احتمال العيوب يومًا بعد يوم

الطاولة والكوب المكسور

في المطبخ، حيث تمرّ الحياة اليومية بلا توقف، كانت الطاولة الخشبية تقف بثبات، تحتها أرجل غير متساوية قليلاً، وفوقها كوب خزفي مكسور الحافة، ما زال يُستخدم رغم كل شيء.

قال الكوب، وهو يختل قليلًا عند كل لمسة: "أشعر أنني لم أعد صالحًا." ردّت الطاولة، بنبرة مطمئنة: "لكنك ما زلت تُملأ… وهذا يكفي." تنهد الكوب: "كل من يشربني، يغير يده كي لا تلمس الكسر." أجابت الطاولة: "ورغم ذلك، لم يرموك." صمت الكوب لحظة، ثم قال: "هل البقاء رغم العيب… حب؟ أم مجرد عادة؟" قالت الطاولة، ببطء: "الحب لا يعني الكمال… بل احتمال العيوب يومًا بعد يوم، دون أن تذكرها."

في تلك اللحظة، وضع أحدهم الشاي داخل الكوب… ووضعه بلطف على الطاولة.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

قد يكون احتمال العيوب حبا بالفعل، وقد يكون مجرد تَعوُّد على روتين هادئ، يقي من الانفتاح على المجهول. في الواقع، لا شيء يُحتفظ به دون أن يكون له دورا في حياة مَن يحتفظ به. ولا أحد يُبْقَى عليه في شراكة ما، دون أن يكون لحضوره ضرورة ما في هذه الشراكة.

الأشياء تكمن قيمتها في رمزيتها ومعناها المعنوي، ولا يمكن اختزالها في قيمتها المادية فقط. لهذا، إذا احتفظ أحدهم بكوبه المكسور، فذلك لأنه يحمل ذكرى عزيزة لا تُنسى في وجدانه. لكن هذا المبدأ لا ينطبق على الأشياء التي لا تحمل تاريخًا مشتركًا مع صاحبها.

الأشياء أو الأشخاص يحملون قيمة مادية ومعنوية تتحدد وفق أهوائنا ومصالحنا.

قد يحتملون عيوبك حتى يصل البديل الجديد حينها سيتم الاستغناء عنك أو حتى وضعك في المقاعد الاحتياطية في أحسن الأحوال ، تمام مثل هذا الكوب مازالوا يستعملونه حتى يصل كوب جديد، وربما بعد أن يصل يتم إلقاء الكوب المكسور في أقرب سلة مهملات!

الأسوء من أن يكون أحدهم عاجزا عن فعل أمر ما رغم ما يبذله من جهد هو أن يكون البديل، لسنا بالضرورة ملزمين بالبقاء أو المغادرة، نحن ملزمون بمعرفة من نكون، بعدها يأتي ذلك القرار.

نحن ملزمون بمعرفة من نكون، بعدها يأتي ذلك القرار.

هذا هو المهم، أن نعرف قيمتنا، ومن نحن، وأن نستمد أهميتنا من ذواتنا، لا من أراء الناس فينا.

أمر طبيعي ما ومَن لم يعد له دور، في أي نظام لا بد يندثر.

أو يدمره ويعيد بناءه حسب معايير كفية تخدم فئة معينة وتلك قصة أخرى

يمكنك سؤال الأشخاص الذين يعيشون بمبدأ ربما نحتاجه لاحقا، العلاقات ليست أمرا يمكن معالجته حسابيا، بل قد لا نصل حتى إلى نقطة إالتقاء، لذا هناك أمور علينا فهمها و أخرى علينا تقبلها، لا من باب الانهزام بل من ناحية أن ندرك أننا لا نعلم كل شيء.

أن تبقى في علاقة سامة هو أمر سيء أن تعمل على تحسينها هو أمر ممتاز، أن تكون البديل أمر مؤسف ، أن تعيش على ذاك الأساس هو إهدار، نحن كبشر نشترك في كوننا لا نستطيع العيش بمفردنا حتى الانطوائيون قد يتخيلون كيانات فقط كي لا يشعرو بالوحدة.

المبدأ البراغماتي لا يمكنه معالجة كل القضايا خصوصا ذات الطابع الإنساني، لكل منا احتياج وكل طرف يغذيه بما يراه مناسبا، أو فُرض عليه

ليست كل العيوب للأسف يمكن قبولها وتخطيها، فلو هذا الكسر الموجود بالكوب سيؤثر على جودة الكوب، يعني احتمالية رشح ما نشربه، لن يتقبله أحد وسيلقى به مباشرة، لكن بقائهم عليه لأنه ما زال قادر على العطاء كما كان رغم العيب

وهذه مفارقة أخلاقية، ما يعني أن قيمة شيء ما تتحدد وفق ما يمكن أن يقدمه.

لاحظنا أنه في المجتمع الرأس مالي يتم تطبيق هذا المبدا باحتراف.

عندما يكون الفرد صغيرا يتم تكوينه والاستثمار فيه حتى يتم استغلال كل ثانية من حياته وعندما يصل لمرحة العجز التام يتم التخلي عنه. حتى الدفن إذا لم يجد من يسدد عنه يتم إذابته كيميائيا.

نعم في قصتنا تحدثنا عن جمادات، الكوب المكسور يمكن استبداله أو اعادة تدويره، القلم الذي لم يعد يقوم بواجبه، المحفظة المهترأة والكرسي الذي بوقعك كل مرة تجلس عليه.

لنوجه الصوة للبشر، البراغماتية جعلتنا نتعامل بذات المبدأ في علاقاتنا، لن يقتصر الأمر على المنفعة المتبادة بل وصل لحد الاستنزاف.

للأسف أغلب العلاقات اليوم قائمة على ذلك، وهذا اختبرته على المستوى الشخصي، طالما لديك ما تقدمه ويحتاجه الآخر، تجد الجميع ملفوف حولك، لكن لو حدث وتغيرت الأمور تجد الجميع ينسحب ماعدا الأشخاص الذين بنيت معهم علاقة حقيقية، جزء منه أراه طبيعي كون هناك علاقات قائمة على المصلحة خاصة في سوق العمل وهي تبنى بهذا النمط من الأساس وهذه مقبولة لأنها واضحة المعالم، أما الجزء الثاني منها لا خاصة لو دخل به العاطفة، يعني شخص يتودد لك ويبني معك علاقة صداقة فقط من أجل المصلحة، هذه العلاقة أراها استغلال واضح.

يعني شخص يتودد لك ويبني معك علاقة صداقة فقط من أجل المصلحة، هذه العلاقة أراها استغلال واضح.

هذه النوعية من الأشخاص يصعبون علي لأنهم قليلو الإدراك وأحيانًا لا يفهمون أن العلاقات الحقيقية لا تُبنى على الأخذ فقط. هم يخسرون فرصة أن يعيشوا معنى الصداقة الصادق، ويُرهقون أنفسهم في حسابات قصيرة المدى بدل أن يزرعوا ثقة تدوم. الأسوأ أنهم يظنون أن خداعهم يمرّ بسهولة، بينما في الحقيقة يكشفهم تكرار تصرفاتهم، فيفقدون الاحترام قبل أن يفقدوا العلاقة نفسها.

في بيئة العمل أحاول قدر المستطاع أن تكون علاقة قائمة على الإحترام، لا على الصداقة، قد يأتي ذاك اليوم الذي يتم استخدام ذات الأمر كورقة ضغط.

فلو هذا الكسر الموجود بالكوب سيؤثر على جودة الكوب، يعني احتمالية رشح ما نشربه، لن يتقبله أحد وسيلقى به مباشرة، 

أرى أنّ البشر لا يتعاملون دائمًا بالمنطق الصارم، فهناك من يُبقي على كوب مكسور لأسباب عاطفية أو رمزية، حتى لو لم يكن عمليًا.

شعور ذلك الكوب هو تقريبًا شعور كل شخص لديه مشاكل نفسية وربما جسمانية أحيانًا مؤثرة عليه، فتجعل بداخله كسرًا وشرخًا، كما تجعل التعامل معه عبئًا يكون هو مدركًا له ومشفقًا على من يتعاملون معه أو يهتمون به، لذلك يدور برأسه هذا السؤال:

هل ذلك حب أم تعود؟

أغلب المشاكل النفسية سببها اكتساب القيمة من مؤثرةخارجي وفور غياب المؤثر تختفي القيمة. وكما أن الشخص الذي يتعرض لوعكة صحية بالرغم من الخير الذب قدمه لغيره سيرى نفسه أنه يشكل عبءا بالرغم من ان الخدمة المقدمة له هي حق مشروط في حالته.