عندما يسأل المعلم تلاميذه: "ما عمل والدك؟" في الغالب من يعمل والده مهندسًا أو طبيبًا أو محاسبًا _على سبيل المثال لا الحصر_ نجده يرد بثقة وفخر، أما من يعمل والده بمهنة بسيطة كبواب أو عامل نظافة قد يخجل من أن يقول ذلك، خاصةً إذا كان معه بنفس الفصل أو القاعة الدراسية أبناء أطباء ومدرسين وموظفين.
في العادة يشعر الأطفال بالفخر بأبائهم ويرونهم أبطال، لذلك أن يخجل طفل من عمل والده لا يأتي من فراغ، بل بسببنا وبسبب الناس ونظرتهم وكلامهم من حوله عن أصحاب هذه المهن من العمال الشرفاء، فيلاحظ الفرق في المعاملة بين ابن الشرطي وابن الفلاح، وليس الطفل وحده من يشعر بذلك بل والده والكثير ممن يعملون بالمهن البسيطة كعمال النظافة والبوابين، ويظهر ذلك جليًا في تعاملهم مع الناس وأصحاب المهن الأخرى وتبجيلهم الشديد لهم وربما التقليل من أنفسهم.
التعليقات
طبيعي أن المجتمع يقدر الندرة في كل شيء.
الطبيب يحتاج ٢٠ عامًا ليتعلم، بينما يمكننا استبدال عامل النظافة في ساعة.
وفي ظل هذا، يخلط المجتمع خطأً بين القيمة الاقتصادية للوظيفة وبين الكرامة الإنسانية لصاحبها.
الكرامة والاحترام حق مكفول لكل شخص، والقيمة الاقتصادية لا علاقة لها بذلك.
لأن البواب في الأفلام والمسلسلات عبارة عن شخص يلبس جلباب بسيط يؤمر من الجميع فيجيب -حاضر يا ست هانم- أو -حاضر يا سعادة الباشا- ثم يجري وكأنه كلب بوليسي مُدرب ليلبي الطلب. والفلاح عبارة عن شخص غبي لا وعي عنده وهمجي في تصرفاته لا يعرف كيف يفك الخط، وعامل النظافة يجب أن يكون عنده الضغط والسكر ولديه ١٧ عيل لا يعرف كيف يصرف عليهم.
يكتسب الطفل نوع من الشعور بالعار من أبيه فيخجل من ذكر وظيفته.. وهذه مأساة من ضمن مآسي السينما العربية مليئة بالأكليشيهات والمساوئ التي تضر الأسرة والمجتمع
لأن هذه الصورة هي التي تخلق توازن السيناريو المطلوب، وهو إظهار قصة بعينها من الواقع وتطبيعها على كل النصوص حتى تتسم كل طبقة بمعايير ومواصفات لا نحيد عنها، إما بغرض الكوميديا أو الدراما اليائسة، يعني الموضوع كله تجاري وتربّح، حتى مع عدم إنكار فكرة ملازمة الفقر لقلة المعرفة عمومًا (وهذا لقة الموارد والوعي بالعلم).
يمكن عمل ذلك من خلال السيناريو.. هناك تقديم للشخصيات، يجب أن يكون لكل قصة خصوصيتها وفرادتها، ليس كلما رأينا فلاح نظن أنه جاهل.
مشكلتي يا أستاذة إيريني مع الأكليشيهات والأمور المكررة التي تصبغ بعض المهن بطريقة معينة فتلتصق بها هذه الصبغة.
يعني كم مرة جاء البواب كشخص عادي له راتبه الذي يكفيه وحياته المستقرة ؟
كم مرة جاء على أنه مليونير؟ أعرف بالفعل أكثر من بواب مليونير لديه عمارة أخذ شقة بالأسفل هو وأسرته ويعمل فيها بواب.
لا يوجد تنوع. يوجد قص ولصق من الأفلام السابقة.
بالضبط، أنا أعرف بواب أيضًا حاصل على بكالريوس من كلية محترمة، ولديه عمارة، ومع ذلك هو اختار هذه المهنة لأنها الأنسب في نظره، وكان بالمناسبة ذكي وأمين جدًا، ويعرف كيفيه إصلاح معظم العيوب الكهربائية أو أي إصلاحات ضرورية داخل الشقة، ومعه مجموعة يستعين بها عند طلبات نقل العفش مثلًا، وبالتأكيد هو لم يكن ليختار هذه المهنة لو أنه يحصل منها على مبلغ ضئيل... أمّا بالنسبة إلى الأفلام، فكما ذكرت لك، صاحب العمل يريد أن تتسم كل طبقة بسمات لا تخرج عنها، حتى لو ذلك لا يعكس الواقع، وحتى يحافظ على قوالبه المعتادة التي يتربح بها من الأعمال.
نعم هذه هي الصورة النمطية المنتشرة عن تلك الفئات للأسف، بالإضافة لتشويه صورتهم، مثل الفلاحين وأهل الأرياف الذين أصبح يُلصق بهم صفات كاللؤم، كما أن ليس كل أهل الريف يعملون في الزراعة من الأساس. لكن هل من سبيل لإصلاح تلك النظرة؟
مثل الفلاحين وأهل الأرياف الذين أصبح يُلصق بهم صفات كاللؤم
هناك صفات تظهر بكثرة في الأرياف من ضمنها الحسد والحقد، وهذا نابع من أن كل الناس يعرفون بعضهم في مجتمع القرية فنجد أن هناك من يستكثر النعم على غيره.
لكن هل من سبيل لإصلاح تلك النظرة؟
الفن له تأثير كبير في التأثير على المجتمع، لذا الحل في الاهتمام بتفاصيل إنشاء العمل الفني، هناك مسلسل اسمه الوتد استشهد به دائماً كدليل على البراعة والصدق، هذا المسلسل تم تصويره في قرية صغيرة وهو يحكي قصة سيدة حصلت في القرية.. المسلسل وكأنه حقيقي لا يشعر المشاهد أنه تمثيل ويعطي أفكار حقيقية عن حياة الريف.
وهل المعرفة سببًا كافيًا للحسد؟ أهل المدن أيضًا قد يعرفون بعضهم ولو حتى بالشبه فقط، والشارع الواحد قد يسكن به الغني والفقير وقد يظهر ذلك واضحًا في المسكن والملابس ونوع السيارة المركونة في الشارع، وقد يحسد أحدهم الآخر، لكن لا يتم التركيز على ذلك مثل التركيز الذي يحدث مع أهل القرى والربط بينهم وبين الحسد والخبث.
حتى النقاش في الموضوع نفسه يثير جانب الشفقة أو النظرة الفوقية (لا أقول أنكِ كتبتيه بهذه النية) في عموم الأمر، بمعنى أن الصورة النمطية السائدة هي السبب في ذلك، يليها المظاهر والتسهيلات التي يحظى بها البعض دون الآخر بسبب نسب الأهل أو المعرفة المهنية، وتلك العوامل لا تتغير لأننا نرغب بذلك، وذلك لارتباطها بأمور مادية ملموسة في المجتمع، فمن يعمل والده في مهنة بسيطة، سيكون لديه نزعة دائمًا لإثبات نفسه "برغم" بساطة الأهل، أو أن نسب الأهل البسيط لم يمنعه من تحقيق نجاحات كبيرة، وهذا حتى نراه في النقاشات بين الناس المعتدلين أيضًا، يذكرون "النسب البسيط" بنبرة مختلفة عن النبرة العادية.
أعتقد أن الأمر ترك أثره علينا بشدة، حتى فكرة البعض أن ابن من يعمل بمهن بسيطة يجب أن يصبح كأبيه! فابن البواب بنظرتهم الافتراضية لابد أن يصبح بوابًا هو الآخر، ويشعرون بالدهشة إذا أصبح يعمل بمهنة أخرى، وأسوأ فئة هي التي تتعامل مع الشخص بتعالي بناءً على أصله وعمل أهله حتى لو عمل الشخص نفسه بنفس مهنة وعمل من تعالى عليه، فيظل ينظر إليه على أنه ابن البواب البسيط لا أكثر!
طبعا هناك نظرة طبقية في بعض البيئات، لكن احيانًا الأسرة نفسها تولد هذا الشعور دون قصد، الطفل يفهم مشاعر والده قبل أن يفهم نظرات الآخرين، فإذا شعر الأب نفسه بعدم الرضا، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك على الابن.
وفكرة ربط المهن بدخلها أو مكانتها هو امر واقع يفعله كل البشر لشكل حتي لا ارادي، ليس احتقارًا مباشرًا للأشخاص. بقدر ما هو انعكاس لطبيعة بشرية تميل إلى تقييم الأدوار حسب النفوذ أو العائد، مثلا سأقول لكي كل الكلام المثالي انه لا فرق وان كلنا واحد وبالتأكيد مثلا اذا اراد ابني ان يتزوج فتاة والدها بواب مثلا لن اوافق، لان بالتأكيد هي من مجتمع وبيئة وتربية مختلفة وليس لاحتقار او ما شابه.
نعم هذه حقيقة قد يكون شعور الدونية قادم من الشخص نفسه، وهو من يصدره للأبناء، فهناك مثلًا من كان تاجرًا وأطفاله بمدارس معينة كان يخبرهم أن يقولوا أنه يعمل مهندسًا، سواء في مدرستهم أو أمام زملائهم والناس!
اذا اراد ابني ان يتزوج فتاة والدها بواب مثلا لن اوافق، لان بالتأكيد هي من مجتمع وبيئة وتربية مختلفة وليس لاحتقار او ما شابه.
لكن ما ذنب الفتاة؟ هي لم تختار والدها، كما أن هده هي حياه الابن وهو من سيتزوج ويعيش معها.
الطفل لا يولد هو يعرف أن هناك مهنة محرجة بل يتعلم ذلك من البيئة المحيطة وكثيرا يسمع الطفل عبارات ذاكر حتى لاتصبح عامل نظافة ‘فلان لم ينجح فأصبح بواب فتتشكل لدى الطفل نوع من الخوف والخجل وأن هناك وظائف أقل قيمة من غيرها بل أن هناك بعض من الاباء يتحدثون لأبائهم أن مهنتهم أقل قيمة وأن هناك من يتحكم فيهم بل أنه يمكن أن يصطحب الاب الطفل الى مقرعمله ليساعدة خصوصا لو كان عامل بناء أو صحاب ورشه وبالتجربة وكم التعب والمعاناة التى يعيشها على أرض الواقع يمكن أن يخجل