العادات حين تُباع بالمصلحة

كان المضيف يوماً رمزاً للهيبة والرجولة والكرم، تُدار فيه شؤون القوم، وتُحسم فيه المواقف بالعقل والشرف.

مكان له قداسته، لا يُرفع فيه الصوت عبثاً، ولا يُفتح بابه إلا احتراماً لضيف أو لقضية.

وفي الماضي، كانت المرأة تُكرم في مضافة خاصة بها، تُستقبل فيها النساء الضيفات، احتراماً للعرف لا ازدراء لها.

فالفكرة ما كانت يوماً احتقاراً للمرأة بقدر ما كانت عرفاً اجتماعياً قائماً على الفصل بين الرجال والنساء في المجالس العامة، حفاظاً على الخصوصية والهيبة.

لكنَ المشهد تغير اليوم. لقد صار المضيف عند الكثيرين منبراً انتخابياً مؤقتاً، تُرفع فيه الشعارات بدل السيوف، وتُفتح أبوابه لكل من يملك وعداً أو نفوذاً أو صوتاً انتخابياً.

حتى العشائر التي كانت بالأمس ترى دخول المرأة للمضيف عيباً، أصبحت اليوم تبرره بعبارة جاهزة:

"هي ضيفتنا واحنا نحترم الجميع"

وأنا لا يعنيني هنا موضوع دخول المرأة للمضيف بحد ذاته، فالزمن فعلاً تغير، والمرأة اليوم جزء فاعل في المجتمع، لكن ما يثير الاستغراب هو هذا التناقض الملفت في المواقف، حين تُباع العادات وتُشترى حسب اتجاه المصلحة.

الزمن لم يتغير كما يدّعون، الذي تغير هو ميزان المصلحة،

العُرف يُقدّس حين يخدم الموقف، ويُنسى حين يعرقل الطريق. والمبدأ يُرفع كشعاراً وقت الخطابة، ويُدفن تحت الطاولة وقت الصفقة.

إنها انتهازية اجتماعية مغلفة بشعارات التمدن والتقارب الجماهيري. تحاول أن تبدو تطوراً وهي في حقيقتها تبدل في القيم لا في الوعي.

يا سادة، ليست المشكلة في دخول المرأة للمضيف، ولا في تطور الزمن، بل في أن بعض العشائر اليوم تقيس الشرف بمقدار المصلحة، لا بمقدار الثبات على المبدأ.

وهنا يبرز السؤال الحقيقي:

هل دخول المرأة للمضيف اليوم دليل وعي وتطور؟

أم مجرد أداة لكسب الأصوات في موسم الوعود الكاذبة؟

فليكن واضحاً :

العادات لا تُباع ولا تُشترى،

إما أن تُحترم دائماً، أو لا تُذكر أبداً. لا أن نُبدلها مثل الثوب حسب الموسم،

فهي ليست مرونة ولا حضارة... بل تناقض يُعري الزيف الذي لبس ثوب الأصالة.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

لا يمكننا إنكار أن ما أشرتَ إليه من انتهازية اجتماعية موجود فعلًا.

فبعض الناس يتعاملون مع العادات وكأنها أوراق للمساومة، يرفعونها متى خدمتهم، ويتجاهلونها حين تعيق مصالحهم.

لكن من المهم أن نميّز بين تبدل العادات وسقوط المبادئ، فهما أمران مختلفان تمامًا.

من الخطأ أن نربط الثبات على القيم بالالتزام الحرفي بالعادات القديمة. فالقيمة الحقيقية للمضيف لم تكن في شكل الجلسة أو نوع الحضور، بل في معاني الكرم والعقل والشرف واحترام الضيف.

إذا حافظنا على هذه القيم، فلن يضرّنا أن يتغيّر شكل المكان أو من يجلس فيه.

العُرف يُقدس حين يخدم الموقف، ويُنسى حين يعرقل الطريق. والمبدأ يُرفع كشعاراً وقت الخطابة، ويُدفن تحت الطاولة وقت الصفقة.

المضيف لم يفقد هيبته لأن المرأة دخلته، بل لأنه تحول من مجلس مروءة وشرف وأصبح منبر للشعارات.

وبالنسبة للساسة والوعود الانتخابية فهذا أمر يحدث في كل مكان في العالم، ذكرتني بنكتة عن مرشح ذهب إلى قرية كدعاية انتخابية وسأل الناس عن مشاكلهم فقالوا له لدينا مشكلتين، فقال ماهي أول مشكلة

قالوا له لا يوجد لدينا مياه

فقال بسيطة، وأمسك هاتفه وتحدث مع أحد ثم اغلق وقال لهم غداً ستصل المياه ما المشكلة الثانية؟!

قال أهل القرية ليس لدينا تغطية لشبكات المحمول😅

Hoon_911
  • حذف بواسطة المستخدم

أرى أنه إذا كان العرف أو العادات والتقاليد لا تتعارض مع دين ولا قانون ولا حقوق أو واقع فأهلًا وسهلًا بها ومن الجميل تطبيقها، أما فكرة تطبيق العرف لمجرد الحفاظ على التراث فليست فكرة جيدة دائمًا، فربما يكون هذا العرف سيئًا من الأساس ويجب تغييره لا الحفاظ عليه.

أما بالنسبة للوعود الكثيرة والكاذبة في الغالب وقت الانتخابات فتلك ربما ظاهرة عالمية للأسف وليست مختصة بمكان أو فئة معينة، فإن ذهبت لأفقر مكان في العالم قد تجد سياسيين يكذبوا لحصد للأصوات وإن ذهبت لدولة متقدمة فستجد سياسيين يكذبوا لحصد الأصوات أيضًا.