كان المضيف يوماً رمزاً للهيبة والرجولة والكرم، تُدار فيه شؤون القوم، وتُحسم فيه المواقف بالعقل والشرف. مكان له قداسته، لا يُرفع فيه الصوت عبثاً، ولا يُفتح بابه إلا احتراماً لضيف أو لقضية. وفي الماضي، كانت المرأة تُكرم في مضافة خاصة بها، تُستقبل فيها النساء الضيفات، احتراماً للعرف لا ازدراء لها. فالفكرة ما كانت يوماً احتقاراً للمرأة بقدر ما كانت عرفاً اجتماعياً قائماً على الفصل بين الرجال والنساء في المجالس العامة، حفاظاً على الخصوصية والهيبة. لكنَ المشهد تغير اليوم. لقد صار
لماذا لا نتصالح مع اعمارنا ؟!
كنت متواجداً في مكانٍ عابر أثناء عملي السابق، لا شيء فيه يوحي بحدث يُذكر، لولا مشهد صغير خطف بصري وأثار في داخلي تساؤلات كثيرة. طفلان لم يتجاوزا الثالثة عشرة من العمر، يجلسان وكأنهما رجال أنهكتهم الحياة، يتبادلان أنفاس السجائر بحركات متقنة تشبه ما يفعل الكبار. لم تكن السيجارة مجرد عادة سيئة هنا، بل كانت رمزاً و قناعاً. مشهد لا يبدو غريباً في مجتمعنا، لكنه في الحقيقة يفتح باباً واسعاً لفهم ظاهرة عميقة: لماذا لا نتصالح مع أعمارنا؟ حين يتصرف الطفل
الكتمان فضيلة منسية
في زمننا هذا، أصبح الناس أسرع ما يكون إلى الإفصاح عن مشاعرهم ومعتقداتهم، وكأنهم لا يطمئنون إلى ما يعتقدونه إلا إذا أعلنوه للآخرين. ترى أحدهم يُعجب بشخصية دينية أو فكرية أو اجتماعية، فيحول هذا الإعجاب إلى صور يومية ومنشورات متكررة، حتى يغدو حبه استعراضاً لا علاقة له بجوهر الفكرة ولا بصدق المشاعر. لكن الحقيقة أن الدين والقيم معاً يوجهان الإنسان إلى طريق آخر، طريق الكتمان، وحفظ السر، والتمييز بين ما ينبغي أن يُقال وما ينبغي أن يبقى في القلب. فالمعتقدات
صوت الطفل الذي اضعناه
كنت جالساً أراقب أحد الأطفال من حولي، أتابع بعيني الصغيرة الكبيرة كيف يصرخ ويبكي بلا تردد ليحصل على ما يريد. لا يساوم، ولا يسكت، ولا يخاف من أن يُتهم بالإزعاج. في البداية ظننت الأمر مجرد نوبة بكاء عادية، لكن حين ركزت أكثر، اكتشفت أن ما أراه لم يكن بكاءً فقط، بل قوة شخصية حقيقية تتجلى بلغة الطفل الخاصة: الإصرار. ذلك الكائن الصغير، برغم ضعفه الجسدي، يملك جرأة لا يملكها كثير من الكبار، يعلن عن حاجته بوضوح، يطالب بها بإلحاح، ولا