كنت جالساً أراقب أحد الأطفال من حولي، أتابع بعيني الصغيرة الكبيرة كيف يصرخ ويبكي بلا تردد ليحصل على ما يريد. لا يساوم، ولا يسكت، ولا يخاف من أن يُتهم بالإزعاج. في البداية ظننت الأمر مجرد نوبة بكاء عادية، لكن حين ركزت أكثر، اكتشفت أن ما أراه لم يكن بكاءً فقط، بل قوة شخصية حقيقية تتجلى بلغة الطفل الخاصة: الإصرار.

ذلك الكائن الصغير، برغم ضعفه الجسدي، يملك جرأة لا يملكها كثير من الكبار، يعلن عن حاجته بوضوح، يطالب بها بإلحاح، ولا يتراجع حتى يحصل عليها. عندها قلت في نفسي: هذا الطفل أضعف جسداً من أي رجل، لكنه أقوى شخصية من كثير منا.

ومن هنا بدأت الفكرة تتشكل: نحن نولد بأقوى نسخة من شخصياتنا، لكننا مع الزمن نبدأ نفقدها.

وتساءلت:

كيف ينحدر الإنسان من هذه الفطرة القوية إلى الضعف؟ وكيف سمحنا لأنفسنا أن نخلط بين معنى قوة الشخصية وبين المشاجرات والسطو والصوت العالي؟

هذه الملاحظة البسيطة صارت الشرارة التي دفعتني لكتابة هذا الموضوع، لعلهُ يكون تذكيراً لنا بأن القوة لا تُقاس بالعضلات ولا بالسطوة على الآخرين، بل بمدى تمسكنا بحقنا في أن نكون نحن.

كيف يولد الأنسان قوي الشخصية ومدركاً لحقوقه؟!

يولد الطفل ضعيف البنية، صغير الحجم، يعتمد كلياً على الآخرين في غذائه وحمايته، في داخله ارادة قوية وروحاً حره، ومع ذلك يحمل في داخله قوة شخصية فطرية مذهلة.

هذه القوة تظهر منذ اللحظة الأولى في حياته، في صوته المرتفع عندما يشعر بالجوع، في دموعه الصادقة عندما يريد شيئاً، في جرئته وشجاعته حينما يقول "لا" بكل وضوح للاشياء التي لا يرغب بها، الطفل يرفض الاستسلام بسهولة، يُصر على ما يراه ضرورياً، ويعبر عن مشاعره بصراحة كاملة وفي إصراره المستمر على الحصول على ما يحتاجه. البكاء ليس مجرد تعبير عن الانزعاج، بل لغة طبيعية يمتلكها الطفل للتواصل والمطالبة بحقوقه، لغة لم تخضع بعد لأي قوانين اجتماعية أو قيود ثقافية.

ومع ذلك، لدى الكثير من الناس مفهوم مغلوط عن قوة الشخصية. يعتقدون أن القوة تكمن في المشاجرات، أو في الصوت العالي، أو في التغلب على الضعفاء، أو فرض السيطرة بالعنف. لكن هذا المفهوم بعيد كل البعد عن طبيعة القوة الحقيقية التي يولد بها الطفل.

قوة الفعل، الصراحة، الإصرار على المطالبة بالحق، والثقة الداخلية. الطفل رغم ضعفه الجسدي، يعلم بالفطرة أن التعبير عن نفسه وصوت الحق هو السبيل للحصول على ما يريد.

ما يحدث لاحقاً هو أن المجتمع، المدرسة، أو الأسرة أحياناً، تعلمه أن الهدوء، الانصياع، والسكوت هما الطريقة الوحيدة للبقاء آمناً.

● السخرية أو رفض التعبير عن الرغبات تصنع خوفاً داخلياً، فيبدأ الطفل بالكبت.

● كل رفض أو عقاب يحطم جزءاً من ثقته بنفسه ويزرع فكرة أن المطالبة بالحق مؤذية أو محرمة.

● الضغوط الاجتماعية والتوقعات المبالغ فيها تجعل الطفل يساوم على ذاته، ويتعلم الخضوع بدل المطالبة.

هنا تبدأ هذه القوة الفطرية في الانحدار: يصبح الطفل خجولًا، يضيع حقه في التعبير، ويبدأ في تكريس الطاقة لمحاولة إرضاء الآخرين بدلًا من الدفاع عن رغباته المشروعة.

كيف نحافظ على قوة الطفل الفطرية فينا حتى الكبر؟

نولد جميعاً بجرأة وصراحة وإصرار، نطالب بما نحتاجه دون خوف أو تردد، ثم تبدأ هذه القوة بالتآكل بفعل الضغوط والتربية والانتقادات. لكن الجميل أن هذه القوة لا تختفي نهائياً، بل تبقى كامنة، ويمكن إعادة إحيائها إذا وعينا ذلك. إليك بعض العلاجات العملية للحفاظ عليها.

1. إعادة تعريف القوة

الخطوة الأولى أن نغير نظرتنا، القوة ليست في العنف أو السيطرة، بل في الصراحة، في التعبير عن الرغبات، وفي قول "لا" حين يجب قولها. عندما ندرك هذا، نصبح حينها أحراراً من ضغط إرضاء الآخرين الذي يضعفنا.

2. الاستماع للصوت الداخلي

كما كان الطفل يبكي بلا خجل حين يجوع، على الإنسان أن يتعلم أن يصغي لرغباته واحتياجاته بصدق. تجاهل نفسك إرضاءً للآخرين هو أقصر طريق لإطفاء قوتك الداخلية.

3. المطالبة بالحقوق الصغيرة يومياً

الطفل لا ينتظر سنين ليطالب بحقه، بل يفعله فوراً جرب أن تبدأ بالمطالبات الصغيرة، أن تشرح رأيك في اجتماع، أن ترفض شيئاً لا يناسبك، أن تطلب ما تحتاجه دون التفاف. هذه الممارسات اليومية تبني عضلة الشخصية.

4. التدرب على قول "لا"

كثيرون يخسرون قوتهم لأنهم لا يعرفون الرفض. تذكر أن الطفل لا يتوقف عن البكاء حتى يُلبى طلبه. قول "لا" لا يعني عدوانية، بل وضوحاً وصراحة تحمي كرامتك ووقتك.

5. التخلي عن هوس الصورة الاجتماعية

الطفل لا يفكر بماذا سيقول الناس عن بكائي؟ هو يعبر ببساطة. الحفاظ على القوة يعني التحرر من قلق نظرة الآخرين، لأنك إن عشت لتنال رضاهم، ستخسر ذاتك كما يخسر الطفل قوته حين يُسكتونه بالقمع.

6. البيئة الداعمة

لا يمكن للقوة أن تنمو في أرض مسمومة. أحط نفسك بأشخاص يشجعون صراحتك ويدعمون حقيقتك، لا بأشخاص يسخرون منك أو يفرضون عليك الصمت.

7. التصالح مع الضعف الطبيعي

الطفل ضعيف البنية، ومع ذلك قوي الشخصية. هنا تكمن الحكمة: أن تكون قوياً لا يعني أن تكون بلا ضعف، بل أن تعترف بضعفك وتطالب بحقك رغم ذلك.

الطفل يعلمنا أن القوة ليست في العضلات ولا في العنف، بل في الإصرار على الحق والتعبير عن الذات. وإذا أردنا الحفاظ على هذه القوة حتى الكبر، فعلينا أن نعيش بصدق، نعبر بلا خوف، ونرفض الانصياع الأعمى لنظرة الآخرين.

القوة الحقيقية أن تكبر وأنت ما زلت تحتفظ بقلب طفل لا يخاف أن يطالب بما يريد.