السعادة

  • Nada27

**الجمعة، 25 أكتوبر 2024، الساعة 19:38**

بينما أستمع إلى بودكاست عن التغيير وتحقيق السعادة، أتجول ذهابًا وإيابًا في غرفة معيشتنا الواسعة، مسجلة خطواتي عبر تطبيق خاص. استعنتُ بهذه المساحة عوضًا عن السطح الذي اعتدت المشي فيه ليلاً، حيث بات الطقس غير ملائم. كنتُ غارقة في أحلامي، أبحث عن سعادة أتوهمها في ما قد أحققه، إذ فجأةً شع ضوء قوي من النافذة، تبعه صوت رعد. هرعتُ إلى النافذة وفتحتها تزامنًا مع سقوط المطر، ورائحة الأرض العطشى التي غابت عنها قطراته لوقت طويل.

ابتسمتُ؛ ابتسامة امتدت على وجهي لأول مرة منذ مدة، ربما لأنني كدت أنسى آخر مرة ضحكت فيها. راقبتُ هذا المنظر المهيب، بينما يتحدث البودكاست عن السعادة وطرقها المادية: المال، الرشاقة، السيارة… وتساءلتُ: كيف أبهجني هذا المشهد العفوي أكثر من سعيي الدائم نحو امتلاك أشياء مادية؟ تذكرت كيف خاب ظني بعد فترة من تحقيق هدفٍ ظننته سيُسعدني إلى الأبد.

أليس من الممكن أن نجد السعادة في الأشياء البسيطة من حولنا؟ كسقوط المطر، أو رؤية الأطفال يلعبون، أو مسح رأس طفل صغير، كأثر كلمة طيبة تُسعِد القلب، كنسمات الصباح الباردة، أو مشي هادئ تحت المطر، أو كتاب جيد وفنجان قهوة مع قطعة حلوى. لماذا نربط السعادة دومًا بالأشياء التي لا نملكها، ونعجز عن الاستمتاع بما هو بين أيدينا؟

استعدتُ في ذاكرتي مقولة سمعتها في فيلم كرتوني؛ كانت تتحدث عن سمكة سألت أمها عن "المحيط" الذي ترغب في العيش فيه. أجابتها الأم بأنها بالفعل في المحيط، لكن السمكة الصغيرة نظرت حولها وقالت: "هذا محيط؟ هذا مجرد ماء. أنا أبحث عن المحيط."

ربما نحتاج جميعًا إلى إعادة النظر في مفهوم السعادة، فقد تكون أقرب مما نتصور.

---

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

طرح مميز لمفهوم السعادة، ربما السعادة أقرب لنا مما نتصور فعلا

أعتقد أن ربط فكرة السعادة بالتملك او الحصول على الأشياء فكرة غير دقيقة

أصلا الطريق الذي نسلكه للوصول إلى الأشياء يكون ممتع وسعيد حقيقة ولا يقارن بوقت التملك، ما رأيك؟

وصفك السردي أكثر من رائع يبعث الخيال كأني أعيش داخل مشهد سينمائي يمتلئ بالتفاصيل الرقيقة .. أستمري في الكتابة.

أنا معك في أن مفهوم السعادة يجب أن يتغير، ولكن أحياناً ضغوط ومتاعب الحياة تجبرنا على ربط السعادة بسبب يوفرها بنفس مقدار الألم والمعاناة، أما لو كانت الحياة مستقرة فالقليل من السعادة يكفي، وتخيلي صفحة مليئة بلون ما وصفحة أخرى بها بقعة من نفس اللون مستحيل أن يكون مجهود مسح الصفحة الأولى كمجهود مسح الصفحة الثانية.

وكذلك السعادة عند بعضنا في البساطة وبجرعة صغيرة أو في التعقيد وبجرعة ضخمة

سمعت قصة خيالية من على محمد على بعنوان "الصياد ورجل الأعمال". سأحكيها باختصار:

في يوم من الأيام، كان رجل أعمال ثري يسير على شاطئ قرية صغيرة، فرأى صيادًا بسيطًا يجلس بجوار قاربه ويمتّع نظره بالمنظر الجميل. فسأله رجل الأعمال: "لماذا لا تخرج للصيد؟"

رد الصياد بابتسامة: "لقد اصطدت ما يكفيني اليوم."

تعجب رجل الأعمال وسأله: "لكن لو اصطدت أكثر، يمكنك أن تبيع السمك، وتشتري قاربًا أكبر، ومن ثم قوارب أخرى، وتبني إمبراطورية صيد ضخمة."

ابتسم الصياد مرة أخرى وقال: "وماذا بعد؟"

أجابه رجل الأعمال: "بعدها يمكنك أن تستمتع بحياتك وتسترخي!"

فقال الصياد ببساطة: "ولكن هذا ما أفعله الآن."

...

لكن مبدأ الصياد غير منطقي صراحةً، فهو لا يرغب في بذل الجهد وحسب. ونحن في الدنيا هنا لنسعى.

والسعادة درجات. السعادة التي تأتي من الإنجازات الكبيرة والمادية أيضًا مقدرة.

فأتمنى ألا تكون هذه دعوة للكسل.

تحياتي لكِ.

.

الفكرة المحورية هنا هي أن السعادة قد تكمن في اللحظات العفوية والبسيطة، تلك التي غالبًا ما نتجاهلها في زحام الحياة. عندما تفتح النافذة لتستقبل رائحة المطر، وتستعيد ابتسامتك، تدرك أن السعادة لا تتعلق بما تملك، بل بما تشعر به. هذا يعكس فكرة فلسفية قديمة تتعلق بالوعي والوجود، حيث أن إدراك اللحظة الحالية والتفاعل معها يمكن أن يكون مفتاحًا للسلام الداخلي والسعادة.

إن المقارنة بين السعي نحو الأشياء المادية والتمتع باللحظات البسيطة تشير إلى أن الكثيرين منا يعيشون في حالة من الاغتراب عن أنفسهم. تمامًا كما تساءلت السمكة الصغيرة عن المحيط، نجد أنفسنا أحيانًا نبحث عن السعادة في أماكن بعيدة بينما هي موجودة في محيطنا اليومي. هذا الاغتراب قد يكون ناتجًا عن تأثيرات المجتمع الاستهلاكي الذي يروج لفكرة أن السعادة تأتي من خلال التملك والامتلاك.

المقال يدعونا لإعادة تقييم مفاهيمنا عن السعادة، ويشجعنا على تقدير الجمال والفرح في الأشياء البسيطة. قد تكون السعادة في لحظة هدوء تحت المطر، أو في محادثة دافئة مع الأصدقاء، أو حتى في قراءة كتاب. هذه اللحظات تعكس حقيقة أن السعادة ليست وجهة نصل إليها، بل هي رحلة نعيشها ونختبرها في كل يوم.

في النهاية، يتضح أن السعادة ليست مسألة خارجية، بل هي حالة من الوعي الداخلي والامتنان لما نملك. إن إعادة النظر في مفهوم السعادة قد يكون الطريق نحو حياة أكثر توازنًا ورضا، حيث نكتشف أن "المحيط" الذي نبحث عنه هو في الواقع محيطنا الحالي، الذي نحتاج فقط إلى فتح أعيننا وقلوبنا لرؤيته والاستمتاع به.