دائماًً ما ألاحظ هذا التناقض بين قناعاتنا وعاداتنا، والذي يظهر جلياً عندما ننصح الأخرين بما يجب عليهم فعله وأحياناً تكون هذه النصائح التنظيرية مفيدة لنا أيضاً غير أننا لا نطبقها، رأيت هذا جلياً في نفسي في نصائحي للأخرين مراراً، فلماذا يتكون عندنا الوعي بالمشاكل وكيفية حلولها ولكن رغم ذلك نجد نفسنا غارقين في نفس المشاكل أحياناً ولا ننفذ الحل، هل هذا يجعلنا ندرك أن التطبيق أصعب من المعرفة ويتطلب عوامل أخرى غير المعرفة؟ أي أن المعرفة غير كافية للتحسين من حياتنا أو عاداتنا
لماذا ننصح غيرنا بما نعجز عن تطبيقه؟
التعليقات
طبعا المعرفة شيء والتنفيذ شيء مختلف تماما. والأمر دائما يكون من منطلق أن الشخص قد انغمس في هذا الأمر الذي ينصح الآخرين بتجنبه مثلا فهو مدرك لخطأ ما يقوم به لكنه لا يستطيع الانسحاب وبالتالي فتكون النصيحة عن تجربة، ونجد ذلك كثيرا في المدخنين مثلا الذين ينصحون الشباب الصغار بالابتعاد عن التدخين والسيجارة في فمه أصلا، وكذلك في أي شيء ننصح به ولا نقوم به
نعم هذه النصائح التي تتحدث عنها في التحذير من الوقوع في نفس الحفرة منطقية، لكن التناقض هنا أن هناك من ينصح بطرق التعافي من إدمان التدخين مثلاً وهو أصلاً لم يتعافى من التدخين ولم يستخدم هذه الطرق، قس على ذلك جميع النصائح من هذا النوع
في رأيي، الأمر يعتمد على أنه حين تعطي أحدًا نصيحة، يكون الأمر مقتصرًا على معرفة المشكلة ومعرفة حلها، وبذلك تقوم بتوجيه الشخص بهذين الأمرين وتتركه ليحل الأمر بنفسه. ولكن فكرة نصح النفس بها جزء كبير من مواجهة النفس ومواجهة ضعفها، وهو أمر ليس بالسهل علينا.
فمن السهل أن تشجع شخصًا وتخبره بالحل لمشكلته أو توجهه إلى الطريق الصحيح، ولكن من الصعب أن تشجع نفسك أو توجهها؛ لأن النقاش مع النفس ليس بهذه البساطة كالتحدث مع الغير.
كل مرضي السكر يسمعون نصائح بحميات غذائية معينة وهم طبعا يعلمون بما يفيدهم ، ولكن التنفيذ لا يتعلق بالمعرفة ، احيانا يتطلب حرمان او التزام او ارادة .
لقد تناولت كعكه منذ قليل رغم التزامي بحمية تقليل الجلوتين والسكر لمشاكل في الامعاء 😅
ما يلفتني ليس عدم قدرتنا على الإلتزام بالعادات أو المعرفة، بل أننا أحياناً نعرف الطريقة التي يمكننا أن نقلع بها عن عادة أو نصلح بها علاقة ومع ذلك لا نسعى أبداً لتجربتها، بل قد ننصح الأخرين بوجوب إستخدام هذه الطريقة مع أننا نحتاجها أيضاً لكننا لم ننفذ هذه النصيحة
أحيانًا يكون السعي موجود بالفعل، لكن التنفيذ يكون صعب بسبب الخوف من الفشل أو صعوبة الاستمرار. فمعرفة الحل وعدم تطبيقه لا تعني دائمًا تقصيرًا، بل قد تشير إلى وجود صراع داخلي أو ظروف نفسية تجعل التنفيذ أصعب مما يبدو نظريًا، بالتالي تقديم النصيحة للآخرين لا يتطلب نفس الجهد أو المواجهة التي يحتاجها تطبيقها على النفس.
الاستوديو التحليلي المليء بالنقاد بعد المباريات، يحللون المباراة، ويسترجعون لقطاتها ويقولون هذا اللاعب كان لا بد أن يتحرك بزاوية ٤٥ ويميل قليلاً ليفتح الطريق لنفسه، ويرد آخر أن اللاعب كان لا بد أن يسدد بسن نملة دبانة وجه القدم اليسرى وليس كما فعل. ولو نزلوا للملعب لن يكون لديهم القدرة على اللعب لعشرون دقيقة.
وهذا ما نفعله نحن .. قد نعرف الشيء الصحيح لكن لياقتنا النفسية مثلاً لا تسمح لفعله أو لظروف أخرى، لكننا نقدم النصيحة لربما كان وضع الشخص أفضل ويمكن أن ينفذ.. وأحياناً نمسك الحديدة ونُنَظر هكذا بلا هدف سوى إشباع رغبة ما 😅
المعرفة وحدها لا تكفي يايوسف، ثم إن تقديم النصح والإرشاد لشخص ربما لاننا نظن أن احدًا قد ينجح في فعل ما فشلنا عنه، او ربما نحن كبشر بطبيعتنا نحب أن نكون موجهين ومرشيدين ونتظاهر بأننا نفهم ما يحدث وكيف يجب التعامل معه رغم عدم التزامنا به .أشياء مثل هذه تحدث معنا ولا اعتقد ان لها تفسير واحد هناك من هو كسول ، وآخر خائف او قد يرى في غيره قدرة وعزم على الفعل اكثر منه والبعض يحب ان يظهر بمظهر العالم الفاهم.
المفارقة التي تصفها شائعة جدًا: نملك وعيًا عاليًا بالمشكلة، ونفهم الحلول نظريًا، بل ونقدّمها للآخرين بسهولة… ثم نجد أنفسنا عاجزين عن تطبيقها في حياتنا. هذا لا يعني أننا منافقون أو غير صادقين، بل يكشف حقيقة بسيطة: المعرفة وحدها لا تغيّر السلوك. فالتطبيق يحتاج إلى عوامل أخرى مثل العادة، والبيئة، والدافع العاطفي، والقدرة على مقاومة الإغراء، وحتى الحالة النفسية. لذلك يمكن أن نكون واعين تمامًا بما يجب فعله، لكننا نكرر الأخطاء لأن التغيير العملي أصعب بكثير من الفهم النظري. الوعي خطوة أولى، لكنه لا يصبح فعّالًا إلا عندما يتحول إلى ممارسة يومية تتطلب جهدًا واستمرارية.