في مساء الجمعة، بعد أن غادر الجميع المكتب، عمّ صمت ثقيل لا يشبه الراحة، بل يشبه "غياب المهمّة". بدأت الأشياء بالتتنفس، بطريقتها الخاصة. رنّ المنبّه فجأة دون أن يطلبه أحد، ثم توقف كمن يعتذر. قال بصوت متهدّج: "أعتذر… ظننت أنه الصباح من جديد." ضحكت آلة القهوة من طرف الطاولة:"حتى المنبّهات صارت مشوّشة. أنا نفسي لم أعد أميّز الفرق بين الاستراحة والعمل."
قرب الدرج، كان المشبك يجلس في الزاوية، يلفّ نفسه ببطء، وكأنه يحاول تشكيل شيء جديد داخل الصمت. الدبّاسة، التي لطالما كانت صوت السلطة، قالت بنبرة متعبة: "النظام، حتى النظام… يحتاج أن يُسأل عن جدواه."
في الجهة المقابلة، كان القلم قد ألقى بنفسه جانبًا. كتب صباحًا جملة مبتورة، ولم يجرؤ على إكمالها. الممحاة، التي أصبحت نصف حجمها، اقتربت وقالت بهدوء: "ربما علينا أن نسمح للخطأ أن يظهر… كي نجد المعنى."
في الزاوية الأخيرة من الغرفة، كان المصعد ساكنًا. لا أحد طلبه. الدرج، المغطى بغبار الأسبوع، قال له: "غدًا… قد يصعد أحد باختياره." ردّ المصعد: "أو لا يصعد أحد إطلاقًا."
ساد الصمت. ثم قال المشبك، وكأنه يقرأ أفكارهم جميعًا: "أتعلمون؟ نحن نُستخدم كل يوم… لكننا لا نُسأل أبدًا عما نريد أن نكون." نظر الجميع نحوه، لحظة طويلة… ثم ابتسم المنبّه للمرة الأولى. قال: "غدًا لن أرنّ." صمت. وبدت الابتسامة على الجميع.
______________________________________
هل يُمكن للوظيفة أن تبتلع المعنى؟
أم علينا، نحن أيضًا، أن نقرر التوقف عن الدوران… قبل أن نُنسى داخل روتين لا يتوقف؟
______________________________________
التعليقات