة للعودة فيعود دون وعي منه، فعندما يعود لحالة اليقظة و الوعي يجلد نفسه جلدا اليما بحيث قد يكره نفسه في تلك اللحظة. لكن تمر الأيام و تتوالى ليجد محفزة جديدا لإيعادته لتلك العادة لكنه يصر على ان لا يعود و يقرر البدء بمحفز صغير لكنه يشرط على نفسه التوقف في لحظة ما ، فينشطر داخله لجزء يرغب في التوقف و الاخر في الاكمال و في الحالات اغلبها يفوز الاكمال فيتكرر السيناريو مرة و أخرى و أخرى لكن لا يدري كيف يتوقف نهائيا؟
العادة و التوقف
التعليقات
أعتقد أن المشكلة أعمق من مجرد عادة نحاول كسرها بالإرادة فقط. الإنسان حين يكون فارغًا من الداخل أو محرومًا من السلام الحقيقي .. يبحث دائمًا عن شيء يسكّن هذا الفراغ ولو مؤقتًا. لذلك كثير من محاولات التغيير تكون أشبه بتخدير موضعي .. تخفف الألم قليلًا لكنها لا تعالج الجذر الحقيقي للمشكلة.
فالعادة في أحيان كثيرة ليست هي العدو الحقيقي .. بل هي مجرد وسيلة هروب من قلق أو وحدة أو ضغط أو شعور بالنقص. لهذا يعود الإنسان إليها حتى بعد أن يقسم ألف مرة أن يتوقف .. لأن الجزء الذي يحتاج للشفاء داخله ما زال كما هو.
أظن أن التغيير الحقيقي يبدأ عندما يجد الإنسان "كنز السعادة" داخله .. عندما يتصالح مع نفسه ويشعر أن قيمته ليست مرتبطة بعادة أو شهوة أو هروب مؤقت. وقتها لا يصبح التوقف معركة يومية مرهقة .. بل يصبح شيئًا طبيعيًا لأنه لم يعد يحتاج لتلك العادة كي يشعر أنه بخير.
وأيضًا لا يجب أن يجلد الإنسان نفسه كلما سقط .. لأن كراهية الذات لا تصنع التعافي .. بل أحيانًا تدفع للمزيد من الهروب. المهم أن يفهم نفسه أكثر .. لا أن يعاقبها أكثر.
لكن كيف يستطيع هذا الإنسان أن يشفي ذاته و يعمر ذاك الفراغ القاتل الذي ينهشه؟ لان المرء احيانا يشعر بالفراغ لكن لا يدري اين يتمركز هذا الفراغ
بالنسبة لي أعتقد أن الإنسان لا يستطيع أن يملأ هذا الفراغ بالهروب المستمر أو بالمشتتات .. لأن الفراغ الحقيقي غالبًا يكون أعمق من الأشياء الظاهرة. أحيانًا نشعر أن هناك شيئًا ناقصًا داخلنا لكننا لا نستطيع تحديده بدقة .. فنحاول تعويضه بعادات أو تعلقات أو انشغال دائم .. بينما الجذر يبقى كما هو.
الطريق الذي ساعدني شخصيًا كان التأمل الروحي ومحاولة فهم الذات بصدق بعيدًا عن الضجيج الخارجي. مع الوقت اكتشفت أن كثيرًا من الألم يأتي من انقطاع الإنسان عن نفسه الحقيقية .. وعن حالة السلام الداخلي التي يحتاجها.
هذا المجال تحديدًا أعتبره قريبًا من تخصصي واهتمامي .. واستطعت من خلاله فهم أشياء كثيرة تتعلق بالوعي .. والفراغ الداخلي .. ولماذا يكرر الإنسان نفس الأنماط رغم أنه يتعب منها. لذلك أؤمن أن الشفاء يبدأ عندما يتوقف الإنسان عن الهروب ويجلس مع نفسه بصدق .. لا ليجلدها بل ليفهمها.
عصارة تجربتي وضعتها في كاتب ستجدين عنوانه في "بروفايلي"
خالص التحية والتقدير
عليه أن يظل يجاهد نفسه إلى أن يترك العادة السلبية التي تؤرقه نهائيًا. ستلاحظين في كل مرة أن المدة بين الانتكاسة والانتكاسة التي تليها تزداد، إلى أن يتركها نهائيًا. يعني مثلًا في أول الالتزام بالبعد عن أي شيء، انتكست في أول أسبوع. حسنًا. الانتكاسة الثانية كانت بعد شهر، الانتكاسة الثالثة بعد 3 أشهر، الانتكاسة الرابعة كانت بعد 5 شهور،.. وهكذا، إلى أن تنعدم الانتكاسات. هذا كله جزء من عملية الاستشفاء، وليس ضدها. يجب أن نفهم هذا جيدًا.
معك حق اغلب الذين عانوا من هذه المشاكل يلاحظون ان المدة تزيد لكن هناك البعض الذين طالت المدة و عاودوا الفعل و في المرة التي تليها كانت المدة اقصر من ذي قبل ما السبب؟
عادي، وكأن شيئًا لم يحدث. ليواصل المسير،..
"وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ".. هل تعتقدين أن كلمة "جاهدوا" واختيارها هي دونًا عن أي كلمة أخرى، قد جاء عبثَا؟ لا والله.
أشار الدكتور عماد رشاد عثمان في سلسلة التعافي إلى أن هذه العادات غالباً ما تكون وسيلة للهروب من ضغوط أو مشاعر لا يجرؤ الإنسان على مواجهتها، فالعقل يلجأ إليها كمخدر مؤقت. كما قال أن بعض الحالات تتطلب وجود شخص مساعد أو رفيق طريق، ليس فقط للعلاج، بل من باب المشاركة والدعم.
سلسلة التعافي هل هي كتاب ام بوداكست؟+ هناك البعض الذين لا يجدون اناسا من حولهم لمساعدتهم على التعافي و هذا عائد إما بسبب الخوف او غيرها
الإشكالية التي تصفينها هي معركة حتمية بين العقل الواعي الذي يقطع العهود والعقل الباطن الذي يتحكم في العادات التكرارية، والخطأ الأكبر الذي نقع فيه هو الاعتقاد بأن الإرادة وحدها تكفي لكسر نمط عصبي محفور في الدماغ.
جلد الذات الذي ذكرتِهِ ليس مجرد شعور عابر، بل هو فخ كيميائي؛ لأنه يرفع منسوب التوتر، والتوتر هو المحفز الأول للهروب مجدداً نحو العادة القديمة طلباً للراحة، لندخل في حلقة مفرغة لا تنتهي. ولو كان الأمر سهلاً أو مجرد قرار لحظي لما جعل النبي صلى الله عليه وسلم جهاد النفس هو أصل الجهاد وجوهره حين قال: «المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله»؛ فهذا التأصيل يوضح أن المعاناة والارتداد ليسا دليلاً على الفشل، بل هما طبيعة هذا النوع من الجهاد المستمر.
وهنا اتسائل هل تعتقدين أن الحل يكمن في التوقف النهائي المفاجئ كما يحاول الأغلب؟ أم أن الأجدى هو إزاحة العادة تدريجياً عبر تغيير البيئة والمثيرات التي تسبق الفعل؟ ربما التوقف ليس معركة قوة إرادة بقدر ما هو معركة ذكاء في التصميم لنظام حياتنا اليومي.