في البدايات، تكون الثورة نارًا عالية،
صوتًا مرتفعًا، واندفاعًا لا يعرف الحساب.
نثور لأننا غاضبون،
نصرخ لأننا نريد أن نكسر كل شيء دفعة واحدة،
ونظن أن شدّة الصوت تعني صدق الموقف.
لكن النار التي لا تتعلّم الانضباط
إما أن تُطفأ…
أو تحرق صاحبها.
مع التقدم في العمر، لا يحدث الأفول تلقائيًا،
بل يحدث الفرز.
بعضهم يتعب،
لا لأن الحق تغيّر،
بل لأن الطريق كان أطول مما تخيّل.
فيتحول من ثائر إلى متكيّف،
ومن صاحب موقف إلى صاحب تبرير.
هنا لم تمت الثورة…
بل انكسر حاملها.
وبعضهم الآخر ينضج.
تخفّ حدّة الصراخ،
لكن تشتدّ صلابة المعنى.
تتحول الثورة من انفعال إلى وعي،
ومن ردّ فعل إلى اختيار،
ومن ضجيج إلى ثبات طويل النفس.
الثائر الناضج لا يلوّح بقبضته دائمًا،
ولا يستهلك نفسه في كل معركة.
يعرف متى يتكلم ليصيب،
ومتى يصمت ليحفظ الاتجاه.
لا يبحث عن التصفيق،
بل عن الأثر الذي يبقى.
الحقيقة القاسية أن كثيرين لم يكونوا ثوريين أصلًا،
كانوا غاضبين فقط.
والغضب يهدأ مع الزمن،
أما القيم… إن كانت حقيقية،
فلا تهدأ، بل تتجذّر.
لهذا،
النَّفَس الثوري لا يتلاشى مع العمر،
إنما يتخلّص من الزوائد.
ومن بقي ثائرًا بعدما فهم التعقيد،
ورأى الخسارة،
وتذوّق التعب،
واختبر التناقض…
فهذا ليس مراهقًا في موقفه،
بل إنسان قرر أن لا يصالح الظلم،
حتى وهو يعرف كلفة ذلك.
التعليقات