حين تذكر لأحدهم أنك معلّم خصوصي، وخاصة في المواد العلمية، يتهلّل وجهه إعجابًا للحظة… ثم يعبس حين يسمع الأجر.

كأنك تبيع شيئًا غير ضروري، أو كأنك تطلب ثمنًا لمعجزة يجب أن تُقدَّم مجانًا!

أقول للأهل: أنا لا أقدّم ساعة من الشرح، بل أقدّم سنواتٍ من التجربة، وعيونًا درّبتها على التقاط مواطن الضعف في دقائق.

أرى من خلال اختبار بسيط ما لا يراه غيري في أسابيع.

أعرف كيف أفتح للولد باب الفهم لا باب الحفظ، وكيف أزرع في ذهنه ثقة في العلم لا خوفًا منه.

لكن حين أقول: "هذه حصتي بكذا"، يأتيني الردّ المعتاد: غالي!

وكأن جهد المعلم قابل للمقارنة بثمن وجبة في مطعم أو جولة في مدينة ألعاب.

يدفع الناس أموالهم بسخاء عند الطبيب أو الميكانيكي أو الكوافير، ثم يشحّون عند من يبني عقول أبنائهم!

لم أكن ماديًّا يومًا، بل كنت أقول لوليّ الأمر: "دعنا نلمس التحسّن أولًا، ثم نتفاهم."

كنت أفرح بتحسّن الطفل أكثر من الأجر، وأكتفي بالقليل، شاكرًا ربي على رزقه.

لكن مع مرور الوقت أدركت أن الغبن لا يأتي فقط من الناس، بل من تهاونك في تقدير نفسك.

والمفارقة العجيبة؟

أن أكثر من أنصفني كانوا من البسطاء لا الأغنياء، من الفقراء الذين يعرفون قيمة الجهد والنية الطيبة، لا من أولئك الذين يحسبون كل شيء بلغة الربح والخسارة.

ويبقى السؤال الذي يؤرقني:

لماذا صار العلم أرخص ما نشتريه؟

ولماذا صار الذي يعلّم أبناءنا يُساوَم، بينما الذي يلهيهم يُكافَأ؟