في زاوية ضيقة من غرفة خانقة بالرتابة، كان المنبّه يتهيّأ لبداية يومٍ آخر. لم يكن صوته نقيًّا كما كان، بل ممزوجًا بشيء من القرف… كما لو أن نغمة الاستيقاظ نفسها سئمت أن توقظ ذات الشخص لذات العمل لذات الحياة.
مرّت عليه سنوات، لا يُبدَّل ولا يُشكر. لا أحد يلمعه، لا أحد يحنو عليه، فقط يُصفع صباحًا ليصمت.
صار يعرف تمامًا متى سيُضرب، ومتى سيتم الضغط عليه بتروي ، بل صار يميّز الأصابع وهي تقترب: هذه لينة، مترددة… ستؤجل النغمة لخمس دقائق. وتلك غاضبة… ستصفعه بلا رحمة.
أما ساعة اليد، المستلقية إلى جواره، فقد دخلت منذ زمن في عزلة وجودية. لم تعد تُشد إلى المعصم إلا في المناسبات التي تتطلّب "مظهرًا محترمًا"، وكأنها شهادة أخلاق تافهة تُعلّق مؤقتًا.
تراقب المنبّه كل صباح، وتضحك في سرّها. كم هو مضحك… أن يكون أول صوتٍ يسمعه إنسان كل يوم، هو صوت آلة تحتقر مهمتها. المنبّه نفسه لم يكن يريد هذا المصير. حين وُضع لأول مرة في الغرفة، تخيّل أنه سيكون رمزًا للبدايات، لصباحات القهوة، والركض نحو الأمل. لكن كل ما حصل عليه، هو أن صار أول شيء يُكره كل صباح. بعضهم يضع نغمة موسيقى، وبعضهم يترك الصراخ الإلكتروني، لكن النتيجة واحدة: لا أحد يبتسم حين يسمعه. بل إن بعضهم يستيقظ قبله… فقط ليوقفه قبل أن يتكلم. وكأنهم لا يريدون حتى أن يُذَكَّروا بأن هناك يومًا جديدًا، بمهمات قديمة، تبدأ الآن.
في إحدى الصباحات، تأخر المنبّه عمدًا لثانية. قال في نفسه: "لأجرّب فقط… لو أن العالم سار بدون صوتي."
لكن لا شيء تغيّر… استيقظ الرجل مذعورًا، صرخ، شتم، ثم أعاد ضبط الوقت، ونام مطمئنًا. أما المنبّه، فقد شعر أنه ارتكب جريمة كبرى… لأنه لم يعذّب صاحبه في الوقت المناسب.
وهكذا، صار المنبّه لا يرنّ لأجل الإيقاظ. بل لأجل الاستمرار في دورة لا يدري من بدأها ولا متى تنتهي. كان يرنّ كأنه يقول: "هيا، استعد لتكرار الأمس، ولا تنسَ أن تكرهه." أما ساعة اليد، فهي ما زالت تراقب، لا تعمل كثيرًا، لكنها تفهم كل شيء. تفهم أن المشكلة ليست في الوقت، بل في مَن يستخدمه. أن الألم ليس في الساعة السادسة، بل في أنها تشبه الخامسة التي قبلها، والرابعة التي تسبقها، وأن صاحبها لا ينتبه لذلك إلا حين يصمت المنبّه… إلى الأبد.
التعليقات