حين يدخل المواطن إلى دائرة حكومية، يظن أنه يؤدي واجبًا وطنيًا، سواء بتسديد ضريبة، أو إتمام معاملة تعود بالنفع على خزينة الدولة. لكن ما يلقاه هناك لا يشبه تكريم الملتزم، بل أقرب ما يكون إلى اختبار للصبر والجلَد؛ فالأبواب الموصدة، والملفات المكدسة، والموظفون الغارقون في الروتين، كلها تشكّل جدارًا سميكًا يحول بينه وبين حقه الطبيعي في خدمة سريعة وفعّالة.
المفارقة الصارخة أنّ المواطن الذي يسعى بإرادته ليغذّي خزينة الدولة، يجد نفسه مبعثرًا بين النوافذ والطوابع والتوقيعات، وكأنّ نية الدفع جريمة تستحق العقوبة. يتبهدل في طوابير طويلة، يضيع ماله على المواصلات، وجهده على الانتظار، ووقته على بيروقراطية سخيفة لا ترى في الإنسان إلا رقمًا في سجل قديم.
الأدهى من ذلك أنّ هذا المشهد يتكرر يوميًا، حتى يغدو الاعتياد على العذاب جزءًا من الثقافة العامة. فبدل أن يشعر المواطن بالامتنان من دولته التي تشجّعه على الالتزام، يعيش خيبة أمل، ويخرج من تلك الدوائر مثقلاً بالإحباط، متسائلًا: كيف يُعقل أن يدفع المواطن من جيبه، ويُكافأ بالمماطلة والتأجيل والوجوه العابسة؟
إنّ إصلاح الإدارة العامة ليس ترفًا، بل ضرورة وطنية. فالوقت الذي يهدر في أروقة البيروقراطية يمكن أن يُستثمر في العمل والإنتاج. والجهد الذي يذوب في طوابير الانتظار يمكن أن يتحول إلى طاقة بنّاءة. أما المال الذي يُهدر على الإجراءات المكررة، فيمكن أن يعاد ضخه في مشاريع تنموية.
الخدمة العامة ليست منّة من الدولة على مواطنها، بل حق أصيل، ومقياس لمدى تحضّر المجتمع. فإذا كان المواطن مَن يدفع الثمن ليبقي الدولة قائمة، أفلا يستحق أن يُكرَّم حين يدخل أبواب مؤسساتها، بدل أن يُهان بالانتظار والعذاب؟