العذابات في دهاليز البيروقراطية

حين يدخل المواطن إلى دائرة حكومية، يظن أنه يؤدي واجبًا وطنيًا، سواء بتسديد ضريبة، أو إتمام معاملة تعود بالنفع على خزينة الدولة. لكن ما يلقاه هناك لا يشبه تكريم الملتزم، بل أقرب ما يكون إلى اختبار للصبر والجلَد؛ فالأبواب الموصدة، والملفات المكدسة، والموظفون الغارقون في الروتين، كلها تشكّل جدارًا سميكًا يحول بينه وبين حقه الطبيعي في خدمة سريعة وفعّالة.

المفارقة الصارخة أنّ المواطن الذي يسعى بإرادته ليغذّي خزينة الدولة، يجد نفسه مبعثرًا بين النوافذ والطوابع والتوقيعات، وكأنّ نية الدفع جريمة تستحق العقوبة. يتبهدل في طوابير طويلة، يضيع ماله على المواصلات، وجهده على الانتظار، ووقته على بيروقراطية سخيفة لا ترى في الإنسان إلا رقمًا في سجل قديم.

الأدهى من ذلك أنّ هذا المشهد يتكرر يوميًا، حتى يغدو الاعتياد على العذاب جزءًا من الثقافة العامة. فبدل أن يشعر المواطن بالامتنان من دولته التي تشجّعه على الالتزام، يعيش خيبة أمل، ويخرج من تلك الدوائر مثقلاً بالإحباط، متسائلًا: كيف يُعقل أن يدفع المواطن من جيبه، ويُكافأ بالمماطلة والتأجيل والوجوه العابسة؟

إنّ إصلاح الإدارة العامة ليس ترفًا، بل ضرورة وطنية. فالوقت الذي يهدر في أروقة البيروقراطية يمكن أن يُستثمر في العمل والإنتاج. والجهد الذي يذوب في طوابير الانتظار يمكن أن يتحول إلى طاقة بنّاءة. أما المال الذي يُهدر على الإجراءات المكررة، فيمكن أن يعاد ضخه في مشاريع تنموية.

الخدمة العامة ليست منّة من الدولة على مواطنها، بل حق أصيل، ومقياس لمدى تحضّر المجتمع. فإذا كان المواطن مَن يدفع الثمن ليبقي الدولة قائمة، أفلا يستحق أن يُكرَّم حين يدخل أبواب مؤسساتها، بدل أن يُهان بالانتظار والعذاب؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

ما كتبته يعكس واقعًا مؤلمًا يعيشه الكثيرون يوميًا المواطن لا يأتي ليأخذ من الدولة هدية بل يؤدي واجبه وفي المقابل يستحق معاملة كريمة وسريعة إصلاح الإدارة العامة وتحسين الخدمات ليس رفاهية بل استثمار في المواطن والدولة معًا

واقع مؤلم نعيشه يوميا" ونطمح لاستبداله باصلاحات جذرية

وضعت يدك على جرح ملايين المواطنين في العالم العربي، للأسف هذه الأنظمة تحتاج لتطوير، والتطوير نفسه يحتاج للتطبيق وليس مجرد صورة.

حكى لي شخصًا أنه كان ذاهبًا لتسديد شيئًا ما في مكان حكومي فوجد أنه يمكن القيام بالدفع إلكترونيًا ، فدفع إلكترونيًا وعندما ذهب للمصلحة الحكومية قالوا له لماذا دفعت إلكترونيًا؟! وعطله ذلك أكثر!!

ونغضب حينما يقال عنا أننا دول عالم ثالث وبعدين كل البعد عن معالم الحضارة

وضعت يدك على جرح ملايين المواطنين في العالم العربي، 

البيروقراطية والروتين يا سهام ليست فقط في العالم العربي وإنما في دول كثيرة حول العالم، منها المملكة المتحدة مثلًا، حيث تشير تقارير البنك الدولي إلى أن تأسيس شركة صغيرة هناك قد يستغرق في المتوسط 13 إلى 15 يومًا ويحتاج إلى المرور على ما لا يقل عن 7 إجراءات رسمية. وفي الهند، يصل الرقم إلى أكثر من 18 إجراء وقد يستغرق التأسيس ما يقارب 30 يومًا. حتى في فرنسا، وهي من أكبر الاقتصادات الأوروبية، يستغرق إنهاء بعض المعاملات الإدارية الحكومية أكثر من 20 يوم عمل في المتوسط. هذه الأرقام توضّح أن الروتين الإداري ليس مشكلة محلية فقط، بل ظاهرة عالمية تعاني منها حتى الدول المتقدمة.

المشكلة الأكبر أنه بالرغم من الرقمنة وتحول هذه الدول للتكنولوجيا لكن أيضا ما زالت البيروقراطية الرقمية والروتين قائمين حتى مع غياب مدام عفاف فهل تظنين أن هذا برهنة على النظام أم محاولة لعدم الخروج خارج منطقة الأمان والراحة؟

المشكلة أنه حتى التطوير بيكون شكلي فقط، تطوير للمباني، مباني مكيفة و مقاعد مريحة وارقام خدمة عملاء، وموظفين أمن

ولكن الهيكل الإداري بنفس العقليات البيروقراطية العقيمة التي تعطل الأمور !

أشعر انها حركة مقصودة وممنهجة للرشوة والسرقة

اتفق معك فعلا، تخيل رغم كل تطوير المباني الذي تصنعه الحكومات لكن الأجور زهيدة ولا تصلح للوقوف أمام التضخم الذي يشهده العالم، لذا يحاول الموظف أن يطلع بأي مصلحة من المواطن!

في الحقيقة هذه حلقة مفرغة كل واحد لديه سلطة في مكان ما يحاول التربح من هذه السلطة بأي شكل وعلى حساب المواطنين!

BasmaNabil17 أضف ردا

كلامك ذكرني برحلتي "الأسطورية" إلى الإدارة التعليمية علشان أختم أوراق التأمين تجربة لا تُنسى صراحة. دخلت وأنا فاكره إني رايحه أتمم مهمة، طلعت داخله رحلة ماراثونية بين المكاتب! مررت على ما لا يقل عن ٧ موظفين، كل واحد بيبص لي كأني ضايعة ويقول لي: "لأ يا فندم، مش عندي، روحي لمكتب ٤"، أو "اطلعي الدور الخامس، الأستاذة سهير هي اللي معاها الختم ده"، كأنهم بيلعبوا معايا "استغماية بالأختام"! 😂

المثير للدهشة والمأساوي في نفس الوقت إن معظم الموظفين في سن المعاش أو على أعتابه، ربنا يديهم الصحة، لكن حرفيًا ما حدش قادر يتحرك. واحدة منهم كنت واقف جنبها وقت طويل جدًا أساعدها تفتكر مكان الملفات، وأحضر لها الورق، وأقلب في الأدراج، وأفتح الدواليب لدرجة حسيت إني اتعينت مساعد إداري بالوراثة.

أما صاحبة اللقطة الختامية فكانت موظفة ربنا يشفيها ويعافيها، كانت دايمًا نعسانة، دايخة، متوترة، وبتقول: "أنا تعبانة… تعالوا بعدين".

يعني بدل ما أطلع من هناك بأوراق مختومة، طلعت بألم في الظهر، وإجهاد نفسي، ودرس مجاني في البيروقراطية العقيمة.

تجربة لذيذه مش بساعتها وقت يفتكرها بعدين😂🤣

أغلبنا مر بنفس التجربة مع الدوائر الحكومية والشيء الغريب أننا أصبحنا نتقبله كأنه أمر طبيعي مع أنه عكس الطبيعي تمامًا فعلًا البيروقراطية ليست مجرد إزعاج يومي بل هي إهدار ممنهج للوقت والمال والطاقة والضحية في النهاية هو المواطن الذي من المفترض أن يكون أساس الدولة لو فكرنا ببساطة لو حصل المواطن على خدمة محترمة وسريعة سيشعر بالانتماء والثقة وهذا وحده كفيل بأن ينعكس إيجابًا على الإنتاجية والالتزام إصلاح الإدارة قد يكون أهم من أي مشروع تنموي آخر لأنه الأساس الذي تبنى عليه باقي الإصلاحات