في تجارب عديدة رأيتها، يواصل بعض المديرين المضي في مسارات خاطئة حتى بعد ظهور إشارات واضحة على فشلها. ليس لأنهم لا يرون الحقيقة، بل لأن "الأنا" ترفض أن تظهر ضعيفة أو مخطئة أمام الفريق.
كيف تفرّق كمدير بين إصرارك الصحي على مسارك وبين تعنّتك الناتج عن رفض الاعتراف بالخطأ؟
التعليقات
هذه المسألة من أكثر التحديات التي يواجهها القادة في مسيرتهم المهنية إذ يتطلب التوازن بين الإصرار على رؤية استراتيجية واضحة والمرونة في مراجعة القرارات والاعتراف بالأخطاء حكمة ووعيًا عاليين
الإصرار الصحي ينبع من إيمان عميق بالخطة والرؤية مع الاستعداد الدائم للاستماع للملاحظات وتحليل البيانات بشكل موضوعي
أما التعنّت فهو عندما تتحول الرؤية إلى عناد لا يسمح بإعادة النظر أو تقبل وجهات النظر المختلفة خوفًا من فقدان السيطرة أو الظهور بمظهر الضعف
ويجب أن تبني ثقافة الثقة والشفافية داخل الفريق بحيث يُنظر إلى الاعتراف بالخطأ كقوة وليس ضعفًا
أن تُظهر المرونة في تعديل المسارات أو الاعتراف بحاجة للتغيير هو جزء أساسي من القيادة الناجحة ويعزز احترام الفريق وثقته بك
عليك أن تميزي بين الإصرار على تحقيق الأهداف والتمسك بمبدأ صحيح وبين التعنّت الذي قد يقود إلى استنزاف الموارد وتراجع الأداء
القيادة الحكيمة تتطلب القدرة على التواضع أمام الحق والبيانات والاستعداد للتعلم المستمر
وذلك يُظهر قوة شخصية حقيقية وليس ضعفًا
صحيح أن الفرق بين الإصرار والتعنّت يبدو واضحًا نظريًا.
لكن في الواقع يصعب تمييزه وقت القرار. القائد تحت ضغط النتائج قد يظن أنه ثابت على الرؤية، بينما هو في الحقيقة يرفض المراجعة.
وهنا يكمن التحدي..
صحيح أن الفرق بين الإصرار والتعنّت يبدو واضحًا على الورق لكن على أرض الواقع وتحت ضغط الإنجاز والتوقعات قد يختلط الثبات على الرؤية مع رفض المراجعة
القائد الواعي هو من يُراجع نفسه بصدق دون أن يشعر أن التراجع عن قرار أو تعديل المسار يُنقص من هيبته بل يدرك أن المرونة جزء من الحكمة وليست ضعفًا
وأعتقد أن وجود فريق ناضج يُمارس النقد البنّاء بوضوح واحترام هو ما يساعد القائد أن يرى الصورة بوضوح في وقت الضباب
ممتنة لمداخلتك الثرية لأنها تفتح مساحة مهمة للتفكير في الفرق بين الثبات المسؤول والتعنّت الذي قد يُكلف الكثير
للأسف هذا الخطأ يقع فيه الكثير من المديرين أو أصحاب السلطة عامةً، فيجدون صعوبة بالغة في الاعتراف بأخطائهم ربما حتى لا يفقدون هالتهم أو مقدار ثقة وإيمان الموظفين والمحيطين بهم، فغالبًا ما يتم النظر للمدير على أنه القدوة، وهناك فرضية عجيبة أنه يجب أن يعرف كل شيء ولا يُخطأ أبدًا!
الاعتراف بالخطأ يتتطلب شجاعة كبيرة، وطلب المساعدة على تصحيح هذا الخطأ يتطلب شجاعة أكبر.
وفي حالة وقوع مسألة كهذه يجب أن يسأل المدير نفسه، هل يجب أن أعترف بالخطأ وأصحح مساري وأتفادى الخسارة؟ أم أستكمل طريقي في رفض الاعتراف بالخطأ وأستمر بالخسارة إلى النهاية؟!
لكن الإشكال الأعمق أن بعض المديرين لا يدرك حتى أنه في حالة إنكار.
يرى التراجع تهديدًا لمكانته بدل ما يكون دليل نضج. والحقيقة أن فقدان الثقة لا يأتي من الاعتراف بالخطأ، بل من المكابرة عليه.
الموظفون لا ينتظرون مديرًا لا يخطئ، بل مديرًا لا يهرب من مسؤولية قراره حين يتضح أنه كان خاطئًا. والمفارقة أن محاولة الحفاظ على الهالة هي بالضبط ما يؤدي إلى سقوطها.
إذا كنا نتحدث عن تفرقة المدير نفسه بين ما اذا كان اصراره بدافع المصلحة أو بدافع الغرور فأعتقد أنه يكون دائما على دراية بنواياه، فسؤال بسيط لنفسه سيكشف له سبب اصراره وعنده، إذا كانت لديه أسباب مقنعة وحقيقية اذا فهو يهتم بالمصلحة العامة للشركة، لكن إذا لم يكن لديه سبب وكان شبه متاكد أنه على خطأ فهو مجرد عند وغرور. لكن السؤال الحقيقي هو كيف يعرف الآخرين ذلك لتجنب حدوث كارثة ومحاولة ايقاف المدير عن عناده؟
هذا هو لبّ المشكلة فعلًا، لأن المدير قد يعرف نواياه لكنه لا يصرّح بها، والأسوأ أن بعضهم يقنع نفسه أن عناده هو "ثبات على الموقف". أما الفريق، فلا يمكنه الدخول في نية المدير، لكنه يستطيع قراءة الأفعال: هل يتجاهل الحقائق؟ هل يرفض كل اعتراض؟ هل يحول أي نقاش إلى تهديد؟ هذه مؤشرات خطيرة.
دور الفريق هنا أن يبني ثقافة مواجهة محترمة ولكن حازمة. طرح الأسئلة الذكية، طلب تفسير القرارات بناءً على بيانات، تقديم بدائل مدروسة… هذه أدوات قوية لكشف الغرور المقنع بثقة. الكارثة لا تقع من قرار سيئ فقط، بل من سكوت الجميع أثناء اتخاذه.
المشكلة تكمن في أن هؤلاء المديرين ليسوا بالضرورة عميانًا عن الحقيقة، بل إن "الأنا" لديهم تمنعهم من الاعتراف بالخطأ أو الظهور بمظهر الضعيف أمام الفريق. يكمن الفرق الجوهري في أن الإصرار الصحي ينبع من قناعة راسخة مبنية على تحليل منطقي وقدرة على التكيف، حيث يكون المدير مستعدًا لتعديل المسار بناءً على البيانات والتغذية الراجعة، بينما ينشأ التعنت من الخوف من فقدان السلطة أو الهيبة، أو من الحاجة المفرطة لإثبات الذات، مما يقود إلى التجاهل المتعمد للأدلة. كمدير، يتطلب التمييز بينهما التحلي بالوعي الذاتي، وتشجيع ثقافة الشفافية داخل الفريق، والاستماع الفعال للنقد البناء، مع القدرة على مراجعة القرارات بشكل دوري وشفاف، حتى لو عنى ذلك التراجع عن مسار سابق.
اتفق معك، والأهم هنا أن المدير يدرك أن الظهور بمظهر المتراجع لا يضعف سلطته، بل يعززها إذا تم بالشكل الصحيح. التراجع المدروس دليل نضج وليس ضعف، لأنه يُظهر أن القائد يقود بحساب، لا بعناد.
المعضلة أن بعض المدراء يربطون بين التراجع وفقدان الهيبة، بينما الفريق في الحقيقة يحترم القائد الذي يُراجع نفسه أكثر من ذاك الذي يجرّهم نحو الحائط وهو يعلم. لذلك، بناء بيئة تعزز الصراحة وتحتوي التراجع كجزء من التعلم المؤسسي، ضرورة لا رفاهية.
لو من ناحية المدير نفسه الموضوع بسيط، كل شخص يعلم حينما يتصرف بعاطفية عمومًا، وبناءً على تحيزات، ولكنه يحاول جاهدًا إظهار عقلانية قراره، والتمميز هنا مهم، لو ان قرار المدير عقلاني، سيهتم بأن يشرحه ويدعمه بتحليلات الفريق والجهود البحثية والاستطلاعات وغيرها، وسيكون أولوية له أن يعرف آراء الخبراء والتأكد من صحة قراره، أما لو كان يخشى كل ما سبق، ويرفض التناقش ويهتم بتنفيذ رأي -غالبًا مع رفض الجميع لأسباب منطقية جدًا- فهو هنا يتصرف ب "الأنا" دون وضع العواقب في أي اعتبار.
بالضبط، وأضيف أن المدير الذي يخشى النقاش أو يتجنب الرأي المخالف لا يحمي قراره بقدر ما يحمي صورته عن نفسه. القرار العقلاني لا يحتاج إلى الصراخ ليُمرر، بل يُقنع بمنطقه وأدواته. أما قرار "الأنا"، فغالبًا ما يُفرض بالقوة أو التلاعب لأنه لا يصمد أمام الأسئلة البسيطة.
الفرق الجوهري أن المدير الواعي يبحث عن الأدلة حتى لو خالفته، لأنه يعتبر نفسه في خدمة المشروع، لا العكس. أما من تحرّكه الأنا، فيعتبر المشروع أداة لخدمة صورته، وهنا يبدأ الانحدار المؤسسي حتى لو بدا على السطح أن الأمور تسير.
الفرق يكمن في القدرة على التقييم الموضوعي للواقع والاستجابة له بمرونة. الإصرار الصحي ينبع من ثقة مبنية على تحليل واضح ودليل يدعم الاستمرار، مع استعداد دائم لإعادة النظر إذا تغيرت المعطيات. أما التعنّت فهو غلبة "الأنا" التي تمنع الاعتراف بالخطأ، فتُعمى عن الأدلة وتُصر على المضي رغم المؤشرات السلبية. المدير الناجح هو من يستطيع أن يوازن بين الثبات والمرونة، ويجعل مصلحة الفريق والنتائج الواقعية هي الموجه، لا كبرياؤه الشخصي.