العمل من أجل العمل ... من ملك القطن ليوسف إدريس

قمحاوي مزارع بسيط يعمل لدى السنباطي أفندى في زراعة القطن وكل عام يبخسه الأفندي حقه ثم حتى لا يعطيه إياه، ويقوم بدلًا من تسليمه المال المتبقي بعد الخصومات بتدوين حساب القمحاوى استعدادًا لموسم الزراعة الجديد وما سيتطلبه ذلك من مال! فيثور قمحاوي كل عام وبعدها يستكمل العمل بشكل عادي ويخاف على القطن كأنه ملكه.

هناك الكثير من الأشخاص مثل قمحاوي يعملون من أجل العمل فقط لا من أجل التقدم ولا التطور ولا زيادة المال، مثل ذلك الشاب أو الرجل الذي يعمل بوظيفة ما ويكون دخله منها موازيًا لما يصرفه هو في المواصلات ووجبات الطعام أثناء مناوبته، أو البنت التي تعمل بأجر يساوي أو أقل مما تصرفه على ملابس للعمل ومواصلات ومع ذلك يستمروا بالعمل! حتى أن بعضهم قد يشتكي أو يتذمر أو يصف صاحب العمل بالظالم ومع ذلك يستمروا بالعمل ويذهبوا إليه كل يوم! فما هو تفسيركم لهذا السلوك وذلك التصرف؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أعتقد أنه سلوك طبيعي، فالعمل عموما بغض النظر عن مدى ربحيته يكون وسيلة ليشعر الشخص ان له قيمة وأنه ليس عالة، وبالتالي تكون حياة الفرد وتقديره لذاته وهويته عموما مرتكزة حول عمله، ولذلك فحتى اذا لم يكن العمل مجزي ماديا فسيظل الشخص متمسك به لأنه من دونه سيشعر بالضياع وانعدام الوجهة

نعم العمل يُشعرنا بالقيمة ولكن حينما لا يغطي احتياجاتنا أو بالكاد يغطيها ويظلمنا صاحب العمل ويبخسنا حقنا ونظل معه سنين بعد سنين فنحن ليس لدينا أي ذرة من إحساس أو حتى تقدير لأنفسنا. هذا اسمه استعباد لدى صاحب العمل حينما يعمل الإنسان بلقمته فقط ولا يكون هناك فائض يستثمره ليرقى هو بنفسه وظروفه ولا يظل في أسر الوظيفة طوال عمره.

لكن ماذا عن الحياة والمعيشة والمسئوليات؟ خاصةً لو كان ذلك الشخص أبًا لديه أبناء، أليس ذلك فيه ظلم لهؤلاء الأبناء؟

هناك الكثير من الأشخاص مثل قمحاوي يعملون من أجل العمل فقط لا من أجل التقدم ولا التطور ولا زيادة المال

هذا نسميه يعمل لله والوطن وليس له هو لا ناقة ولا جمل اللهم إلا اللقمة يسد بها جوعه. ولكن هناك من يسأل وماذا يفعل إن تركه ولم يجد غيره؟ الحل برأيي في الوعي بالحقوق وهو ما يصنع الفرق فحينما يرفض الجميع سلوك أصحاب العمل مع العمال يرجعون إلى الحق ويعطونهم ما يجعلهم يحيون حياة كريمة بحيث يكون هناك فائض من الوقت لهم ومن المال للإستثمار لاحقاً. فليس من المعقول أن يظل أحدنا في أسر الوظيفة طوال عمره!

أتفق معك، وهذا في الغالب نوع من عبودية العصر الحديث أيضًا، الغريب أن بعض من يقول ماذا أفعل لا يوجد عمل غيره أو كل الوظائف هكذا هم أشخاص لا يبحثون بالأساس عن عمل آخر أو وظيفة أفضل أو على الأقل لا يسعون بجدية، وكأنهم اعتادوا على وضع معين وجدوا فيه راحتهم وسكنوا.

هذا أفضل شرح لمقولة جورج أورويل: "العمل الذي يكفيك للأكل والشرب والنوم كان في الماضي يسمى العبودية".

ما حدث فعلاً هو تغيير مصطلحات لتصبح أكثر إقناعاً، حيث يغرق الكثير في العمل حتى لا يبقى لهم وقت للتفكير فيما إذا كان هذا هو العمل الذي يريدونه أو الحياة التي يريدونها. وغالباً ستجدهم يقنعون أنفسهم بأن الوضع سيتغير، وكأنه سيتغير من تلقاء نفسه.

ربما ليست المشكلة في العمل نفسه، لكن في ما نفتقده من المعنى وراءه. فالعمل لا يصير عبودية إلا حين نفقد وعينا بهدفنا منه، أو حين نعمل لمجرد البقاء. كثيرون يرون العمل حملاً، بينما آخرون يجدوا فيه فرصة لاكتشاف نفسه، حتى وسط الروتين و التعب. أعتقد أن الخطورة ليست في كثرة العمل، لكن في أن نحيا دون شغف أو وعي. من خلال تجربتي، أدركت أنه عندما يكون لعملي قيمة تتجاوز الأجر، حتى يتغير إحساسي تمامًا. أصبح العمل بالنسبة لي مساحة للنمو، لا مجرد طريق للبقاء.

مجهول
  • حذف بواسطة المستخدم

كنت قرأت من قبل أن أحد أسباب تحرير العبيد بعد الثورة الصناعية هو التخلص من أعباء العبيد ومصاريفهم وتحويلهم لأيدي عاملة ثم لمستهلكين يشترون منتجات أصحاب المصانع، وهذا للسخرية ما أجده مستمرًا للآن.

وغالباً ستجدهم يقنعون أنفسهم بأن الوضع سيتغير، وكأنه سيتغير من تلقاء نفسه.

وكيف سيتغير وهم لا يفعلون أي شيء؟!

أعتقد أن لا يعمل قمحاوي ولا غيره طمعًا في الأجر فقط، لكن بدافع أعمق يرتبط بالإحساس بالمعني. فهناك من يواصل عمله ليس لأن العائد مجزٍ، لكن لأن العمل نفسه أصبح جزءًا من هويته، من إيقاع يومه الذي يمنحه شعورًا بالانتماء و الثبات. كثيرون يجدون في العمل طوق نجاة نفسيًا ليس يمكن الاستغناء عنه، حتى إن كان العائد محدودًا، لأن التوقف يعني مواجهة فراغ أكبر من وقت عابر بلا شغل.

بالنسبة لي، فمررت بتلك الحالة يومًا حين استمررت في عمل لم يمنحني الكثير ماديًا، لكني أدركت لاحقًا أنه كان يمنحني ما هو أعمق: شعورًا بالطمأنينة وبأنني ما زلت أتحرك نحو شيء، مهما كان بسيطًا.

في حالة قمحاوي هنا هو فقير أو معدم، فحتى لو شعر بالمعنى فكيف سيعيش هو وغيره، وهل من المعقول أنه لا يدرك أن صاحب العمل يستغله؟

كثيرون يجدون في العمل طوق نجاة نفسيًا ليس يمكن الاستغناء عنه

لكن ماذا لو تم الاستغناء عنه هو وخدماته شخصيًا؟

ليس الهدف من العمل دائمًا تحقيق الطموح أو السعي وراء الشغف، بل في كثير من الحالات، يكون العمل وسيلة لملء الفراغ، والشعور بالقيمة، أو تفادي الشعور بالندم على ما فات. فالعمل، كما تقول بعض مفاهيم الموارد البشرية، لا يرتبط فقط بالدخل، بل أيضًا بـ الحاجة إلى الانتماء، وتقدير الذات، والإحساس بالاستقرار.

لكن الحقيقة أن ليس الجميع يملك رفاهية الأمان الوظيفي أو الحرية المالية. البعض بالكاد يُلبي احتياجاته الأساسية، بل إن الأمر يصل أحيانًا إلى الوقوع في دوامة الديون، لا بسبب الترف، بل نتيجة التضخم وغلاء المعيشة.

عندما قلتي "أفندي"، فأنت تشيرين ضمنًا إلى مجتمع تُحدّد فيه مكانتك الإجتماعية بناءً على الأسرة التي وُلدت فيها، لا على قدراتك أو اجتهادك.

وبالتالي، يصبح صعبًا - إن لم يكن مستحيلًا _ أن تنتقل من طبقة اجتماعية لأخرى. نحن أمام نظام يُكرّس الطبقية، ويقيّد الحراك الاجتماعي.

أما الرجل الذي يُعادل دخله مصاريفه الشهرية، فهو حالة نادرة اليوم. وإن وُجد، فهو في أفضل الحالات يعيش على الحد الأدنى من التوازن المالي. وهذا التوازن قد ينهار عند أول طارئ أو التزام إضافي.

أما الفتاة، فربما تفكر بمنطق مختلف، لأنها غير ملزمة شرعًا بالنفقة، لكن سعيها للعمل ليس دائمًا بدافع الاستهلاك أو الترف، بل رغبة في ستر نفسها، وتقليل اعتمادها على الآخرين، ليس من باب الندية بقدر ما هو نوع من المساندة في مواجهة أعباء الحياة، خاصة في ظل غياب الأمان الاقتصادي للكثير من الأسر.

لدينا رجل مكبل بالالتزامات، وامرأة لا تريد أن تكون عبئًا، وشاب يعيش في نظام لا يمنحه فرصة الصعود.

وإذا دققنا النظر، نكتشف أن المشكلة ليست في اختياراتهم، بل في غياب البدائل.. وحتى إن وُجد البديل، فقد تكون تكلفة تغييره أعلى من تحمّلهم. هذه الفئة لا تتحدث عن عملها في أيام العطل هذا إن وجدت، ولا تُشارك في نقاشات ما هو شغفك؟ أو ما العمل الذي تحبه؟، لأن الواقع يُملي عليهم خيارًا واحدًا، العمل الذي يُبقيك واقفًا أفضل من البطالة التي تُفقدك كرامتك. وقد يكرهون وظائفهم، قد يشعرون بالإرهاق، لكنهم يدركون أن الحد الأدنى من الاستقرار، أحيانًا، هو كل ما يمكن الحفاظ عليه.

كل هذا جميل ولا أنكر أن العمل له أسباب أخرى غير مادية مثل الشعور بالقيمة وتحقيق الذات، لكن لنتحدث بواقعية، أغلب الناس حول العالم وليس فقط في العالم العربي ليس لديهم رفاهية العمل من أجل العمل أو حبه أو تحقيق الذات بل يكافحون من أجل لقمة العيش، وهل شخص مثل قمحاوي هنا يملك أن يعمل من أجل تحقيق ذاته فقط؟

لست على دراية كاملة بالقصة لكن في النظام الأستقراطي ليس هناك فرصة لتنتقل من مكانة اجتماعية لأخرى.

شخص مثل قمحاوي، وأرجو التوضيح، أين يمكن ان يحقق جزءا من ذاته وفق هذه الضروف.

في القصة قمحاوي مزارع عند الأفندي يزرع له الأرض كل عام وبدلًا من أن يعطيه الأفندي أجره يحتفظ به معه من أجل مصاريف زراعة الموسم القادم! لكن قمحاوي يحب الزراعة ويرفض أن يعمل أحد في القطن بدلًا منه وكأنه ملكه لكنه في الحقيقة ليس ملكه ولا يستفيد منه بشيء يذكر.

أرى أن استمرار الناس في العمل رغم ضعف العائد يعتمد في الأساس على طبيعة كل شخص وظروفه الخاصة. فهناك من يعمل بدافع المسؤولية، لأنه مضطر لتوفير احتياجات أسرته أو الالتزام بمصاريف ثابتة، فيرى أن أي دخل، مهما كان بسيط، أفضل من لا شيء. فلكل شخص أسبابه الخاصة التي تدفعه للاستمرار، لكن المشترك بينهم جميعًا هو الإحساس بأن العمل ضرورة لا يمكن التخلي عنها بسهولة.

برأيي، إننا نفهم معنى العمل بطريقة خاطئة، فكثير من الناس يُكملون في عملٍ مثل ذلك وهم عالقون فيه كنوعٍ من الأمان، دون أن يدركوا أن هذا الأمان وهمٌ زائف. فالعمل من دون وعي يشبه الدوران في عجلةٍ لا تصل إلى أي مكان. لذلك، ما نحتاجه حقًا هو شجاعة التوقف وسؤال أنفسنا هل هذا العمل يضيف شيئًا إلى حياتنا أم يستهلكها فحسب؟ المشكلة ليست في العمل نفسه، بل في أن نفقد القدرة على رؤية ما بعده.

وصفه بالقهر، بقلة الحيلة، بالظلم البين وغياب العدالة

اصفه بالسخرة والعبودية المعاصرة

منتهى البخس لقيمة الإنسان وحياته

ولكن لمصلحة من!

لمصلحة المليونيرات والمليارديرات

لتعيش قلة قليلة على عرق وجهد الملايين من الناس

هذا ظلم بالتأكيد، لكن ألا يشارك الموظف في هذا الظلم بنفسه عندما يختار العمل بوظيفة تبخسه حقه؟

انتى محتاجة تقنعى جميع الموظفين بذلك، وهذا ما لن تستطيعى فعله، وإن استطعتى فسيكون نظريا لن ينتقل إلى سلوك عملى،

الخلاصة: أن السيطرة الرأسمالية هى سيطرة فكرية ونفسية فى الأساس مدعومة بواقع مسيطر يرى يرى الموظف أو العامل نفسه ضعيف جداً أمام محاولة تغيير هذا الواقع