لماذا لم نعد نتقن مهارة الحياة؟

إذا خرجنا وألقينا نظرة على الباعة في الطريق أو ذهبنا لمصلحة حكومية ورأينا الموظفين أو حتى ذهبنا لحديقة من أجل نزهة، سنرى وجوه مغلقة بعضها ظاهر عليه انطفاء الحياة، وبعضها يتصنع السعادة تصنعاً.

سنعرف حينها أننا لم نعد نتقن مهارة الحياة ولم تعد تملأنا الراحة النفسية والعقلية، لم نعد متفائلين بخصوص المستقبل ولا راضين عن الحاضر، ولا تحركنا آمال المستقبل.

لفت صديقي المهاجر نظري إلى ذلك عندما حكى لي بدهشة أنه يقابل أناس راضين عن الحياة مبتهجين في كلامهم وتظهر عليهم السعادة، وأندهش أكثر عندما ذهب مصلحة حكومية ووجد موظفين راضين عن أنفسهم وعن الحياة ويعاملون الجمهور بابتسامة ولطف مستمر!!

قال شوبنهاور أن طبع الإنسان هو من يحدد سعادته، وأن صاحب الطبع السعيد سيكون سعيداً أينما ذهب وارتحل، لكن كذلك صاحب الطبع المنطفئ سيظل منطفىء مهما امتلك وأينما حل، حتى لو أعطته الدنيا عطايا يحلم بها كل الناس.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

يا جورج شوبنهار أو غيره لا أحد يعرف مرارة الحياة طالما يظل مبتسم بها، أنا بصراحة تزعجني وتغضبني هذه الفلسفة وتلك الرؤية.

دعني اخبرك لماذا هم هناك سعداء أكثر، الراتب غالبا مناسب فيكفي لآخر الشهر... يتزوج عادي كحق طبيعي ممكن، يعمل حتى لو في غسل الصحون فيعيش بهذا الراتب حياة جيدة، هناك لن يحصل على مخالفة عدم ربط الحزام لأنه مواطن ويعفى من ذلك وزير أو فنان، وهناك لن يشتري الفاكهة بسعر ويجدها في متجر اخر ارخص، وهناك يا جورج لو احتاج أن يصبح سعيد سيعرف، لكن أنا ولله متأكد أنك أنت نفسك يا جورج لست سعيد ولا تعرف ما الذي تفعله في حياتك وكيف وصلت لهذه السن وانت يوم بعد يوم تتنازل عن حلم من احلامك وتعري نفسك من ثياب الإنسانية.

هات شوبنهار يعيش هنا يوم وانظر رأيه يقف معنا على نفس الصفيح العفن الساخن ثم يريني كيف يرقص من السعادة لا من الألم

كلامك كئيب لكنه للأسف واقعي، بالنسبة للراتب عندنا نحن المعلمين، يُخصم نصفه بمبررات غريبة كل شهر، والأغرب أن حقوقنا لا تستعاد إلا بعد رفع قضايا وتحمل تكاليف المحامي.

الحياة اليومية هنا صعبة والابتسامة أحيانًا لا تكفي لإخفاء العبء الكبير الذي نحمله. ربما شوبنهاور نفسه لو عاش هنا يومًا، كان سيجد أن مرارة الحياة ليست مجرد فلسفة، بل واقع ملموس يختبره الجميع بلا استثناء.

لكن حتى لو تضاعف المرتب، هل ستأتينا وقتها السعادة وقد نضطر لقضاء أيام كاملة في مصلحة حكومية حتى نجدد رخصة أو نستخرج شهادة؟

لا أظن السعادة تأتي ونحن نرى أحياناً كثيرة قانون الغاب يسود في الشوارع، ونرى مخالفات وإزعاجات في كل مكان.

لكن على الأقل لو تضاعف المرتب، يمكننا أن نختصر المعاناة ونطلب الخدمة المستعجلة، ونمر من الطابور كله وكأننا VIP 😆 بدل أن نقضي أيامًا كاملة نرقب القانون الغاب في كل زاوية ونستنشق الإزعاج! هكذا على الأقل سيكون التضاعف مفيدًا بشكل عملي، حتى لو السعادة الحقيقية ما زالت تنتظرنا في مكان آخر.

ليس بالضرورة على الإنسان أن يعيش كئيبًا، قد تكون أسباب ردعه عن السعادة قوية ولكن من رأيي السعادة خيار للإنسان، أشبه بمعاندة الحياة

فبدلًا من البكاء كل يوم على ظلم الحياة أو كره العمل، يمكن للإنسان أن يفرض بعض السعادة على يومه بتجربة شيء مختلف ولو مرة واحدة في اليوم، إذا حاول الإنسان فعل شيئ خارج عن نطاق راحته ك التحدث إلى أحد الماريين، محاولة الإبتسام كل اليوم سيشعر أنه انجز شيئًا في يومه وسيشعر ببعض السعادة

قد تكون سعادة مؤقتة، ولكن جمع لحظات السعادة المؤقتة كل يوم أفضل بكثير من انتظارها بلا أي حركة.

ayaavo أضف ردا

أتفق معكِ أنها خيار لكن أحيانا، الحياة ليست عادلة وذلك العامل البسيط مثلًا لا يوجد وقت للبكاء أصلا على ظلم الحياة، للأسف الوجود في بيئات معينة، قد يجعل الإنسان مجبرًا لوقت طويل وليس الجميع لديه الخيار مئة بالمئة.. أظن أن الرضا هو الأهم رغم أي ظروف وسيخلق نوع من السعادة

قد يعاني الغني أيضاً من مشاكل حتى لو بدت تافهة لنا، فالغني يمكن أن يفتقد للأصدقاء، أو يفتقد لحياة أسرية سعيدة حيث لا يجد وفاق بينه وبين أهله، أو يعاني من عقوق أبنائه، أو يعاني من عدم محبة من يحبهم..

هناك أسباب إنسانية كثيرة قد تمس الأثرياء ومن المؤكد أن حياتهم ليست هينة في كل جوانبها، لكن قد يكون الفرق أنهم مقبلون على الحياة ولا يتوقفون طويلاً للحسرة على الضائع منهم.

المرتبات هناك فيها الضعيف جداً، والأسعار غالية خصوصاً السكن والباقي من المرتب قد لا يكفي للترفيه ولا السفر، لكن أظن أن النظام يهون عليهم، فوسائل المواصلات نظيفة متاحة بدون زحام وهناك غرامات باهظة على أي إزعاج إنساني أو عدم مراعاة نظافة أي مكان، المصالح الحكومية عالية الكفاءة بموعد مسبق لا تجد فيها طوابير ولا محسوبية ولا رشاوي، برأيي أن وجود نظام وأخلاقيات يفرق كثيراً حتى لو لم يكن الثراء من نصيب الجميع..

هذا له علاقة كبيرة ب غياب الهدف والتحرك نحو المستقبل الذي ذكرته أنتَ.

الوجه المنطفئ هو وجه يائس لأنه يرى جهده اليومي بلا معنى أو تأثير على مستقبله. عندما يرى الموظف الذي يعمل بابتسامة في الخارج أن جهده اليوم سيؤدي حتماً إلى ترقية أو تقاعد آمن، فإن هذا يمنحه هدفًا ودافعًا يحركه.

انطفاء الحياة هو نتيجة مباشرة لـ الروتين العدمي الذي أفقدنا الرؤية المستقبلية.

دعينا لا ننسى أن الإنسان طبعه الطموح والمقارنة في كل مكان، فبينما عندنا قد يكون الموظف طبقة متوسطة أو فقيرة بالنسبة للأثرياء، فهناك أيضاً يوجد أثرياء يجعلون من الموظف هو الطبقة المتوسطة أو الفقيرة..

ولو كان الموظف هناك سيرضى بنصيبه ويقول الحمدالله لأنني لست موظف في بلاد شرقية، لكنا سنقول الحمدلله لسنا نعاني من مجاعة، الإنسان طبعه الطموح وعدم الرضى في كل مكان.

إذا خرجنا وألقينا نظرة على الباعة في الطريق أو ذهبنا لمصلحة حكومية ورأينا الموظفين أو حتى ذهبنا لحديقة من أجل نزهة، سنرى وجوه مغلقة بعضها ظاهر عليه انطفاء الحياة، وبعضها يتصنع السعادة تصنعاً.

اليوم وأنا عائدة من العمل، ركب إلى جانبي في الترامواي شيخ يبدو في السبعين أو أكثر، مع أنه لم يكن طاعناً في السن جدا- على اعتبار أن السبيعن اليوم لم تعد عمراً كبيراً جدا وكثير ممن هم في هذا العمر يبدون في هئية معقولة- لكنه كان متبعاً جدا من الحياة، تجاعيد غائرة جداً، تعكس أضعاف عمره، وظهر مكسر، عيون حزينة، ملابس مغبرة، بعد لحضات ألتفت إلى الشيخ فإذا به يبكي وحيداً بينه وبين نفسه، بغير دموع أو صوت، كنت أستيطع أن أرى كتفيه يرتعشان من الحزن، آلمني منظر الشيخ بل وأفسد يومي كله، أصبحت أسأل نفسي، هل الحياة أصبحت قاسية علينا، أم نحن من قسينا على أنفسنا لسبب ما، لماذا كان إنسان الغاب العاري بين الأشجار أسعد منا وأكثر منا حرية وصحة، بينما اليوم نحن في أوج الحضارة والرخاء تعساء مقهورون؟

osamagamal164 أضف ردا

وهذا بعينه كان الهدف من الإستعمار، أن تترك أمة ضائعة غارقه في مآسيها لا تبصر النور.

نعم هذا حالنا، أحسنت بوصفه، وماذا بعد؟! لن يتغير شئ بالتشاؤم بل بالإيجابية، والإيجابية هنا ليست ترديد كلمات رنانة أو إطلاق وعود بعيدة المدى، بل أن ندعوا للعمل وأن نصفق لأي عمل صغير إيجابي وندعمه. فكما قيل(أن تضيء شمعة صغيرة خير لك من أن تنفق عمرك تلعن الظلام)

لذلك أنا عن نفسي دائما ما اتفائل، وابحث دائما عن الأعمال الإيجابية في محيطنا وحتى في مصر مؤخراً هناك أحداث كثيرة إيجابية تتطور فيها البلد على المستوى السياسي والاقتصادي السياحي والصناعي وغيره، ونشهد عصر جديد من التحول في ريادة الأعمال ونستقطب استثمارات كبيرة جدا في مجالات مهمة.

كل هذا سينعكس شيئا فشيئا على الشعب ويعيد الأمل والتفاؤل لدى الناس.

ومن ناحية ثقافية، التفاؤل يعرفه جيدا قارئ التاريخ، ويبصره في أصغر الأشياء فكما قال الدكتور مصطفى محمود(الذي يقرأ التاريخ لا يدخل اليأس لقلبه أبدا).

ومن ناحية دينية إسلامية يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم "تفائلوا بالخير تجدوه".

ويقول الله عز وجل في كتابه(فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ)

[سورة الصافات 87]