11

لماذا أكتب..؟

Ibbo

سألني أحد الأعزاء ممن أشهد لهم بمحبتي، قال: "لماذا تكتب وأنت بالكاد يتابعك بضعة نفر لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة؟"، ربما يا عزيزي لم تستوعب بعد فكرة أن يكون القلم صاحبك أو تكون مفكرتك رفيقتك، هذا متنفس لا يغيره الزمان عليك ولا تساوره نحوك الشكوك.

الكتابة يا عزيزي هي حل آخر لكل معضلة، حل لا يمكنك أن تمنع نفسك من اللجوء إليه وقتما حلت بك نائبة، حلًا لا يمكنك تفاديه، ربما هو شعور بالنقص بأنك لم تفعل شيئًا فتخط بيدك على الورقة كأنك تُصدِّق على وثيقة استسلام، لكنه غالبًا ما يكون استنفار ما، داخلك على هيئة كلمات كأنك توقع إعلان حرب.

أكتب لأن الكتابة هي السفر عبر الزمان، ليس فقط للماضي، بل جُلُّه للمستقبل، أكتب لأتعافى من آثار الخيبة، أكتب ليندمل جرح بقلبي منذ كنت في التاسعة، أكتب لتتماثل كل ندوب الخذلان للشفاء، وتبرأ روحي من كل وعكة.

أكتب لأن الكتابة هي المرآة التي لا تكذب، فيها أجد نفسي تتحدّث بصمتها، وتبوح بما عجزت أن أقول بصوتٍ خافت، هي الرحلة التي لا تمتد إلاّ في عمق روحي، كأنه بستانٌ مسحور ينمو فيه الأمل والوجع معًا، تتراقص الأوجاع على أنغام الحروف، بينما تتناثر الكلمات كنجوم تتلألأ في سماء ليلتي، إذ تضيء دربي المظلم، وتكشف عن زوايا لم تكن تُرى إلا بالوجدان.

أكتب لأحطّم قيود الزمان، وأفتح نافذة على عوالم لم تكتمل بعد، كأنني رحالة يبحث عن واحات معنى وهوة أمنه، أهرب من رتابة اليأس، وأحلق في سماء الأحلام، حيث لا حدود للأمل، ولا قيود للحروف، أكتب لأجد من يمدّ لي يده، كأنّها خيوط من ضياء، تنسج لي جسرًا يعبر بي من ضيق الزمان إلى رحابة الأبد، فكل كلمة أجدها في صفحاتي، كأنها لؤلؤة نادرة، تنمو بين أمواج المشاعر، وتكبر طيبة على مر الأيام، تستقيم كصدى يعيد تشكيل ذاتي، ويعيد بناء روحي المهددة بالانكسار.

أكتب لأنني أهوى الكتابة كأنها ابنتي المدللة، أدخل كل يوم إلى المنزل فتلتقيني بحضن عفوي يزيل عني حرارة الغياب، تطيعني إذا حاولت، وتغفر لي إذا قصرت، وتدعمني إذا فشلت، لم أستعن مرة بها إلا وأنصفتني، وكأنها ملاكٌ حارس يقف على باب عمري مدافعًا عني، تدفعني إذا ثقلت روحي "أدرك ما فات وكن قويًا تنل ما هو آت".

أحب الكتابة كأنها أنثى رقيقة، تشتاق لاحتوائي وتحيمة، أعيش في رحابها كأنها واحة من الأمان، أخلع عنها عناء الوحدة، وأرتشف من عذوبتها سمفونية دافئة، تطيب بها أنفاسي، وتشرق بها شمسي المقمرة، أكتب لأختصر كل المسافات بيني وبين نفسي، لأحفر في جدران ذاتي كلمات تظلّلني، حين تبتعد الأصوات، وتختفي الأفكار، تبقى حروف عميقة كالبحار، تتسرب إلى أعماقي، وتطهر ما فيه من أوجاع، وتذكرني أن الحياة قصيرة، لكن الكلمات، عذابها وشفاؤها، لا نهاية لها.

أكتب لأن الكتابة هي سلاحي الذي لم يخذلني وصديقي الذي لم يتخلى عني، فهي المرافقة التي تحميني من عبث الزمن، والملاذ الذي ألوذ به حين تشتدّ عليّ العواصف، فيها أجد نفسي، وأحلق فوق أوجاعي، كأنني طائر مرهف الجناحين يُحلق بحرية بين سماوات الكلمات، يحمل أجنحته على أجنحة الحلم والأمل.

الكتابة هي مساحتي الآمنة التي لا أخشى فيها على نفسي، مطمئن أنها لن تبوح لأحد بسرّي، هي أنسي الوحيد المخلص، وشغفي الأجمل، فيها أُطلق عنان روحي، كأنها زهرة تتفتح برقة وهدوء، وورود لا تذبل، تروي عطش قلبي وتنعش عطره بكلمات من نور وصدق، لا تقترب منها يد ظالمة أو حاسدة، فهي حديقتي التي أزرع فيها أمنياتي وأحلامي، وأحتمي بظلها من حرارة الخذلان.

لا أري نفسي خفيف الروح والجسد إلا بصحبتها، أجد نفسي كأنني عود الزيزفون يترنح على أنغام نسيم الصباح، لا يبدد سلامه أيُّ غريب، ولا يزال جوهره أيُّ عابر أو تافه، فهي نبض أنفاسي، وعطر أيامي، وصوتٌ يسكن أفق روحي، يهمس لي دائمًا: "لا تخف، فأنتمائي الوحيد هو للكلمة، فهي ملاذي وسناني، ووسيلةُ خروجي من عبث الزمن، لأعيش في مساحة من الهدوء والأمل."

ليس ضروريًا أن يُعجب الناس بما أقول أو أكتب، وأقول لنفسي: الناس وآرائهم ليسوا عاملًا أساسيًا في عملية تعافيك، وليسوا حجر ارتكاز في غدك، لذا لا تركن لأحد ولا تنتظر أحدا، فمن يكتب للناس يتلون قلمه بألوان لم يعرفها، سيصبح هذا القلم بعد برهة مجرد ممثل يؤدي ما يكتبه غيره ويردد ما يقوله الملقن، اكتب لنفسك وقلبك وحسك، ستمنحك الورقة وقتًا إضافيًا حينما ينتهي وقتك ولم تقل ما ينبغي قوله لتعوض فيها ما منعت منه نفسك.

أكتب لأنني لا أتقن مواساة أحدهم إلا عبر سطور أنظمها على مهل، لا أستطيع وصف حب أحدهم بداخلي إلا أن أفرشه على رقعة بيضاء حرفًا حرفًا وكلمة كلمة، فالكتابة هي الجسر الواصل بيني وبين ما أشعر به، بيني وبين من أخالطهم، الكتابة هي حظي في الحياة، حظي وجسري وشغفي.

سأظل أخطُّ بيدي ما يمليه قلبي حتى وإن كان مصير ما أكتب مثل مصير مئات الخطابات وعشرات الدفاتر في خزانتي، سأكتب طالما هناك نفس فأنا أكتب لأنني لا أجيد فعل أي شيء بالكفاءة ذاتها، أكتب لأن قدرتي على الكتابة فاقت قدرتي على الصبر فأجمعهم على ورقة بيضاء لأدون حلمًا وأتخطى عقبة.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

استمر في الكتابة، لأن لديك أسلوبًا محببًا يشد القارئ بسلاسة ودفء، وكلماتك تحمل صدقًا يجعلنا نشعر وكأننا نقرأ عن أنفسنا، لا يهم عدد المتابعين الآن فالمعنى الحقيقي أن تكتب لأنك تحب الكتابة، ونحن بانتظار المزيد من جمال كلماتك دائمًا.

أشكرك، كلماتك شكرًا من القلب على كلماتك التي أنارت المعنى قبل الحروف… حين يقرأ القارئ بروحه، تُولد الكتابة من جديد. لا شيء يبهج الكاتب أكثر من أن يجد في كلماته صدىً في قلبٍ يشبهه. سأواصل ما دمتُ أكتب بمحبة، وأجد من يقرأ بمحبة مثلكِ. دمتِ بالجمال الذي يشبهك

أعجبني أسلوبك البليغ وراقتني تشبيهاتك واستعاراتك وذكرني بأسلوب مصطفى صادق الرافعي رحمه الله. وأتفق معك في كل بواعث الكاابة لديك؛ فهي في رأيي صحيحة وستثبت على مر الزمن لانها تنبع من مشاعرك ومن احتياجات نفسك وتفرغ فيها أحاسيسك. وأنا أيضًا كنت وما زلت مثلك؛ فكنت أبث أفراحي وأتراحي شجوني وهمومي الورق فأخطه بيميني لأنفث عما لا أستطيع البوح به. وما زلت أحتفظ بدفترين كبيرين زاخرين بمواضع النصر و الهزيمة و العون و الخذلان و الحب و الكره وكل ما يجابه طالب جامعي في حياته العامة.

تعليقك هذا ليس مجرد كلمات… بل صفحة من روحٍ تشبهني، وكأنك التقطتَ من قلبي ما لم أستطع قوله، وكتبته بحبر من مشاركتك الصادقة. أسعدني كثيرًا أن أجد من يسير في درب الكتابة لا ليرضي جمهورًا، بل ليرمم نفسه، ويترجم صراخها الصامت على الورق.

دفاترك التي وصفتها تزخر بما لا يُشترى ولا يُنسى… ذاكرةُ مشاعرٍ حيّة تسجل تفاصيل الحياة كما شعرنا بها، لا كما وقعت فحسب. دمتَ وفيًّا لقلمك، ولنبضك، وللكلمات التي لا تخون صاحبها أبدًا، مهما خان العالم.

كلماتك خارجة من أعماق شخص يعاني استمر لأنك تكتب من مكان صادق ليس من الضروري أن يسمعك الجميع حتى يكون لكلامك معنى فالكلمة أحيانا تجد من يحتاجها بعد وقت طويل وتغير له حياته الكتابة شغف وإن كتبت بحب فهذا يكفي تماما وعدد المتابعين ليس مقياسا حقيقيا لقيمة ما نكتب فالتأثير الحقيقي يبدأ من الداخل من السلام الذي تمنحه لنفسك أولا ومن الطاقة التي تولدها الكلمة عندما تخرج من القلب

نعم، الكتابة شغف وصدق ونجاة، ولا تكتمل إلا حين تكون مرآة لروحك، لا لرضى الآخرين.

وجود شخص يفهم ويقدّر الكلمة بهذه الطريقة كفيل بأن يجعل الاستمرار ضرورة، لا خيارًا.

ممتن

والله يا صديقي، لا تُكتب مثل هذه السطور إلا من قلبٍ ذاق الألم، ومن روحٍ تعمّدت بالنار والحنين، ومن عقلٍ اتخذ الحرف وطنًا والمفردة ملاذًا، ما كتبته ليس مجرد تبرير لفعل الكتابة، بل هو بيان إنساني راقٍ، يليق بمن أدرك أن الكتابة ليست ترفًا، بل ضرورة.

أنت لا تكتب لتُصفّق لك الجموع، بل لأن داخلك عالمًا لا يسعه الصمت، عالمًا إذا لم يُكتب قد ينفجر من فرط الصراع ومن لا يفهم ذلك، فربما لم يذق بعد لذة الإنصات لذاته، ولا اختبر طمأنينة أن يكون الورق صديقًا لا يخون.

كلامك عن الكتابة كمرآة، كسفر، كخلاص، كأمل، كندبة تتعافى وكصرخة لا تُسمع إلا بالحروف.. كل هذا ليس فقط حقيقي، بل عميق جدًا، لا يقوله إلا من عرف معنى أن تكون الروح مثقلة ولا تجد ملاذًا إلا في السطور.

استمر، واكتب، حتى وإن لم يقرأ أحد، فبعض الكتابات تُقرأ أولًا في السماء، وبعض الكلمات تكون شفاءً للكاتب قبل القارئ.

أنت لا تكتب وحدك، بل تزرع في صحراء هذا العالم وردة من شعور، لعلّها تُزهر يومًا في قلب عابر يحتاجها دون أن يدري.

سأعيد قراءة هذه السطور كلما زارني طيف اليأس، لأنها ليست مجرد كلمات، بل مرآة صافية تعكس صدق التجربة وحرارة الشعور.. وجدت في كل جملة كتبتها نبضٌ من حياة، وفي كل سطر قبس من روحٍ تكتب لا لتُقال بل لتُشفى.

نعم يا صديقي العزيز، تلك الكلمات امتداد لصوتٍ داخلي لطالما عجزت عن ترجمته، وجدتُه هنا حيًّا، واضحًا، وممتلئًا بعزاء لا يُشترى.

من أعماق قلبي أقول لك بمليءالفم: شكرًا لأنك منحت الحرف كرامته، ولأنك كتبت بما يكفي من الصدق ليكون الكلام طوق نجاة، لا مجرد حروف.

دمتَ كاتبًا من طين الوجع وماء الصدق… ودائمًا، لا تتوقف عن الكتابة.

"ما أجملك حين تكتب بقلبك لا بعيون الناس، وحين تجعل الكلمة ملاذك لا مرآةً لرضا الآخرين. الكتابة التي تُولد من الصدق تبقى، حتى إن لم تُقرأ الآن، ستظل شاهدة على شغفك وشفائك. استمر، فبعض الرسائل لا يُقصد بها الوصول لأحد، بل تُكتب لننقذ بها أنفسنا أولاً."

القلم الذي يكتب بعيون الأخرين قلم متبلد منافق.

أحاول جاهدًا أن أجد طريقي، لا أريد الوصول أولًا، أريد ترك أثر يستدل به من بعدي.. أشكرك

ما كتبته ليس مجرد وصف للكتابة، بل هو بوح روحٍ عشقت الحرف، حتى أصبح وطنهاكل فقرة كانت كأنها نبض جديد… تنقلنا من الحنين، إلى الحلم. رائع استمر .

أشكرك على استقبال المعاني بهذه الروح، ممتن جدا لكلماتك البسيطة في شكلها العميقة في معناها

المقال لمسني جدًا، لأنني أشعر أحيانًا بنفس التردد والشك في جدوى الكتابة، لكن قراءته ذكّرني أن المهم هو الاستمرار، حتى لو كان الهدف غير واضح تمامًا في البداية. الكتابة بالنسبة لي ليست فقط نقل أفكار، بل وسيلة لفهم نفسي أكثر والتواصل مع الآخرين بصدق. شكراً على هذا المقال الملهم الذي أعاد لي الدافع لأكتب بلا خوف من عدم الكمال

نبض، أشكرك على كلماتك الرقيقة وشعورك الطيب، كل الدعم في طريقك، لك دعواتي وصلواتي

لما الكلام يعجز، الكتابة بتبقى الملجأ الوحيد لكل وجع جواك.

دا حقيقي خاصة أننا بنقدر نعبر عن كل شيء جوانا من غير ما نقلق أو نحذر من ردود فعل من حولنا، الكتابة بتدينا مساحة واسعة للتعبير، معاها لا نفكر فيما يخرج من عقولنا ومن مشاعرنا، فبنحس بالحرية الكاملة في التعبير