تمهيد:
منذ أن تفتّحت أعين البشرية على مفاهيم الحكم التشاركي، والتداول السلمي للسلطة، والحقوق المدنية، وُلدت فكرة الديمقراطية كأمل إنساني كبير، بل كحلم سياسي يُنقذ المجتمعات من طغيان الفرد وهيمنة السلاح وسطوة العسكر. غير أن التاريخ، والواقع، والدراسات، والممارسات اليومية، بدأت تسحب شيئًا فشيئًا هذه الهالة المثالية عن الديمقراطية، وتعيدها إلى طاولة التفكيك والنقد الجذري. فهل الديمقراطية اليوم تعني حقًّا تمثيل الإرادة الشعبية؟ أم أنها أُفرغت من مضمونها، وصارت أداة تجميلية لاستبداد أكثر تعقيدًا؟
-في أصل الفكرة... الديمقراطية كقيمة لا كإجراء...
إن اختزال الديمقراطية في صندوق اقتراع، أو يوم انتخابي، هو خيانة فلسفية لأصل الفكرة. فالديمقراطية، كما تبلورت في الفلسفات السياسية، من أفلاطون وأرسطو إلى لوك وروسو وهابرماس، ليست آلية ميكانيكية، بل هي بنية أخلاقية قائمة على أربعة أعمدة لا تستقيم بغياب أحدها: حرية التعبير، وشفافية المعلومة، واستقلال القضاء، ومحاسبة السلطة.
حين تُقصّ أجنحة هذه القيم، وتبقى الآلية الانتخابية وحدها، فإن الديمقراطية تتحوّل إلى ما سمّاه الفيلسوف الكندي شارلز تايلور بـ"العبث المنظّم"، حيث تُستخدم أدوات الحرية لشرعنة هيمنة نخبوية مغلقة، تدير اللعبة وتتحكم في قواعدها...
وفي هذا السياق، كتب جون كين، في كتابه "الديمقراطية ومراقبة السلطة" (2011)، أن أخطر ما تواجهه الديمقراطيات المعاصرة هو "التحوّل من تعددية سياسية إلى احتكار مؤسسي من قبل شبكات المصالح، تحت ستار الشرعية الانتخابية".
-الإعلام...
في الأنظمة الشمولية، يُستخدم القمع المباشر لقمع المعارضين وتوجيه الرأي العام، بينما في الديمقراطيات الحديثة، أصبحت وسائل الإعلام المملوكة للنخب الاقتصادية والسياسية، هي السلاح الأكثر تأثيرًا في صناعة الوعي الجمعي وتوجيهه. قال نعوم تشومسكي: "في الديمقراطيات الغربية، تلعب الدعاية نفس الدور الذي تلعبه الهراوة في الأنظمة القمعية".
وقد أثبتت دراسة نُشرت في Journal of Communication عام 2016 أن الناخبين الذين يتعرّضون بانتظام لوسائل الإعلام المتحيزة، يُظهرون معدلات أعلى من "الانحياز التأكيدي" (confirmation bias) و"التحزّب الأعمى"، مما يجعلهم غير قادرين على تقييم الوقائع أو التفريق بين الحقيقة والبروباغندا. في دراسة أخرى أجرتها جامعة ستانفورد عام 2018، وُجد أن 62% من الأمريكيين لا يستطيعون التمييز بين الأخبار الحقيقية والمحتوى المروّج، خصوصًا على منصات التواصل الاجتماعي.
-العراق...
بعد عام 2003، تَبنّى العراق نظامًا ديمقراطيًا نيابيًا كان يُفترض أن يُعيد للناس حقهم في تقرير مصيرهم بعد عقود من الاستبداد. لكن الذي حدث أن الديمقراطية جاءت بلا ديمقراطيين، وبلا مؤسسات راسخة، وبلا عقد اجتماعي جديد. فكانت النتيجة ما نراه اليوم: انتخابات تُدار بمنطق الغنيمة، تحالفات تُبنى على الطائفة لا على البرامج، مرشحون تفرضهم العشيرة أو الميليشيا أو رأس المال، وصندوق اقتراع تحرسه البندقية لا الضمير.
وقد رصدت بعثات الأمم المتحدة لمراقبة الانتخابات في العراق، كـ"يونامي"، مجموعة من الانتهاكات في انتخابات 2010 و2014 و2018 و2021، تتراوح بين التزوير الصريح، والتأثير غير المباشر عبر توزيع الأموال والتهديد بالسلاح، إلى شراء الذمم الإعلامية، بل وتضييق الخناق على المرشحين المستقلين. في انتخابات 2021، بلغ حجم العزوف الشعبي مستويات غير مسبوقة، حيث أعلن المفوضيّة أن نسبة المشاركة كانت 41%، لكن منظمات مستقلة قدّرتها بما لا يزيد عن 20%. ما يدل على أن الشارع العراقي بدأ يدرك أن الديمقراطية الشكلية لا تُنتج تمثيلًا حقيقيًا.
في التجارب الديمقراطية الهشّة، كما هو الحال في العراق، تتحوّل النخبة الحاكمة إلى طبقة مغلقة تتناوب السلطة فيما بينها، وتمنع أي اختراق من خارج الدائرة. وهذه الظاهرة ليست محصورة بالعراق فقط؛ فقد لاحظت دراسة نُشرت في مجلة Comparative Political Studies عام 2019 أن كثيرًا من الديمقراطيات الناشئة تُظهر ما يُعرف بـ"الاحتكار التعددي"، حيث يبدو النظام تعدديًا من الخارج، لكن داخليًا تتحكم فيه حفنة من الأحزاب أو الشخصيات المتحالفة مع المال والسلاح.
في العراق، نرى هذا بوضوح...
عندما يُسحق المواطن بين يأس الواقع وسقف التوقعات المنخفض، يتحوّل من "ناخب حر" إلى "مستهلك سياسي"، يُمنح دورًا شكليًا في المسرحية، دون أن يكون له تأثير حقيقي في القرار أو السياسات. وقد ناقشت الباحثة نانسي فريزر في كتابها العدالة المُجزّأة كيف أن الديمقراطيات الليبرالية تُعيد إنتاج اللاعدالة، من خلال التلاعب بفكرة التمثيل والشرعية، وجعل المواطن يقبل بالفتات على أنه خيار حر.
إن المواطن العراقي، الذي يرى أن صوته لا يُغيّر، وأن المتهم بالأمس يصبح وزيرًا اليوم، وأن الفاسد يُعاد تدويره باسم "المصالحة"، يشعر بالعجز، فينسحب، فيسهل التلاعب به أكثر، فيدخل في حلقة مغلقة من التكرار واليأس.
نحو مساءلة الديمقراطية لا تبجيلها...
لقد آن الأوان ألّا نتعامل مع الديمقراطية كطوطم مقدس، ولا كمعصومة عن الفشل، بل كمشروع إنساني يجب أن يُراجع، ويُنقد، ويُعاد تشكيله.
الديمقراطية ليست ناجحة بذاتها، بل بمقدار ما تُنتج من عدالة وكرامة وحرية. وإذا لم تكن قادرة على ذلك، فإن استمرارها يصبح خطرًا لا خلاصًا.
العراق لا يحتاج إلى صناديق اقتراع فقط، بل إلى نهضة وعي سياسي، وإعلام مستقل، وقضاء نزيه، وقوى مجتمعية تُحاسب قبل أن تنتخب....
التعليقات