لاحظت في موسم رمضان الحالي وجود مسلسلات من مختلف الدول العربية تتناول قضايا وملفات قوية، منها "الخروج إلى البئر" الذي يتناول أحداث سجن شهير، وأيضًا "راس الأفعى" و"صحاب الأرض"، وقد شاهدت الحلقات الأولية من اثنين منهما، وبرغم أن هذه المسلسلات لم تعرض -حتى الآن- إلا مشاهد وقصص في سياق درامي لأحداث شاهدناها فعليًا وقت حدوثها، فالغريب هو أن تثير هذه المسلسلات أعصاب الجميع، وحتى الحكومات نفسها، برغم أن الحقيقة التي أذاعتها النشرات الإخبارية لم تثير نفس المشكلات! فإذا كان الجميع فعلًا يتعامل مع المسلسلات كونها تمثيل فقط، فلما الضيق من تناول قضايا فيها؟ وما مشكلة أصلًا تناول أي قضية في سياق درامي؟
تثير المسلسلات الأعصاب أكثر من الحقيقة!
التعليقات
هل تصدقون، أنا لا أتابع المسلسلات في رمضان بكافة أشكالها، وهذا ليس بسبب قوة الإيمان مثلا، فغالبا لا أجد فائدة في ذلك، فهي إما صورة نمطية، برامج محلوبة أو أعمال أصلية برقابة صارمة تشبه مكتب بريد ، وشيء آخر مشاهدتي أصبحت تحليلية أكثر منها متابعة للأحداث أو التعلق بالشخصيات.
هذا سيجعلك تتعامل مع الأعمال المعروضة بموضوعية أو بصورتها كما هي "عمل درامي يقدم قضية" وحتى لو الغرض منه رسالة بعينها مثلًا، فما المشكلة؟ أوليس هذا كان غرض الأعمال الفنية من الأساس..
عالم الترفيه هدفه تحقيق الأرباح كأي مجال عمل ربحي آخر، وهذا لا ينفي أن يضع أي شخص في المجال لمسته الخاصة، وغالبا ليست القصة من تجذب المشاهدين، بل مكانة صاحب العمل لدي المشاهد، وهذا ما تعمل عليه العاطفة.
لان الدراما تعيد تشكيل الحدث او القضية، وتختار رؤية معينة، وتبرز شخصيات بعينها، مما قد يحمل تفسيرًا ضمنيًا لذلك يقلق منها خاصة الحكومات التي لها توجهات معينة، لان تأثيرها أعمق وأقوى من مجرد خبر عابر، فيُنظر إليه كأداة تشكيل رأي، لا مجرد عمل درامي عابر فيتم التعامل معه بحساسية شديدة.
كما أن الأخبار مع كثرتها قد يتم نسيانها أو التعامل مع الخبر كجزء من الحدث الكبير، أما في الدراما فيتم التركيز على أحداث وشخصيات معينة تجعلنا نتفاعل معها ونشعر بالبعد الإنساني للأحداث وليس أنها مجرد خبر لا نعرف القصة ورائه.
يعني خبر استشهاد شاب شيء مؤسف بالطبع، لكن عندما أعرض لك كيف كان يعيش ويحب فتاة وعلى وشك الزواج منها ستشعر كمشاهد بالألم والحزن الشديد والكره أكثر لمن تسبب في قتله والتفريق بين الحبيبين.
نشعر بالبعد الإنساني للأحداث وليس أنها مجرد خبر لا نعرف القصة ورائه.
بالضبط! وأظن أن هذا جزء من أسباب إثارة الأعصاب، أن الناس كلها ستتبنى السردية المطروحة وتتعاطف معها، وبالتالي يتحقق الغرض الفعلي من العمل الفني، وتختفي أهمية السرديات الأخرى شيئًا فشيئًا، وبصراحة أنا لا أرى في ذلك مشكلة، فبعض الأحداث التي ظهرت في الأخبار تم التلاعب بها بخبث شديد، ومن حق كل طرف من أطراف النزاع إظهار سرديته التي تحمي حقه، وتحافظ على دوره.
طيب، بهذا الشكل ستمنع كل الدول عرض أي عمل درامي لدولة أخرى تتحدث فيه عن أي قضية عمومًا، لأن كل الدول تستخدم السينما لعرض القضايا بالطريقة التي تقدم دورها فيه وما انجزته، يعني أظن أن من يخشى التصوّر المطروح في عمل درامي، هو من يرتاب ظهور جانب من القصة يفضح حقائق مثلًا.
الجماهير تصدق العمل التلفزيوني أكثر من نشرات الأخبار فعندما تتجمع العائلة وتشاهد أكثر من مسلسل عن فلان المجرم أو فلان البطل تكون القصة قد تقررت في عقلهم وصدقوا ما رأوه.
لذلك هناك هيئات رقابية شديدة على الأعمال التلفزيونية لأن عدة أعمال قد تقلب ولاء الجمهور.
العام الماضي تقريبًا كان هناك فيلم أجنبي برعاية الدولة الشقيقة، وكانت أحداث أكتوبر ملتوية وبسرديات تعاطفية لهم، ولم يُمنع الفيلم لدينا، بل تعاملت الناس معه من ناحية التاريخ وحتى بعض النُقاد أو المؤرخين الموضوعيين تحدثوا عن الأحداث المذكورة مع تعليقات عن التاريخ مع عدم اهتمام بالفيلم، يعني فكرة منع العرض أو الرقابة المشددة ستجعل الجمهور فضوليًا أكثر لمشاهدة العمل، ويعزز السرديات الخاطئة.
حسناً هذا حدث من 50 عام وسرديته ثابتة ولن يؤثر فيه فيلم، لكن لو كان الفيلم عن حدث قريب، أو شأن داخلي الآراء فيه منقسمة لكانت اشتعلت الدنيا، والدليل أننا نلاحظ اتجاه الإعلام اتجاه واحد من ناحية القضايا الوطنية، لأن الإعلام والمسلسلات معروفة بتأثيرها الكبير على المشاعر، بل سمعت قريباً أن أوقات عرض مسلسلات معينة كانت الشرطة تستعد في أمريكا لأن بعد الحلقات كانت تثور أعمال الشغب.
لا أعرف رأيك، ولكن السرديات الثابتة يسهل التلاعب بها لأن بعض الأجيال لم تشهدها بأعينها، فيكون التلاعب عن طريق شرح الأفكار بطريقة تخدم جهة أو كيان أو مصلحة بدعم وثائق من جهتهم، وهذه مخاطر غياب المعرفة بالتاريخ للأجيال الجديدة، أمّا القضايا القريبة، فالجميع تقريبًا لديه قدرة على معرفة أخبار من كل أنحاء العالم في خلال ثواني، ومن مختلف المصادر، يعني اشتعال الدنيا يكون بسبب تأكيد سردية تثير حفيظة المُضلِل فقط، لكن غالبًا لا تعرض أي أمر جديد لم يشاهده الناس مئات المرات في الأخبار.
في الأحداث الداخلية والخارجية أي موقف يكون له من يؤيده ومن يعارضه، وتكتفي نشرات الأخبار بسرد الأحداث، لكن المسلسلات تشرح العواطف والحبكة وتصور الغدر والخيانة والألم والغضب، وعموماً المشاعر تصل لمشاعر المشاهد بسهولة أكثر من الخبر السردي، لذلك عمل مسلسل يثير المشاعر سيؤدي بتصرفات وسلوك فوري عند المشاهدين وهو ما تحذر منه الدول التي يهمها الأمن العام.
لأن القصة أصدق وأكثر انتشارا من الخبر العادي، أن ترى مسلسل وتتفاعل مع كل مشهد فيه، وترى ما وراء الكواليس الخاصة بالقصة الحقيقة، بالطبع حينها المسلسل أكثر تأثيرا من مجرد خبر
لأن القصة أصدق وأكثر انتشارا من الخبر العادي
لكن ماذا عن الحكومات؟ هل هؤلاء يتأثرون أيضًا بالقصص الدرامية؟ أو تجد دولة مثلًا تمنع عرض أحد المسلسلات الأجنبية فيها.
لأن الحكومات لا تتصرف من تلقاء نفسها، بل تستجيب لضغط الناس، الشعب والجمهور هم المحرك والحكومة هي من تستجيب لتهديء الناس
فالغريب هو أن تثير هذه المسلسلات أعصاب الجميع، وحتى الحكومات نفسها،
المشكلة أن الدراما نادرًا ما تكون محايدة. المخرج والمؤلف هما من يملكان عين الكاميرا، وهما من يقرران أين تنظر وماذا تتجاهل. وبالتالي، الحكومات تضيق لأنها لا تملك حق الرد داخل المسلسل. الدراما قادرة على تحويل المجرم إلى ضحية بلمسة إخراجية، وتحويل الإنجاز إلى كارثة بحوار ذكي. وهذا النوع من القوة الناعمة يجعل المسلسل مثير للأعصاب كما تقولين إيريني.
هذا صحيح، ومن الطبيعي أن تكون الدراما متحيزة، ولكن الحكومات نفسها التي تخشى ذلك، هي من توجه نفس الرسائل بنفس الطرق الناعمة في أعمالها وتقول أنها مجرد أعمال فنية ليس لها علاقة بالواقع. ويعني من حق الحكومة التي تشعر بالسوء الرد باستخدام نفس القوة الناعمة لو شعرت بضرورة ذلك. وعلى سيرة تحويل المجرم إلى ضحية مثلًا: تجدين مسلسل Monster الجزء الذي تناول قضية الأخوين ميننديز، كان غرضه الأصلي هو تعاطف الجماهير مع قصتهم، حتى يُنظر في قضيتهم ويتم الإفراج عنهم بعد قضاء أكثر من ثلاثين سنة في السجن، يعني الجميع يلعب بنفس القوة الناعمة لمصالحه.
برغم أن الحقيقة التي أذاعتها النشرات الإخبارية لم تثير نفس المشكلات؟؟؟
الحقيقة التي أذاعتها النشرات الإخبارية صدمت الناس بشكل مفزع، وتسببت في حملات المقاطعة، وتسببت في تحرك عالمي في مجلس الأمن، وكسبت للقضية متعاطفين من جميع أنحاء العالم، كما أنها تسببت في صدمة لبعض أشخاص أعرفهم شخصيا، صدموا مما شاهدو وإحساسهم بالعجز عن فعل أي شي حياله.
قصدت أن الحقيقة التي كانت واضحة للعالم كله، في كل من القضايا المطروحة، الناس والحكومات تعاملت معها في واقعها وأخذت المنحنى الطبيعي لتاريخ الأحداث بحكم أنها حدث وله تتابعات، أمّا العمل الفني فهو مجرد صورة للحدث، تمثيل للحدث، يعني هذا لا يخفى على أحد، لكن هو يطرح سردية معينة ولغرض معين، بعكس كاميرات الأخبار التي تلتقط الحدث كما يحدث فعليًا، ولا تطرح ذلك في صورة سياق كامل مثلًا، كأن ترى القرارات وهي تؤخذ ثم حدث مؤلم ثم قصة عائلة (هذا التسلسل تراه في العمل الفني وهذا ما يكوّن السردية التي تثير الأعصاب) ولاحظ أيضًا أن الحكومات وقت الأحداث، كان كلّ يمتلك آلته الإعلامية التي تطرح سرديته الخاصة وما يريد إظهاره.