كنت متواجداً في مكانٍ عابر أثناء عملي السابق، لا شيء فيه يوحي بحدث يُذكر، لولا مشهد صغير خطف بصري وأثار في داخلي تساؤلات كثيرة. طفلان لم يتجاوزا الثالثة عشرة من العمر، يجلسان وكأنهما رجال أنهكتهم الحياة، يتبادلان أنفاس السجائر بحركات متقنة تشبه ما يفعل الكبار. لم تكن السيجارة مجرد عادة سيئة هنا، بل كانت رمزاً و قناعاً. مشهد لا يبدو غريباً في مجتمعنا، لكنه في الحقيقة يفتح باباً واسعاً لفهم ظاهرة عميقة:

لماذا لا نتصالح مع أعمارنا؟

حين يتصرف الطفل كالكبير، فهذا ما يسميه علماء النفس التقمص العمري، أن يستعير الإنسان عمراً ليس عمره، ليملأ فراغاً داخلياً أو يعوض نقصاً يشعر به. الطفل هنا لا يبحث عن المتعة من السيجارة، بل عن الاعتراف. يريد أن يقول لمن حوله "أنا لست طفلًا ضعيفاً، بل رجل قادر على تقليدكم". خلف هذا السلوك غالباً يكمن إحساس بالنقص، سببه تربية قاسية، مسؤوليات مبكرة، أو بيئة تحرمه من أبسط حقوق الطفولة، اللعب، البراءة، والخيال....

وما يفعله الصغار من استعجال لمرحلة قادمة، يكرره الكبار ولكن بالعكس. ترى رجلاً في الخمسين يتشبث بمظاهر الشباب، ثياب صاخبة، لغة شبابية، سلوكيات لا تليق بعمره، وكأنه في سباق مع الزمن. هذا ما يمكن تسميته بـ " الانكسار النفسي للزمن" حالة من الإنكار، يرفض فيها الإنسان الاعتراف بمرور الوقت، ويحاول خداع نفسه والآخرين بأن العمر ما زال واقفاً عند محطة الشباب. إنه نوع من الهروب، لا يختلف عن هروب الطفل من طفولته.

إذا تأملنا المجتمع العراقي خصوصاً، سنجد أن هذه الظاهرة أكثر وضوحاً. الطفل عندنا نادراً ما يعيش طفولته كاملة. في البيوت كثيراً ما يُعامل كـ رجل صغير، يُطلب منه أن يعمل ويساعد ويصمت. في المدارس، لا يجد مساحة للتعبير عن براءته وسط قيود وقوانين صارمة. في الشارع، يواجه مسؤوليات تفوق طاقته، فيكبر قبل أوانه. الشاب بدوره يعيش مرحلة "اللا وسط" لا هو طفل حر من المسؤوليات، ولا هو رجل مكتمل يملك قراره. يغرق في ضغط المجتمع، بين الدراسة والعمل والزواج المبكر أو البطالة الطويلة. أما الكهل، فيلتفت خلفه فيرى أن الشباب مر بسرعة، لم يذق فيه طعم التجربة والمتعة كما ينبغي، فيحاول استعادته بتصرفات مراهقة متأخرة، وكأنّه يسعى لتعويض ما فاته.

الحقيقة أن ما يجمع كل هذه الصور هو غياب التصالح مع الذات. نحن نعيش إما مستعجلين على المستقبل أو متحسرين على الماضي. نفتقد القناعة بأن لكل عمر جماله. الطفولة ليست عيباً بل براءة، الشباب ليس مجرد مظهر بل طاقة، الكهولة ليست خسارة بل حكمة. لكننا، بدل أن نؤمن بذلك، ننجرف خلف مقارنات اجتماعية لا تنتهي. الطفل يقارن نفسه بالكبار، والشاب يقارن نفسه بغيره، والكبير يقارن نفسه بما كان عليه .

ولو رجعنا قليلًا إلى نظريات علم النفس، سنجد أن عالم النفس إريكسون تحدث عن "مراحل النمو النفسي" وربط كل عمر بأزمة محددة. الطفل يمر بمرحلة الثقة مقابل الشك، والمراهق بمرحلة الهوية مقابل ضياع الدور، والبالغ بمرحلة الإنتاجية مقابل الجمود، والشيخ بمرحلة الرضا مقابل اليأس. وإذا لم يُحل الصراع في مرحلته، ينتقل كجرح مفتوح إلى المرحلة التالية. وهذا بالضبط ما نراه:

طفل لم يجد من يعترف بطفولته، فيحمل معه جرحاً إلى شبابه، وكهل لم يتصالح مع زمنه، فيعيش شيخوخته مثقلة باليأس.

لكن السؤال: هل نحن محكومون بالعيش في غير أعمارنا؟

الجواب لا. هناك دائماً فرصة للتصالح مع الذات، مهما كان العمر. يبدأ الأمر من الاعتراف. أن نرى المرحلة التي نحن فيها لا كقيد، بل كفرصة. الطفل يحتاج من يتركه يلعب، الشاب يحتاج من يخفف عنه ضغط المجتمع ليجرب ويخطئ، والكبير يحتاج من يذكره أن الحكمة التي جمعها ليست أقل قيمة من طاقة الشباب.

يمكننا أن نتعلم فن الاستمتاع بالمرحلة عبر خطوات بسيطة:

• أن نقبل فكرة أن الزمن لن يتوقف، وأن الجمال الحقيقي ليس في الشكل الخارجي بل في العيش الصادق للحظة.

• أن نربي أبناءنا على أن الطفولة ليست عيباً، بل حقاً، لا يُعوض.

• أن نمنح الشباب مساحة للتجربة، بدلًا من تحميلهم هموماً قبل أوانها.

• أن نذكر الكبار بأن العمر لا يُقاس بعدد السنوات التي مضت، بل بكمية الخبرة والعطاء التي يمكن تقديمها اليوم.

المشهد البسيط لطفلين يقلدان الكبار لم يكن عابراً بالنسبة لي، بل كان مرآة. جعلني أرى كم منا يعيش اليوم في غير عمره. كم منا عالق في الماضي أو مستعجل على المستقبل. كم منا يهدر اللحظة الوحيدة التي يملكها الآن؟!

إنها دعوة للتصالح مع أنفسنا. أن نؤمن أن العمر الذي نعيشه هو الأجمل، لأنه الوحيد الذي ما زال تحت أيدينا. فما فُقد قد انتهى، وما سيأتي سيأتي، أما هذه اللحظة فهي الحياة الحقيقية.