تتردد نصائح مثل لا تعمل لدى الآخرين واستقل من وظيفتك، وابنِ مشروعك الخاص لتعمل لصالح نفسك، فما إن يطبقها البعض حتى يصطدموا بخسارة كبيرة، الوظيفة والمشروع وتحويشة العمر التي جُمعت عبر سنوات من الجهد والكفاح، ليجد المرء نفسه فجأة في مواجهة واقع قاسٍ لا يرحم المندفعين خلف تلك الشعارات البراقة.

الحقيقة المرّة أنّ ريادة الأعمال وتأسيس المشاريع يتطلبان بنية نفسية وعقلية تختلف تمامًا عن مجرد إتقان مهارة معينة؛ فهي تعني تحمل العبء الكامل للمخاطرة وإدارة الأزمات، والعمل العميق والمستمر لساعات طويلة دون مظلة أمان مالي أو راتب ثابت. الوظيفة ليست عيبًا؛ ولكنها ركن أساسي في المنظومة الاقتصادية، وهناك شخصيات تصل إلى ذروة إبداعها وإنتاجيتها عندما تعمل ضمن نظام إداري واضح يتيح لها التركيز في تخصصها الدقيق دون الغرق في دوامة الحسابات والتمويل. فصراحةً لم أستطع أن أفهم يومًا ذاك التوجه الذي يحقّر من الوظيفة في سبيل رفع قدر ريادة الأعمال.